ابن العجوز - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: كبرياء مثَّال / شعر عاطف الجندي (آخر رد :عاطف الجندى)       :: ((حركيًون ليسوا للحراك))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: ((حركيًون، ليسوا للحراك))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: إصدار جديد كيف تكون عبقريا (دراسة أكاديمية) للأديب والباحث المغربي: محمد محمد البقاش (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: لسة ممكن (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: أعترف (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: ما هو رأي أطباء القلب (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: بصمت! (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: يا وطني (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: أوطاننا (آخر رد :فاطمة منزلجي)      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > مَرَايَا أَدَبِيَّة > مَرَايَا الْقَصِّ
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-01-2010, 07:57 PM   #1
معلومات العضو
د.فاطمة العتابي
قاصة عراقية

إحصائية العضو






من مواضيعي

د.فاطمة العتابي غير متصل


ابن العجوز

ابن العجوز

تمطى في فراشه وراح يمسح جبهته المعرورقة بيده ، كان العرق الغزير يغزو جسده باكمله …نظر إلى السقف نظرة شاردة وهو يتأفف فقد كان الحرُّ على أشده في تلك الظهيرة القائضة من أيام تموز.
انقلب على بطنه وراح يدندن دندنة لم يكن هو نفسه يفقه منها شيئا..لم يكن يريد سوى شغل تفكيره بشيء يبعد عنه الضجر.
نهض من السرير وهو يتمطى ونظر إلى ثيابه الملتصق بجسده من العرق وقال باستياء :_
- ألا ينتهي هذا الصيف اللعين؟!.
مشى حتى النافذة وفتحها على مصراعيها …نظر إلى باحة الدار الإسفلتية فخيل إليه أنَّ دخانا يخرج منها و يتصاعد إلى عنان السماء من شدة وطأت الحرِّ ..لم يكن هنالك أي نسيم من الممكن أن يشعره بالأمل .. كان كل شيء في الدار ساكنا حتى النخلة العجوز التي تشمخ بأنفها في الباحة قرب السياج الواطئ القديم ..
دخلت عجوز من باب الغرفة وقالت له :-
-ها أنت ذا قد أستيقضت أخيرا .
-منذ متى أنقطع التيار الكهربائي ؟.
قالها باستياء ظاهر ، فردت قائلة وهي تهز يدها المملوءة بالوشم معربة عن جهلها بالجواب :-
-لا أدري … ربما ساعة أو نصف ساعة .
ثم أردفت قائلة :-
- هل أصنع لك شايا؟.
هزَّ رأسه رافضا دون أن ينبس بكلمة .
نظر إلى أمه العجوز المحدودبة الظهر .. لم يرها يوما منذ أن عرفها في هذه الدنيا إلا بشكلها هذا ؛ ثيابها السود وظهرها المحدودب .. كم تمنى وهو صغير أن يراها مثل كل النساء مستقيمة القامة زاهية الألوان .. كان دوما يسأل نفسه لماذا هي أمه ..هذه العجوز المحدودبة الظهر … دون غيرها من النساء ؟!.
جلس على الأرض متكئا على الدولاب الخشبي القديم وهو يمدُّ ساقا و يطوي أخرى… انعم النظر فيها كأنه يريد التأكد أنَّ هذه العجوز أمه ، فقد كان يحبها على الرغم من شكلها هذا الذي يشعره بالخجل .
كان الأولاد في المدرسة والحارة يعيرونه بأمه المحدودبة ويسمونه ( ابن العجوز ) … طافت في مخيلته تلك الأيام التي كان يجلس فيها وحده قرب النخلة ويروح يبكي .. لم تكن بيده حيلة للرد عليهم سوى شتمهم و ضربهم بالحجارة .
راحت ترتب فراشه وتعلق ثيابه الساقطة على الأرض .. التفتت إليه وهي تقول :-
- أنت تعب يا ولدي ..
هزّ رأسه وقال :-
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب بإزديادِ
ابتسمت من دون أن تفقه مرماه من قوله .. كل ما فهمته أنه يرى الحياة متعبة .. اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه مستعينة به لتجلس ، ثم قالت :-
-الله كريم يا ولدي .
سألها وهو لا يحيد بنظرته تلك التي اعتادتها عن وجهها الذي رسمت فيه الحياة وقساوتها تضاريس تضاهيها قساوة :-
- لماذا نعيش؟.
- لأن الله خلقنا و أراد لنا ذلك .
كان جوابها الفطري غير مقنع بالنسبة إليه لهذا قال :-
- أنا أعلم أن الله خلقنا وأراد لنا ذلك … ولكن أنا أسأل عن الهدف من وراء هذه الحياة .. ما الهدف الذي نحيا لأجله .
- هدف؟!.
سألت العجوز حيرى .. ثم هزَّت رأسها من دون أن تفهم من كلامه شيئا .. ما الهدف ؟!. إنها لا تفهم ما يعني ..
أردفت وهي تضع يدها على ركبته بحنو :-
- ولدي أنا امرأة عجوز لا أفهم ما تعني ...
صمتت هنيهة ثم قالت:-
- كل ما أعرفه يا ولدي أن الله ربنا الرحيم .. فإذا كنت متعبا من هموم الحياة فإن أجدادنا كانوا يقولون دوما ( من الباب للكوسر فرج ) فانتظر فرج الله .
- يا كوسر يا باب !!.
قال ذلك وهو ينهض بعصبية .. في الوقت الذي بقيت هي تنظر إليه بحزن وحيرة ..كيف لها هي العجوز أن تفهم ما يدور في رأسه ؟!…كيف لها أن تبعد عنه الهموم أو تشاركه في حملها ؟!.
منذ أن ولدته كانت هي التي تحمل همومه و تغذيه وتكد لأجله لم يخطر ببالها مثل هذا السؤال .. لقد كانت تحمله على ظهرها المحدودب إلى كل مكان … كانت سعيدة بطفلها الذي ولدته بعد سني اليأس و الانتظار، وكان هو سعيدا بأمه التي كانت تحمله على ظهرها وتكون له حصانا وقت شاء .. لكنَّ تغيرا مفاجأ بدأ يظهر حينما دخل المدرسة .. كانت تنظر إليه فترى بقايا الدموع في مآقيه …و لم تكن تدرك السبب حتى إذا بدأ يرفض ذهابها معه إلى المدرسة أدركت سر تغيره وبكائه المكتوم ..بدأت ترى في عينيه تمردا كأنه يقول من خلاله لماذا أنت أمي دون سائر نساء الكون ؟!. .بدأت تشعر به يخجل من وجودها في حياته ؛ لهذا أخذت تعتني به دون أن تظهر نفسها لرفاقه … كانت تتألم من خجله منها ولكنها كتمت ألمها كل تلك السنين .. كيف لا تكتمه وهي تدري انه محق فهو مثل كل طفل يريد أن تكون أمه أجمل النساء، ومثل كل أم هي موقنة بأنها تستحق منه شيئاً آخر غير هذا الجحود الذي تشعر به يعجُّ في نفسه. شعرت بالغضب يغلي في صدرها و لكنها حاولت كبته مثل كل مرة فبقيت تنظر إليه بحرقة مكبوتة .
التفت إليها وقال:-
- أفكر بهدف أحيا لأجله، فالحياة من دونه لا تساوي شيئاً.
- مالكم الشباب لا تفكرون اليوم إلا بأن تجدوا أكذوبة تعيشون بها.
قالت وهي تغالب نفسها، فنظر إليها بدهشة و أراد الكلام ، ولكنها أومأت إليه أن أسكت فأطاع مدهوشاً ثم قالت و هي تنهض مستعينة بالحائط:-
- لقد كنا نحيا من دون أكاذيبكم التي تبحثون عهنا، نعلم أن الله خلقنا و أراد لنا الحياة، فعشنا كما أراد لنا الله ولم نعترض على شيء.. و لم تقض مضاجعنا أهداف أشبه بالكوابيس تركض خلفنا أو نركض خلفها لاهثين من دون أن نمسك بها..
ثم توقفت عن الكلام فقد أخذها اللهاث، بينما اعتدل في جلسته وهو ينظر إليها .. أراد أن يسمع أمه التي يراها غاضبة للمرة الأولى في حياته، كان مدهوشاً ، و تمنى أن يسمع منها المزيد، و تمنت هي أن تفجر كل الغضب الذي حملته في نفسها أعواماً طوالاً، تمنت أن تكيل له الصفعات، لم تعد تحتمل كل هذا الجحود الذي يملأ صدره، بقيت تنظر إليه وهي واقفة وقفتها المنحنية، تمنت أن تخبره عن هدفها هي في هذه الحياة ، و لكنها قبل أن تفوه بشيء أدارت ظهرها المحدودب له و خرجت من الغرفة ..
بقي هو ينعم النظر فيها وهي تبتعد خارجة من الغرفة ، كانت عيناه مغرورقة بالدموع فقد أدرك أنها تدرك كل شيء .. شعر بخزي كبير فأجهش بالبكاء و عو يعدو خلفها مثلما كان يفعل وهو طفل صغير.
د.فاطمة العتابي غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 10-22-2010, 03:29 AM   #2
معلومات العضو
فاطمة منزلجي
مٌشْرفة مَرَايَا الْقَصِّ

إحصائية العضو





من مواضيعي
 
0 بصمت!
0 يا وطني
0 أوطاننا
0 رمضان ع الباب!
0 غربة الأم

فاطمة منزلجي غير متصل


د/ فاطمة العتابي..

جبل الإنسان على النكران!

هل يتعلم من العجوز الأم والأرض كيف يشمخ النخيل كلما شاخ وكبر وهرم؟!

أستغرب من درجة " الصفر" للقص ، مع أنه ناصع كالثلج!

هي حالنا يا فاطمة وحال العرب.

غالية وتستحقين الشكر.
فاطمة منزلجي غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 10-22-2010, 08:19 PM   #3
معلومات العضو
د.فاطمة العتابي
قاصة عراقية

إحصائية العضو






من مواضيعي

د.فاطمة العتابي غير متصل


العزيزة سميتي
شكرا لاهتمامك
ولكنني لا أوافقك فالإنسان كل جبلته للخير والفضيلة وإنما يغويه أبو مرة فيسخر منه ويتبرأ.
تحياتي
د.فاطمة العتابي غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:57 PM.