دراسة نقدية لقصة "رجل يعرف كل شيء" للكاتب الإنجليزي سومرست موم - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: تدثيرة شتوية (آخر رد :حسين إبراهيم الشافعي)       :: || كي لا يموت الأمل/ احتمالات للحبّ والحياة || (آخر رد :ميساء هاشم)       :: [ صندوق الوارد \ sms] (آخر رد :ميساء هاشم)       :: ~~ ورق ملاحظات ~~ (آخر رد :ميساء هاشم)       :: قصص قصيرة جدا..!! (آخر رد :ميساء هاشم)       :: (( في الأربعين )) (آخر رد :ميساء هاشم)       :: دور الشعر في العلاج النفسي (آخر رد :ميساء هاشم)       :: محمد صلى الله عليه وسلم محرر اللانسان والزمان والمكان (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: أعترف (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: أمنية بسيطة .. (آخر رد :شوق عبدالعزيز)      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > مَرَايَا أَدَبِيَّة > مَلامِحٌ نَقْدِيَّة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-19-2010, 08:15 AM   #1
معلومات العضو
تهاني المبرك
كاتبة

الصورة الرمزية تهاني المبرك



دراسة نقدية لقصة "رجل يعرف كل شيء" للكاتب الإنجليزي سومرست موم

دراسة نقدية لقصة "رجل يعرف كل شيء" للكاتب الإنجليزي سومرست موم



لست أدري كيف حدث هذا على وجه التحديد, ولكنه كان مقدرًا لي أن أمقت هذا الذي يدعى"ماكس كلادا" قبل أن أعرفه! وكانت الحرب قد وضعت أوزارها, وقد اضطربت حركةُ السفر بالسفن عابرات المحيط اضطرابا شديدًا, حتى إنه لم يكن يسع المسافر إلا أن يقبل أي مكان يخصص له, ولو كان مكانا ضيقًا على ظهر الباخرة!
لهذا شكرت الظروف التي مكنتني من الوصول إلى"كابين" ذي سريرين, ولما قيل لي إن اسم زميلي في الكابين"ماكس كلادا" أخذ قلبي يدق بسرعة إذ سأقضي أربعة عشر يوما في البحر بين "سان فرانسيسكو" و "يوكوهاما" وأنا في صحبة زميل واحد طوال الوقت, خاصة أنه يدعى ماكس كلادا؟! لا شك أنني سأكون أقل امتعاضا وتبرما لو كان لرفيقي هذا اسم طريف "كسميث أو براين" مثلاً !
# # #

وما كدت أصل إلى السفينة حتى تبين لي أن أمتعة" السيد "كلادا" قد سبقتني إلى "الكابين" , وقد كرهت لأول وهلة شكل أمتعته, وتلك الحقائب الضخمة التي كانت تعلوها بطاقات كثيرة تحمل أسماء أكبر فنادق العالم, وكان الرجل قد أخرج منها كل أدوات الزينة, ورصها منسقةً على الرف الزجاجي الذي يعلو حوض الغسيل , فتركت حقائبي بالكابين, ثم قصدت إلى غرفة التدخين بالباخرة , وطلبت إلى الغلام أن يحضر لي بعض أوراق اللعب, فلما جاءني بها أخذت أقتل الوقت بلعبة"الصبر". ولم تكد تنقضي لحظة حتى اقترب مني رجل ناداني باسمي , ثم خاطبني قائلا وعلى شفتيه ابتسامة لا تحمل أي معنى:
- أنا أدعى"كلادا" .. "ماكس كلادا".
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة , كان قد استقر في المقعد المقابل! فقلت له في غير اهتمام:
- أظن أننا شريكان في كابين واحد؟
- هو ذلك. الواقع أن المرء لا يستطيع أن يعرف هذه الأيام من ذا الذي سيكون رفيقه في السفر, غير أنني سررت كثيرًا عندما عرفت أنك إنجليزي , فمن الخير لنا نحن الإنجليز أن نعيش متلازمين, حينما نكون على سفر خارج بلادنا.
- وهل أنت إنجليزي؟
- أحسب أنك تظنني أمريكيـًّا . أليس كذلك؟ أؤكد لكَ أنني إنجليزي من قمة رأسي إلى أخمص قدمي!
ولكي يثبت لي السيد "كلادا" شخصيته الإنجليزية , أخرج جواز سفره من جيبه بحركة سريعة, وقربه كثيرًا من عيني حتى كاد يلامس طرف أنفي. وكان الرجل قصير القامة , أسود الشعر , تعلو وجهه سمرة خفيفة. وكان يتكلم الإنجليزية بطلاقة وبأسلوب سليم , ولباقة جمة متكلفة. كان كل هذا يؤكد لي أني لو فحصت هذا الجواز الذي يقدمه لي بعناية لأدركت أنه ولد بأرض سماؤها صافية , تبعد كثيرًا عن إنجلترا ذاتها. ومرت لحظة من الصمت بددها الرجل بقوله:
- ماذا تشرب ؟
فنظرت إليه وقد تملكتني دهشة بالغة , فقد كانت الأوامر بمنع تقديم الخمر في السفن الأمريكية لا تزال قائمة, وكانت كل الدلائل تدل على أن السفينة لا تحمل أي نوع من الخمور. غير أن السيد "كلادا" لم ينتظر حتى أجيب , وإنما أضاف قائلا على الفور: "ويسكي" بالصودا ؟ .. أم مارتيني؟ ما عليك إلا أن تذكر الاسم فحسب.
وأخرج زجاجة صغيرة من كل جيب من جيوبه , ثم نادى الساقي , وطلب إليه أن يحضر كأسين وبعض الثلج , ثم قال لي بلهجة الواثق المطمئن:
- لا تهتم بالشراب , فلدي منه الكثير , وإن كان لك أصدقاء في هذه السفينة فأبلغهم أن رفيقك في السفر لديه كافة أنواع الخمور المعروفة في العالم.
# # #

والحق أن زميلي كان ثرثارًا , فقد تحدث عن"نيويورك" و "سان فرانسيسكو" , كما تحدث عن أفلام السينما ونقد المسرحيات , ثم أفاض في كلامه عن السياسة وعن الحرب. وكنت قد أزحت ورق اللعب جانبـا عندما جلس الرجل أمامي , غير أنه لما بدا حديثه الذي لا يكاد ينتهي وجدت نفسي أعود بحركة آلية إلى أوراقي أنسقها من جديد. ومرت لحظات وأنا على هذه الحال, وفجأة, سمعت السيد "كلادا" يقول:
- كلا , كلا . الأفضل أن تضع الثلاثة فوق الأربعة !
والواقع أنه ليس ثمة ما هو أكثر إزعاجا للمرء من أن يحدثه إنسان بما يجب عليه أن يفعل وهو يلعب لعبة "الصبر" . ولهذا , فقد نحيت أوراق اللعب مرة أخرى , وفي عزمي ألا أعود إليها إلا بعد انصراف هذا الزميل الفضولي الثرثار . ولكن لشد ما أدهشني أنه أمسك بالورق وهو يقول:
- أتحب أن ترى بعض الألعاب الورق السحرية ؟
فأجبته قائلا وقد تملكني الغيظ :
- كلا فأنا أكرهها !
- بل سأريك واحدة منها , ولا شك في أنها ستعجبك.
وسرعان ما قرن القول بالعمل , فأراني ثلاثا منها في سرعة البرق ! ولما قلت له إني ذاهب إلى غرفة الطعام لأنتقي مقعدًا مناسبا لي , صاح قائلا في حماس ظاهر :
- لا داعي لأن تتعب نفسك , فقد اخترت لك بنفسي مقعدًا , وبما أننا نقيم في كابين واحد , فمن الطبيعي إذًا أن نجلس معـًا إلى مائدة واحدة.
وكرهت السيد "كلادا" أكثر من ذي قبل . ذلك أني لم أكن أشاركه "كابينـًا" واحدًا أو أتناول طعامي إلى جانبه ثلاث مرات فحسب , بل الواقع أني كنت لا أستطيع أن أجول على ظهر الباخرة دون أن يكون ملازمـًا لي, إلى حد أني اقتنعت أخيرًا بأن الإفلات منه أمر محال , وكان أكثر من ذلك استحالة أن تقنعه بأنه شخص غير مرغوب فيه. فقد كان يثق أتم الوثوق من أنك تسر لرؤيته, تماما كما يسر هو لرؤيتك , ولو أنه زارك في بيتك فأغلقت الباب من دونه وقذفت به إلى أسفل السلم لما خطر بباله قط مع ذلك أنه زائر ثقيل غير مرغوب فيه!
وكان "ماكس كلادا" يتعرف إل الناس في سهولة بالغة, فلم تكد تنقضي ثلاثة أيام على رحيل السفينة, حتى كان قد عرف كل من فيها, وكان يشرف على سباق الخيل الخشبية , ويسحب أوراق اليانصيب , ويجمع النقود للجوائز المالية , وينظم حفلات الرقص التنكرية , وينسق البرامج لفرقة موسيقا السفينة. كان في كل مكان , وكان يقوم بكل عمل , وكان إلى جانب هذا أول المكروهين في هذا العالم الصغير الذي تعد السفينة حدوده.
وقد أطلقنا نحن المسافرين على السيد"كلادا" اسم "الرجل الذي يعرف كل شيء" وصرنا نناديه بهذا الاسم , فلم يكن يغضب لذلك , بل إنه كان يجد نوعا من الإطراء لشخصه , والثناء عليه! وكان الرجل أثقل ما يكون ظلا في أوقات تناول الطعام , إذ كنا جميعا تحت رحمته في هذا الوقت بالذات , فهو يناقش كل إنسان , ويتحدث في كل موضوع , ويعرف مالا يعرفه سواه , ولا يدع شيئا مهما كان تافها صغيرًا إلا وجادل فيه , ثم لا يكف عن الجدل بعد ذلك إلا بعد أن ترى نفسك مضطرًا إلى التسليم بما يقول!
كان يجلس معنا إلى المائدة, التي كان يتصدرها طبيب السفينة بصفة دائما , رجل شبيه بالسيد "كلادا" في كثرة الجدل اسمه"رمزاي" وهو أمريكي ضخم الجسم , يعمل في السلك السياسي , قنصلا لبلاده في كوبا. وقد عرفنا أنه كان عائدا إلى مقر عمله , بعد عطلة قصيرة قضاها في نيويورك , ليحضر زوجته التي كانت قد قضت بها أكثر من عام في زيارة لأسرتها.
كانت زوجة السيد "رمزاي" سيدة جميلة صغيرة الجسم , على قدر كبير من روح المرح والدعابة , وتلبس دائما ثيابا بسيطة, فالخدمة في السلك القنصلي لا توفر للقائم بها عادة أجرًا كبيرًا , ومع ذلك فقد كانت لهذه السيدة على بساطة ملبسها صورة تستوقف النظر , لا أعرف كيف أعبر عنها بالكلمات , فهي لا تتميز عن أية امرأة أخرى متوسطة الجمال , وقد تمر بعشرات مثلها في كل وقت في طريقك , غير أنها كانت مع ذلك تشع بهاءً وفتنة , كوردة ساحرة في معطفها القاتم اللون.

# # #

وذات يوم وكنا جلوسـًا إلى مائدة الغداء كالعادة , تطرق الحديثُ مصادفةً إلى الحلي والجواهر, وكانت الصحف قد نشرت مقالا طويلا عن صناعة الجواهر الزائفة في اليابان , وعن إتقان اليابانيين لهذه الصناعة. وقد عقب طبيب السفينة على هذا الحديث بقوله إن صناعة الجواهر الزائفة قد أصابت من النجاح ما هو خليق بأن يقلل من قيمة الجواهر الحقيقية. فاندفع السيد"كلادا" عندئذ يجادل ويناقش على عادته , وما كنت أظن أن السيد "رمزاي" القنصل يمكن أن يكون هو الآخر خبيرًا بشأن الجواهر الصحيحة والزائفة, غير أنه لم يستطع أن يقاوم عادته فتدخل بدوره في المناقشة بحماس ظاهر . وهكذا احتدمت بين الرجلين معركة كلامية حامية الوطيس. ولعل القنصل قد قال شيئا ضاق به صدر السيد "كلادا" لأن هذا الأخير ضرب المائدة بقبضة يده ليؤكد كلامه , وهو يقول بصوت عالٍ :
- إني أعرف ما أقول , وأنا في طريقي إلى اليابان خصيصا لبحث صناعة الجواهر الزائفة , ولا يوجد في العالم كله من يعرف هذا الموضوع مثلي, أو يقول لكم إن "ماكس كلادا" ليس حجة فيه. إني أعرف أيها الأصدقاء تاريخ كل جوهرة ثمينة في العالم.
وكان الحديث جديدا بالنسبة إلينا عن حقيقة عمل "الرجل الذي يعرف كل شيء" , إذ لم يسبق أن ذكر لنا أي شيء عن عمله , وإن كنا قد عرفنا أنه ذاهب إلى اليابان في مهمة تجارية.
ودار "كلادا" بعينيه يتفحص وجوه الحاضرين , وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ظافرة , ومضت لحظة صمت ثم أضاف يقول :
- يتحدث السيد"الدكتور" عن أن صناعة الجواهر الزائفة سوف تؤثر في قيمة الجواهر الحقيقية , ولكني أستطيع أن أؤكد لكم العكس..
وصمت لحظة قصيرة كأنما يريد أن يتبين وقع كلامه في نفوس الحاضرين , ثم استطرد يقول:
- وأؤكد لكِ يا سيدة "رمزاي" أن هذه الجوهرة التي في عنقك لن تفقد مليمـًا واحدًا من الثمن الذي دفعته فيها.
وما إن سمعت السيدة "رمزاي" عبارته الأخيرة حتى انتفضت انتفاضة مفاجئة , وسرعان ما تمالكت نفسها وأمسكت بالسلسلة في بساطة, ووضعتها في صدرها تحت الثوب في أمان , وكأنها تشعر بقلق شديد من ناحيتها!!
ومال السيد "رمزاي" قليلا إلى الأمام بعد أن أغمض إحدى عينيه , وغمز لنا بطريقة ذات مغزى خاص:
- إن هذه السلسلة التي تلبسها زوجتي جميلة ولا شك يا سيد "كلادا".
- نعم , وقد عرفتها من أول نظرة , فهي من أحسن أنواع الماس.
فهزَّ السيد "رمزاي" كتفيه العريضتين وهو يقول:
- الواقع أني لم أدفع فيها شيئـًا ويهمني أن أعرف ثمنها!
فظهرت إمارات الاهتمام على وجه السيد "كلادا" وقال بلهجة من يدلي بنبأ بالغ الخطورة :
- أؤكد لكَ أن ثمنها لا يقل بحال من الأحوال عن خمسة عشر ألف دولار , وإن كان من اشتراها قد ابتاعها من "الشارع الخامس", فلا يدهشني أن يكون الثمن قد ارتفع إلى ثلاثين ألفـًا!
وارتسمت على شفتي القنصل ابتسامة ساخرة وهو يقول:
- قد تكو مفاجأة لكَ يا عزيزي السيد "كلادا" أن تعلم أن زوجتي قد ابتاعت هذه الحلية من أحد المحال التجارية بثمانية عشر دولارًا فقط يوم أن غادرنا نيويورك!
فانتفض السيد "كلادا" في مقعده كمن لدغه عقرب , وصرخ قائلا بصوت تفيض نبراته بالمعارضة والاحتجاج:
- كلا , أبدًا . هذا غير ممكن. إنك تسخر مني يا سيد "رمزاي"!
- أتراهنني ؟ أتراهن بمائة دولار على أنها جواهر زائفة ؟
- نعم أراهنك !
وهنا تدخلت السيدة "رمزاي" في المناقشة التي قامت بين الرجلين , فقالت تخاطب زوجها في صوت هادئ النبرات :
- ولكنك لن تراهن يا عزيزي على شيء تعرف أنت حقيقته من قبل , وإلا ... فإن السيد "كلادا" يكون مغبونـًا في هذا الرهان!!
- كيف تتاح لي فرصة سانحة للحصول على مائة دولار من أسهل طريق , ثم أتركها تمر دون أن أغتنمها ؟ لا شك في أنني لو فعلت ذلك لكنتُ غبيـًّا أحمق !
- ولكن , كيف يمكنك أن تثبت ما تقول , وليس معي ما يدل على الثمن الذي دفعته , إن المسألة كلها لا تعدو أن تكون مسألة أقوال فحسب!
- لست أريد إثباتـًا من أي نوع , وكل ما أطلبه هو أن أفحص هذه الماسات , وسوف أخبركم بسرعة عن حقيقة أمرها , حتى لو خسرت الرهان, فإني رجل شريف.
فأسرع السيد "رمزاي" يقول زوجته:
- انزعيها إذًا من صدرك يا عزيزتي , واتركيها للسيد "كلادا" ليفحصها كما يشاء.
فترددت الزوجة لحظة قصيرة ثم أسقطت يديها إلى جانبيها , وهي تقول:
- لست مستطيعة أن أفتح هذا القفل , وآمل أن يكون السيد " كلادا" على ثقة مما أقول.
وخطر لي في تلك اللحظة أن مأساة توشك أن تقع , وأخذت أدعو الله في سري أن تتوقف المناقشة عند هذا الحد, غير أن القنصل قفز من مقعده فجأة وهو يقول:
- لا بأس . أستطيع أنا أن أفتحه بنفسي.
وقرن القول بالعمل , فمد يديه إلى عنق زوجته وسرعان ما انتزع السلسلة الماسية التي تزينه , وقدمها إلى السيد "كلادا" الذي أخذ منظارًا مكبرًا, وأخذ يفحص الماسات في صمت , وفجأة بدت على وجهه علامات الانتصار , وأعاد الحلية إلى السيدة "رمزاي" وقد بدا عليه أنه يهمُّ بأن يقول شيئـًا .. ولكن نظره وقع على وجه الزوجة مصادفة في تلك اللحظة , فلاحظ أنه قد صار أبيضَ كالثلج , وبدا له كأنها توشك أن تفقد الوعي !.. كانت تنظر إلى وجهه بعينين يطل منهما الفزع وتنطقان بالتوسل والرجاء , وكأنها تتوسل إليه ألا يتكلم .والحق أني دهشت شخصيـًّا لأن زوجها نفسه لم يلحظ شيئـًا من هذا كله مع أنه كان ظاهرًا للعيان!
وأطبق السيد "كلادا فمه ولزم الصمت , وبدا لي لحظتها أنه يبذل جهدًا كبيرًا ليسيطر على أعصابه . وران الصمت على الحاضرين لحظة , وأخيرًا قال السيد "كلادا":
- إنني آسف فقد أخطأت ! إذ الواقع أنها ماسات زيفت بمهارة فائقة , وأعتقد أن ثمانية عشر دولارًا تعد ثمنا مناسبا لا غبن فيه.
ثم أخرج السيد "كلادا" من حافظة نقوده ورقة من فئة المائة دولار , وقدمها إلى السيد "رمزاي" معتذرًا عن الجدل الذي أثاره. ومضت لحظة صمت قصيرة قال بعدها القنصل وهو يدس ورقة النقد في حافظة نقوده :
- أعتقد يا صديقي العزيز أن هذا الدرس يكفي , فلا تجادل مرة أخرى فيما ليس لك به علم.
وشعرت في تلك اللحظة أن السيد "كلادا" كان يعاني موقفـًا لا يحسد عليه , إذ لاحظت أن يديه كانتا ترتعدان. غير أنه جاهد كي يتمالك زمام نفسه ولم يعقب بكلمة واحدة .

# # #
وانتشرت القصة بسرعة البرق في كل أنحاء السفينة . وكانت أضحوكة طريفة حقًّـا أن الرجل الذي يعرف كل شيء قد أخطأه التوفيق في أمر يزعم أنه حجة فيه . ومن الغريب أن السيدة "رمزاي" قد لزمت "كابينها" عقب هذا الحادث فلم تبرحها طوال المساء , بل إنها لم تُشاهد وقت العشاء في غرفة الطعام , ولم تحضر السهرة التي أعقبته بحجة أنها مصابة بصداع شديد !!

# # #

واستيقظت مبكرًا في صباح اليوم التالي , ووقفت أحلق لحيتي أمام المرآة , وكان السيد "كلادا" لا يزال مستلقيـًّا في فراشه يدخن سجائره , وفجأة رأيت خطابا صغير الحجم يدفع من تحت الباب , فقرأت على غلافه هذه الكلمات مكتوبة بأحرف كبيرة :"إلى السيد ماكس كلادا" . وفتحت الباب بسرعة لأعرف من يكون مرسل الخطاب أو حامله على الأقل , غير أني وجدت أن الممر الضيق كان خاليـًّا تمامـا !
وناولت الخطاب إلى السيد "كلادا" , وكان لا يزال مستلقيـًّا في الفراش . ومرت لحظة قصيرة أحسست بعدها بأنه يمزق قطعة من الورق , وعندما أدرت وجهي نحوه , مد يده بقطع صغيرة ممزقة من الورق وهو يقول:
- هلا قذفتَ بهذه القصاصات من الكوة إلى البحر الواسع ؟
ولما أجبته إلى طلبه واستدرت نحوه ثانية طالعتني ابتسامة ساخرة كانت قد ارتسمت على شفتيه, ومرت لحظة صمت قصيرة قبل أن يقول :
- ليس من السهل على المرء أن يدعي الجهل !
فقلت له في لهجة شاع في نبراتها مزيد من اللهفة والفضول :
- وهل كانت الماسات حقيقية ؟
ولم يجب الرجل الذي يعرف كل شيء عن سؤالي مباشرة , وإنما نظر في عيني طويلا ثم قال:
- لو كانت لي زوجة صغيرة جميلة لما تركتها تقضي في "نيويورك" عامـًا بأكمله في حين أكون أنا في "كوبا" ! إذ لا شك في أنها ستكون عندئذٍ معرضة لإغراء الهدايا الغالية الثمن !
وشعرت في تلك اللحظة شعورًا واضحـًا بأنني أصبحت لا أكره السيد "كلادا" , الذي كان مشغولا بإعادة ورقة نقد من فئة المائة دولار إلى حافظة نقوده !!


وليم سومرست موم (1874 - 1965م):


وُلد وليم سومرست موم في باريس، حيث كان أبوه يعمل في السفارة البريطانية. ودرس الطب بناء على رغبة عائلته، لكنه لم يمارس مهنة الطب , لأنه كان شغوفا بالأدب. وهو روائي وكاتب مسرحي، أصبح واحدًا من أشهر المؤلفين البريطانيين في بداية القرن العشرين. نال حظوة كبيرة لدى الجمهور أكثر منها لدى النقاد.تميزت كتابات موم بأسلوب ساخر غير متحيز. من أروع أعماله التي لها أساس واقعي "الرق البشري" وتحكي قصة طالب طب أعرج وقع في حب امرأة لا تهتم بمشاعره.وله مجموعات قصصية منها:"ارتعاشة ورقة", "على شاشة صينية", "أول شخص وحيد" .ومن أشهر أعماله الكوميدية مسرحية "الدائرة"، التي ترجمت إلى العربية، ومسرحية "الزوجة الوفية".وقد كان جاسوساً ويعمل في الاستخبارات !
تهاني المبرك غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 10-19-2010, 08:18 AM   #2
معلومات العضو
تهاني المبرك
كاتبة

الصورة الرمزية تهاني المبرك





ينطلق السرد من بداية مشوقة , إذ يكشف السارد بضمير الأنا المتكلم عن مقته لـ"ماكس كلادا" الذي التقى به على ظهر سفينة وكان زميله في الكابين. وهذه البداية تقدح في نفوسنا التطلع إلى معرفة سبب هذا المقت وتداعياته.ثم تتوالى الأحداث تواليا تصاعديا لتكشف عن "ماكس كلادا" شخصية القصة الرئيسة ذلك الرجل الأعجوبة.
والراوي هنا هو مجرد شاهد "ينقل الأحداث ويحكي عن الشخصيات"[1], وهذا يتيح لنا أن نرى الأحداث من زاويته وأن نلتحم به , ونشعر بما يشعر به وخاصة أنه يروي بضمير الأنا المتكلم , كما أنه ينقل لنا ما يراه وما يعرفه فقط ,فهو راوٍ غير مطلع على خبايا الشخصيات ولا ملم بكل التفاصيل , فهو ذو رؤية داخلية [2], مما يجعلنا نكتشف ما يحيط به وما يحدث حوله بمعيته وهذا أدعى للدهشة , كما أنه يخلق علاقة حميمية قوامها المشاركة بيننا وبينه.بالإضافة إلى أن ضمير المتكلم يساعد على توجه الزمن في القص نحو الأمام باتجاه الأحداث القادمة, وهذا ما لا يتيحه ضمير الغائب, حيث الماضي هو مملكته الفضلى[3].

على أننا لا نعرف الكثير عن هذا الراوي , فهو لم يذكر لنا اسمه أو مهنته , أو يصف لنا شكله الخارجي وكل ما هنالك أنه رجل إنجليزي , ومن خلال السرد نكتشف ضمنيا أنه غير مبادر ويميل إلى العزلة ومنصت جيد ولا يحب الانخراط في النقاشات, فهو على العموم شخصية مسالمة. وكأن اختيار سومرست موم وقع على هذا الراوي (المنصت المراقب), السارد من خلال تلك الرؤية تحديدا(الرؤيا الداخلية/ الرؤية مع) لأنه الأقدر على تصوير ماكس كلادا من الخارج , ومدى تفاعله مع العالم المحيط به , ودوره في ذلك المجتمع الصغير , ورأي الناس فيه, والأقدر على التحليل والتعليل, وهو الأقدر على قلب مشاعرنا من الكره والنفور -نحو ماكس كلادا - إلى التقدير.


كيف قدم القاص شخصية "ماكس كلادا" ؟

لم يلجأ موم إلى التقرير [4] في تقديم شخصية كلادا , فلم يذكر لنا بعبارات إخبارية تقريرية أنه رجل نشيط ,كثير الأسفار, معتد بنفسه, مبادر, واثق ,كريم, يكذب أحيانا, قيادي, بل صور ذلك تصويرًا من خلال الوصف والحوار والأحداث [5] . مثال ذلك:
الحدث :
"وما كدت أصل السفينة حتى تبين لي أن أمتعة مستر كلادا قد سبقتني إلى الكابين". حدث وصول أمتعة كلادا قبل راوي القصة يكشف عن تميزه بالتبكير في المواعيد.
الوصف:
" وقد كرهت لأول وهلة شكل أمتعته وتلك الحقائب الضخمة التي كانت تعلوها بطاقات كثيرة تحمل أسماء أكبر فنادق العالم". هذا الوصف يبين لنا أنه رجل مِسْفَار .
الحوار:
"ثم خاطبني قائلا وعلى شفتيه ابتسامة لا تحمل أي معنى:
-أنا أدعى كلادا.. ماكس كلادا.
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة, كان قد استقر في المقعد المقابل". نستشف من تقديم كلادا نفسه أنه رجل جريء واجتماعي وواثق, وآية هذه الثقة أنه جلس دون استئذان على المقعد المقابل .
أيضًا :
"وأخرج زجاجة صغيرة من كل جيب من جيوبه , ثم نادى الساقي, وطلب إليه أن يحضر كأسين وبعض الثلج , ثم قال لي بلهجة الواثق المطمئن :
- لا تهتم بالشراب , فلدي منه الكثير, وإن كان لك أصدقاء في هذه السفينة فأبلغهم أن رفيقك في السفر لديه كافة أنواع الخمر المعروفة في العالم".
الحوار هنا يبين لنا أن كلادا مطبوع على الكرم وأنه مضياف.
ولقد رسم موم شخصية كلادا بأبعادها الثلاثة :
1/ البعد الجسمي : ويتمثل في صفات الجسم من طول وقصر, وبدانة ونحافة,وذكر أو أنثى , وعيوب الشخصية، وسنها . والأوصاف الجسمية لكلادا هي: رجل ,قصير القامة , أسود الشعر, تعلو وجهه سمرة خفيفة. وهذه الصفات جعلت الراوي يشك في كونه إنجليزيا.
2/ البعد النفسي: ويكون في الاستعداد والسلوك من رغبات وآمال وعزيمة وفكر ، ومزاج الشخصية من انفعال وهدوء وانطواء أو انبساط.والبعد النفسي لشخصية كلادا يظهر في كونه منطلقا , جريئا, اجتماعيا ,وهو قيادي وكريم ومبادر ونشيط ,وكلادا فيه أنانية وغير مبالٍ بمشاعر الآخرين ويفرض نفسه عليهم , وكلادا لديه إصرار على التفوق ولا يقبل الهزيمة بحيث لو جادله شخص فلن يدعه حتى يسلم له.
3 / البعد الاجتماعي:يتمثل في انتماء الشخصية إلى طبقة اجتماعية محددة , وفي نوع العمل الذي تقوم به , وثقافتها , ونشاطها وكل ظروفها المؤثرة في حياتها ، ودينها وجنسيتها , وهواياتها. والبعد الاجتماعي لكلادا يتمثل في كونه رجلا يتكلم الإنجليزية بطلاقة, ويدعي أنه إنجليزي,ثقافته واسعة, ومستواه المادي رفيع يتيح له كثرة الأسفار , وهو خبير في صناعة الجواهر وقد كان في طريقه إلى اليابان لبحث موضوع صناعة الجواهر الزائفة.كما أنه رجل نشيط قيادي يحرص على أن يبقى مسيطرا على زمام الأمور, فكان يشرف على سباق الخيل الخشبية , ويسحب أوراق اليانصيب وينظم الحفلات:"كان في كل مكان ,وكان يقوم بكل عمل".وهو يعشق الحديث مع الآخرين,و يتعرف إلى الناس في سهولة بالغة.وهو رجل يحب الشهرة والأضواء ولفت الانتباه ولذا هو يتفاخر بمعارفه الواسعة وثقافته العريضة:"والحق أن زميلي كان ثرثارًا فقد تحدث عن نيويورك وسان فرنسيسكو...".
والبعد الاجتماعي يقتضي "إقامة عالم بشري ومادي من حول الشخصية تحقق فيه انتماءها إلى فئة معينة من الناس, أو مكان محدد كالريف أو المدينة, أو طبقة اجتماعية بحيث ينعكس هذا الانتماء على حركتها, ولغتها , وسلوكها, وطوحها"[6].
وكل هذا الأوصاف تتظافر لترسم شخصية صعبة وصدامية وقيادية, وهذا بدوره سيغذي الصراع ويؤدي إلى تعقد الأمور. ونلاحظ أن الوصف هنا يؤدي وظيفة تفسيرية دلالية فيكشف عن الأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصية القصصية, مما يسهم في تفسير سلوكها ومواقفها المختلفة.
الحبكة:
بعد أن رسم موم صورةً ضافية لكلادا (محور القصة) بدأ يدفع بالحبكة نحو التأزم من خلال إيجاد صراع يذكي الأحداث . والصراع في هذه القصة ناشئ عن تصادم شخصيتين متعارضتين : شخصية كلادا وشخصية "رمزاي" الذي نعته الراوي بطبيب السفينة. والسيد "رمزاي" طبيب أمريكي يعمل في القنصلية الأمريكية في كوبا. وهو رجل ضخم الجسم , ويتصدر المائدة, وكثير الجدل. وهذه الأوصاف تكشف عن إحساس الشخصية بتميزها وعلو مكانتها مما يجعلها (تتصدر المائدة), ووصفها بضخامة الجسم يزيدها قوة ومهابة تناسب السلك العسكري الذي تخدم فيه, وكثرة جدلها يشير إلى نزوعها إلى الصدام والمخالفة وبالتالي يـَعِد بصراع حاد ستبلغه الأحداث.
وكان بصحبة السيد "رمزاي" زوجته التي جاءت معه إلى كوبا بعد أن قضت سنة كاملة في زيارة أهلها في نيويورك. وهي سيدة جميلة صغيرة الجسم ,تميل إلى الدعابة والمرح , و"تلبس دائما ثيابا بسيطة, فالخدمة في السلك القنصلي لا توفر للقائم بها عادة أجرًا كبيرًا". هذه الأوصاف التي ساقها الراوي ليست اعتباطية وإنما تفسر أشياء كثيرة وتسهم في بناء المعنى .ذلك أن شخصيتها المرحة وما تتمتع به من جاذبية يصيرها مناقضة لزوجها المتكبر العنيد الصلف , وهذا يجعل خيانتها إياه أمرًا محتملا , ووصف ملابسها بالبساطة وتعليل ذلك بمحدودية دخل زوجها ينبهنا إلى استحالة امتلاكها عقد ألماس باهظ الثمن, وبالتالي يغذي فكرة الخيانة!
يبدأ تصعيد الصراع من لحظة احتداد النقاش بين "كلادا" و"رمزاي" حول صناعة الجواهر الزائفة, وتأخذ الأحداث في الاشتباك والتوتر أكثر عندما يطلب كلادا فحص عقد زوجة "رمزاي" مؤكدا أن ثمنه لا يقل عن خمس عشرة ألف دولار , ويقبل "رمزاي" الرهان, في حين يشحب لون الزوجة ويظهر عليها الرعب وتبعث بنظراتها المتوسلة إلى "كلادا" , الذي فطن إلى ما حل بالزوجة , وانثنى عن رأيه , وأعلن توهمه واعتذر ثم دفع مائة دولار, وجاهد كثيرًا ليسيطر على يديه المرتعدتين وليحتمل شماتة الناس به.
إن حدة الصراع أخذت في الخفوت منذ أن تراجع كلادا عن رأيه , وقبل أن يخسر الرهان رغم يقينه بصحة رأيه. ثم تأتي لحظة التنوير في النهاية كاشفة عن الحقيقة ومتممة لمعنى القصة , وفيها يبلغ الإحساس أوجه, ويرافق ذلك اهتزاز واندهاش. فالمرأة تبعث في الصباح إليه ظرفا فيه مائة دولار ,فيتخلص من الظرف ويعيد الورقة المالية إلى محفظته ويقول لصاحبه(الراوي):"لو كانت لي زوجة صغيرة جميلة لما تركتها تبقى في نيويورك عاما بأكمله في حين أكون أنا في كوبا! إذ لا شك في أنها ستكون عندئذ معرضة لإغراء الهدايا الغالية الثمن! وفي هذه اللحظة يعرب الراوي عن شعوره بأنه أصبح لا يكره السيد "كلادا".
في هذه النهاية يتضح أن المرأة كانت تتعرض لإغراءات بسبب صغر سنها وجمالها وبعد زوجها عنها , وأنها كانت تستجيب لهذه الإغراءات , وهذا العقد الماسي الذي يحيط بعنقها هو ثمن الاستجابة. و"كلادا" أدرك ذلك كله ,وآثر أن يخرج مهزوما على أن يفضحها شفقةً بها , بعد أن رأى الذعر يكسو وجهها. وهذا الموقف أحدث تحولا في مشاعر الراوي , إذ أحس أن الكره قد بارح قلبه , ذلك أنه رأى أن تصرف "كلادا" ينطوي على شهامة وإنسانية لم يكن من قبل يستشعرها. كما أن هذه النهاية تضعنا أمام حقيقة من حقائق الحياة المهمة , وهي أن الأشياء التي نراها سيئة قد تكون جيدة لو نظرنا إليها من زاوية أخرى.
وهذه النهاية تتسم بما يسميه النقاد بحدة المنقلب , إذ يحدث تحول في النهاية, فيساعد على تعميق الإحساس, وبه تكتسب الأقصوصة طرافة مدهشة , وفي هذا المعنى يقول فون فيز الألماني:" إن الأقصوصة حدث واحد تتمثل نهايته في منقلب يبلغ من الغرابة والإدهاش ما به يصير العمل جديدا مدهشا لم يسمع به في السابق".
إن موم مهد للحظة التنوير بطريقة ذكية وبناها بناء محكما , ولم تكن هذه النهاية المدهشة المفاجئة مفتعلة بل يقتضيها السياق ويتوافق معها. فلو تدبرنا النص لوجدنا أن السيدة "رمزاي" لم تفارق تلك الليلة قمرتها , وتغيبت عن حضور العشاء , كل ذلك لأنها تعاني من آثار الصدمة والمشاعر العاصفة التي اجتاحتها على تلك المائدة , ولأنها أيضا خجلى من انكشاف أمرها لكلادا , وكأنها شعرت أن العالم كله يعلم بأمرها.
وتتسم القصة بالوحدة الزمنية وإن لم تقع في زمن واحد , بل استغرقت عدة أيام من حين التقاء الراوي بـ "كلادا" إلى اللحظة التي كشف فيها "كلادا" عن الحقيقة وتغير على إثرها شعور الراوي, ففي القصة أزمنة متعددة ,وقد جرى عبورها سريعا من خلال تقنية التلخيص . وهذه الأزمنة تمهد لزمن أساسي وتنشد إليه وتخدمه , وهو زمن لحظة التنوير , وهذا ما يكسب الزمن صفة الوحدة.
وبتوظيف تقنية التلخيص رويت أحداثٌ وقعت في عدة أيام في مقاطع محدودة :" فلم تكد تنقضي ثلاثة أيام على رحيل السفينة, حتى كان قد عرف كل من فيها, وكان يشرف على سباق الخيل الخشبية , ويسحب أوراق اليانصيب, ويجمع النقود للجوائز المالية, وينظم حفلات الرقص التنكرية, وينسق البرامج لفرقة موسيقا السفينة". ولا شك أن هذه الأيام الثلاثة كانت مليئة بالأحداث والتفاصيل الصغيرة , ولكن القاص تجاوزها واختار منها ما يخدم القصة وما يطورها ويسهم في بناء مغزاها. وهنا تظهر براعة القاص في استبعاد أي عنصر زائد وغير موظف من شأنه أن يفكك لبنات القصة ,أو يخفف سرعتها ,أو يمس بوحدتها. إن الأقصوصة تعتمد في تحقيق المعنى على التركيز كما يقول بورجي [7].وهذه التقنية تسرع بحركة السرد وتجعل أحداث القصة تنطلق دون تلكؤ , فلا وقت لذكر تفاصيل أو أحداث أو حوارات لا حاجة إليها[8].
أيضا تتميز هذه القصة بوحدة الشخصية . فهناك شخصية كلادا التي كانت هي محور العمل , وهي التي اختارها الكاتب لتخدم غايته الدقيقة, وصورها بتؤده , ورصدها بذكاء. وكل الشخصيات الأخرى الواردة في الأقصوصة كانت ثانوية وظفها موم " للنفاذ إلى أعماق الشخصية المسيطرة وتوضيحها من خلال الحوار أو الأحداث"[9].
الحوار:
تتكئ هذه الأقصوصة كثيرًا على تقنية الحوار في تطوير الأحداث , وفي رسم شخصيات القصة. فللحوار وظيفة حيوية تتمثل في قدرته على عرض الشخصيات أمام القارئ بخصوصيتها الفردية الحية كما يقول"لوكاتش"[10] . فمن خلاله لمسنا فتور الراوي في اللقاء الأول وحماس كلادا , وما يتمتع به كلادا من كرم ,ومبادرة, وتطفل, وقوة شخصية, وحدة في النقاش, وثبات في الآراء. ومن خلاله رأينا سذاجة السيد "رمزاي" الذي لم يفهم مغزي محاولة زوجته لإنهاء هذا الرهان , وأن حرصه على هزم خصمه والفوز بالمال صرفه عن اكتشاف الحقيقة التي عرفها كلادا. والتركيز على الحوار جعلنا قريبين من شخصيات القصة وبالذات الشخصية الرئيسة , وكأننا نجلس معها ونستمع إليها ونقاسمها لحظات الإبحار فوق ظهر السفينة. إن الحوار هو أقدر الأساليب على إقناع القارئ بأن شخصيات الأقصوصة حية," وهو كذلك أكثرها إثارة لاهتمام القارئ وجلبا لاستمتاعه"[11].
وأما المكان في هذه القصة فليس له حضور قوي , فالأحداث جرت على ظهر السفينة , وهو مكان مناسب لفكرة القصة وشخوصها , لأنه يسمح لها بالتجمع لأيام متوالية ونشوء علاقات بينها. وكل الأماكن الواردة في القصة: الكابين , مائدة الطعام , غرفة التدخين وغيرها لم توصف إلا لمما بأوصاف عابرة. الأمر الذي يؤكد أن المكان دفع إلى الخلف في سبيل تقدم الشخصية والأحداث.
ثمة مكان لاح في آخر القصة ووصف بوصف موحٍ حين قال كلادا لرفيقه(الراوي):"هلا قذفت بهذه القصاصات إلى البحر الواسع؟". إن ظهور البحر له دلالات عديدة :
قد يكون البحر معادلا موضوعيا للحياة [12] , فالبحر مكان هائج , واسع , غامض, مخيف, لايمكن الوثوق به وهذا هو شأن الحياة فهي واسعة غامضة لا يمكننا الإحاطة بها. وتمزيق الظرف وإلقاؤه في البحر يرمز إلى ضياع الحقيقة أو تلاشيها.
وربما رمز البحر إلى الرؤية الشاملة الواضحة لحقائق الأشياء, ومن هنا تزامن إلقاء الظرف في البحر مع الكشف عن سر التراجع. ولو تأمل القارئ أكثر فقد يتوصل إلى معانٍ أخرى أعمق , فالأقصوصة الناجحة بسبب ضمور حيزها النصي ونزوعها إلى التركيز فإنها تحتوي على طاقة إيحائية أساسها التلميح أكثر من التصريح,فهي تقول أشياء ولا تقولها أو كأنها تقول ما فيها وزيادة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

(1)انظر: عبدالله رضوان ؛البنى السردية دراسة تطبيقية في القصة القصيرة الأردنية, منشورات رابطة الكتاب الأردنيين, ص:19.

(2)الرؤية الداخلية:يرى تودوروف أنه في هذه الرؤية تتساوى معرفة الراوي بمعرفة الشخصيات, وهي رؤية تنطلق من أسلوب السرد الذاتي. انظر :آمنة يوسف ؛تقنيات السرد في النظرية والتطبيق.ط1. اللاذقية: دار الحوار , 1997م, ص:35.وتسمى هذه الرؤية أيضـًا بـ "الرؤية مع" حيث تكون معرفة الراوي على قدر معرفة الشخصية الحكائية , فلا يقدم لنا أي معلومات أو تفسيرات , إلا بعد أن تكون الشخصية نفسها قد توصلت إليها". د. حميد الحمداني ؛ بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي.ط3.الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي, 2000م, ص: 47.

(3) انظر: عبدالله رضوان ؛البنى السردية دراسة تطبيقية في القصة القصيرة الأردنية, منشورات رابطة الكتاب الأردنيين, ص:17.

(4)الأسلوب التقريري في رسم الشخصية : هو أن يقدم السارد الشخصية القصصية من خلال وصف أحوالها, وعواطفها , وأفكارها بحيث يحدد ملامحها العامة منذ البداية, على الأغلب, ويقدم أفعالها بصيغة الماضي وعلى شكل ملخصات, معلقا على أفعالها ومعللا لها بأسلوب مباشر, فتبدو الشخصية جامدة, ثابتة, باهتة الملامح, لا تتأثر بحركة الأحداث , ولا تؤثر فيها. ويتم في هذا الأسلوب الإخبار عن الشخصية لا عرضُها حيث يأتي الفعل بصيغة (كان) لا بصيغة الحضور كما هو في الأسلوب التصويري. وحين يرسم المؤلف الشخصية بهذا الأسلوب فإنه يسطحها ويجمدها.انظر: فريال كامل سماحة ؛ رسم الشخصية في روايات حنـَّا مينة.ط1. بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر, 1999م, ص: 49, 50.

(5)الأسلوب التصويري في رسم الشخصية : هو الأسلوب الذي يرسم الشخصية القصصية "من خلال حركتها وفعلها وحوارها وهي تخوض صراعها مع ذاتها, أو مع غيرها أو مع ما يحيط بها من قوى اجتماعية أو طبيعية, راصدًا نمو الشخصية من خلال نمو الوقائع وتطورها الذي ينتج عن تفاعل تلك الشخصية معها, بحيث لا ينفصم التلازم بين الشخصية والحدث, فيتضمن كل تطور في الحدث تغييرا في الشخصية , ويتبع كل نمو في الشخصية تغير في الحدث وتنامٍ في الصراع". المصدر السابق: 34.
(6)فريال كامل سماحة ؛ رسم الشخصية في روايات حنـَّا مينة, ص: 32.

(7)يقول بورجي:"إن الأقصوصة نغم أو لحن مفرد , أما الرواية فهي أشبه بسمفونية قوامها أنغام شتى" د.الصادق قسومة ؛ الرواية مقوماتها ونشأتها في الأدب العربي الحديث. د ط. تونس : مركز النشر الجامعي,2000 م ,ص: 50.

(8)يطلق د.حميد لحمداني على هذه التقنية مسمى الخلاصة , "وتعتمد الخلاصة في الحكي على سرد أحداث ووقائع يفترض أنها جرت في سنوات, أو أشهر أو ساعات, واختزالها في صفحات أو أسطر, أو كلمات قليلة دون التعرض للتفاصيل".بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي,ص:76.

(9)ولسن ثورنلي ؛ كتابة القصة القصيرة (ت:د.مانع حماد الجهني).ط1. جدة: النادي الأدبي الثقافي,1412هـ /1992م, ص:95.

(10)انظر: فريال كامل سماحة ؛ رسم الشخصية في روايات حنـَّا مينة, ص: 37.

(11)انظر: فريال كامل سماحة ؛ رسم الشخصية في روايات حنـَّا مينة, ص: 37.

(12)المعادل الموضوعي : "مجموعة من الموضوعات والأوضاع وسلسلة من الحوادث تكون معادلة لانفعال خاص , حتى إذا ما أعطيت الوقائع الخارجية التي ينبغي أن تنتهي بتجربة حسية استعيد الانفعال نفسه حالا. وإن الحتمية الفنية تكمن في هذه القدرة التامة للعنصر الخارجي على التعبير عن الانفعال". د. حسام الخطيب ؛ جوانب من الأدب والنقد في الغرب. ط4. دمشق: مطبعة دار الكتاب. 1411هـ/ 1990م, ص: 402. وانظر:د. محمد التونجي؛ المعجم المفصل في الأدب.ط1.بيروت:دار الكتب العلمية, 1413هـ/1993م, 2/800.
تهاني المبرك غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 06-12-2011, 04:25 PM   #3
معلومات العضو
ندى يزوغ
كاتبة

إحصائية العضو






من مواضيعي

ندى يزوغ غير متصل


قراءة جميلة و موفقة استفدت شخصيا من كثير من الزوايا
شكرا لك سيدتي
ندى يزوغ غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 07-30-2011, 06:23 PM   #4
معلومات العضو
فيطس قويدر
قاص


اسعدتنا وافدتنا
شكرا لك
القاص فيطس قويدر الفتى العجوز
فيطس قويدر غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:39 AM.