(القصة الفائزة بالمركز الأول ) - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: الدب القطبي (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: ((أقذر من "جحا"))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: انغام العشق... (آخر رد :مازن دحلان)       :: مواويل الهوى (آخر رد :مازن دحلان)       :: مطبخْ ..! (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: بـِ مَزَاجْ ..! (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: بـ صمت ... (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: صلى الله عليـه وسلــم (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: [ لا شّتاءَ مَعِكْ ] ..! (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: ((صفقة لزمن الانفلات))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > قِسْمٌ خاصٌ بالمُسابقات > شارك هنا في مسابقة القصة القصيرة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-21-2010, 08:15 PM   #1
معلومات العضو
المسابقة الأدبية
إدارة المرايا الثقافية

إحصائية العضو





من مواضيعي

المسابقة الأدبية غير متصل


(القصة الفائزة بالمركز الأول )

(القصة الفائزة بالمركز الأول )

-أحلامُ الرجل الباحث -
لـ عبد الكريم يحيى الزيباري



يُرْعِبُني: ذلك الحُلمُ الذي يأتي عِبرَ الآمادِ البعيدة... يرعبني ذلك الحلم الذي يتكرَّر بأشكالٍ مختلفة، يرعبني ذلك الحلم يرعبني، وأنا أعلمُ أنَّه يخدعني، سوف أتبع ذلك الحلم، عليَّ أنْ أتبعه، وأن أواصل الحركة معهُ، عليَّ أن أتبعه أينما قادني، كي أكتشف الخدعة.
كانت حياتي ما تنسجهُ أحلامي، واسترسلتُ فيها، وعندما تعطينا الأحلام تعبيراً كاملاً عن الحياة، لا شيء آخر يكون مطلوباً، خاصةً بعدما اكتشفتُ أنَّ الأحلام التي لا نُفسِّرها، أشبه بالرسائل التي لا نقرؤها. لكنَّها رسائل من ذواتنا الأخرى التي لا نعرف عنها شيئا، وَمَـنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رّبَّهُ، ولا يهلكُ مَـنْ عَرَفَ رَبَّـهُ، وأنا أبحثُ عن النجاة، وبعدَ أيَّامٍ طويلة، وبعدَ أيَّامٍ أُخرى، قلتُ لنفسي ليست الرسائل في الأحلام وحدها، ففي كلِّ شيءٍ إشارة، كبَيَاضِ الشَّعْرِ إشارةٌ على دنوِّ الأجل، وَ"اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ". لكن بعد فترة ضجرت من الملاحظات وكثرة الفروق والتمايزات، فانتقلتُ إلى نقطةٍ أخرى أثارتْ في داخلي نوعاً من البلبلة، حين اكتشفتُ أنَّ الإنسان لا يعيشُ عالمه الخاص إلا في الأحلام، لأنَّهُ في اليقظة يعيش عالماً مشتركاً مع الجميع، وتراكمت في مفكرتي أحلامٌ كثيرة، وتوقفت عن التدوين، حتى اكتشفتُ أنَّ أفضل تفسير للحلم هو أن أغرق فيه، وكان لي عَوْدٌ إلى بدء، وحينها ندمتُ وقلت لنفسي: "ليتني لم أحلم بهذا المقدار"، هذا عقابٌ لي من السماء، فإذا غرقتُ في أحلامي، مرادي الذي كنتُ أبغيه، صار وَبالاً، ذلك شيءٌ عجيبٌ، كما كلُّ شيء، دون أدنى شك: ليسَت رؤيا أراها في المنام فحسب، بل هي رؤية حقيقية تصحبني في يقظتي، وأتعايش معها كلَّ لحظة، كتلك الصورة التي دَفَعَتْ آلياس بن طلامون لأنْ يذبحَ قطيع الماشية، وهي التي دفعته إلى الانتحار. وهي تشبهُ إلى حدٍّ ما تلك الصور التي تخدعُ أحدهم وتجعله يكون على خلاف ما يريد أنْ يكون، أو تجعله مجنوناً، أو تدفعهُ إلى الانتحار.
أصحو من نومي: "هل أنا نفسي؟ أذكرُ أنني كنتُ مختلفاً تماماً عن حالتي غير الطبيعية هذه"، التغير الذاتي لا يأتي من باب "فَلَوْ شَاءَ ربّي كنتُ قيْسَ بنَ خالدٍ، ولو شَاءَ ربّي كنتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ". وربما يأتي من حُلُمٍ لا يذكرُ منه شيئاً، "ويُنذِرُهُ داعٍ، من الصّبحِ، أخرسُ".
لا بدَّ أنني فقدتُ شخصيتي، مَنْ أكونُ أنا. في هذه اللحظة بالذات "أنا" أرتعشُ على إيقاع لقطةٍ من حلم البارحة:
أنا وابنتي والساحر..
أرنو إلى النافذة، آه: أينَ الستائر؟ أيضاً نسيتُها، بحذرٍ شديد "أفتحُ سنتيمترينِ زجاجَ شُبّاكي" "مَطَرْ، مَطَرْ، مَطَرْ،" وأنا الذي " تعرفني كل أغاني المطر": تذكرتُ كيف أنَّ الشرب من ماء المطر يقوِّي الذاكرة، بعد قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" أكثر من سبعمائة مرة، وأنا شربتُ كثيراً من ماء المطر، حين كنتُ شاباً في المدرسة، ولم أتوقَّع آنذاك أنَّ يوماً سيأتي أحتاج فيه إلى ما يفتح لي أبواب النسيان ويغلق كُوَّةَ ذاكرتي المسحورة.
أنا وابنتي والساحر..
لم يَسْكُنّي إلا الحلم، والرّيح، الشتاء في هذه البلاد يأتي سريعاً، يبدأ في تموز، أصحو من ذهولي وقد انْصَهَرَ الثلاثةُ في حلمٍ واحد: الساحر يخطفُ ابنة الملك، التنين يخطفُ ابنة الملك، وابنة الملك وابنتي تتماهيان، الشيطان يخطف ابنة الملك، ثمَّ النسر، ثمَّ العاصفة، ثمَّ المارد يخطف ابنة الملك، وفي النهاية رأيتُ ملكاً يخطفُ ابنة الملك، وظلَّ هذا الحلم الأخير يتكرَّر، وأسندتُ رأسي على كتِفِ ابنتي حزيناً، وحينَ أغمضتُ عينيَّ مرةً أخرى: رأيتُ رجلاً عابساً، أصلع الرأس، ناتيء الجبهة، طويل الوجه والقفا، دَخَلَ عليَّ وأخذَ بناصيتي وحملني كأنني كيسٌ صغير ورماني في هوة سحيقة لا قرار لها:
وإذا صحوتُ فإنني...
وإذا غفوتُ فإنني...
وهكذا أواصلُ حياتي- إنْ كانت لي حياةٌ خارج الرؤى- أتنقَّلُ من الحلم إلى الواقع، ومن الواقع إلى الحلم، ومن الحلم إلى الواقع، ثمَّ من الواقع إلى الحلم، ثمَّ من الحلم إلى الواقع ثانيةً ولكن ليس أخيراً، وهذه الساعة بالذات أصبحَ من المستحيل أنْ أقول أينَ هو الحلم وأين هو الواقع، ولا أرى أيَّة فروق جوهرية بينهما، وعلمتُ كَمْ من التافه: "أنْ يصير الشخصُ شخصين في آنٍ واحد، أيْ لم يبقَ منه ما يكفي لتكوين إنسانٍ واحد يوحي بالاحترام". بقيَ إنسانٌ هزيل، مضطرب، وتذكَّر حلم الكرسي الخشبي، وتأويله بالنفاق، فهل النفاق الاجتماعي هو الذي هوى به الطمعُ أو الحلم، أو هو الذي هوى بهما، وتختلط في رأسي حكايات من الماضي، وأراها تتكرر فجأة في الحاضر، ولستُ متأكِّداً فيما لو كنتُ رأيتها في منامي أم كنتُ قد عشتها في الحقيقة، وبدأت تنتابني نوبات دورية من فَقْدِ السَّمْع مع طنين ودوار، وبتكرار النوبات أصبح فَقْدُ السَّمعِ شديداً، إلى درجةٍ بتُّ أخجل من نفسي، فاعتزلتُ الناس قليلاً، وبدأت تتراءى لي في يقظتي أمور شُنْعٌ، وأحداث فظيعة، ابنتي الصغيرة تصرخ أراها تصرخ، ولكني لا أفهم ما تقول، ولا أستطيع الوصول إليها، ولكنَّها تصرخ ولا أدري أين هي في الغيمة أم في الخيمة، في الماضي أم في الحاضر، في الواقع أم في الحلم، هل هي التي تحلم بعجزي كابوساً أم أنا الذي أحلم بصرختها؟ ثمَّ تركضُ وتقفزُ في حضني من جديد وكأنَّ شيئاً لم يحدث، بدأ هذا الأمر يحدث بين النوم واليقظة، ثمَّ ازدادت سرعة تكرار الحدث وانتقالهِ، وها هو يحدث كلِّ دقيقة، ولا أدري إنْ كانت هذه الأمور تحدث في رأسي فقط، أم أنَّ لها وجوداً فعلياً على الأرض؟
هذه الأحلام باتت توفِّر لي فضاءً من الحرية والجنون لا أجرؤ على التحليق فيه أثناء اليقظة، هذه الأحلام كوة ليس إلى عالم الموتى فحسب، بل إلى عوالم أخرى أكثرُ غموضاً، النوم والموت: صِنْوَانٌ. وما كنتُ لأهجر بلدي وأهلي وإخواني لولا أنَّ فكرةً اشتدَّت عليَّ في الآونة الأخيرة، وهي أنَّ مدينتي هي التي قال عنها تعالى(وَنَجّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)الأنبياء: 71، وقوله تعالى(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)الأنبياء:81. وهناك اتفاقٌ على أنَّ الأرض المباركة هي أرض الشام، ولكنَّ أحداً لم يناقش ما هي الأرض التي أخرج منها إبراهيم ولوطاً، ويغلبُ الظنُّ أنَّها أرض السواد، أو التي نبحتها كلاب الحَوْأَبِ. وحيث أقف أنا اليوم على حافة النهاية بدأت أفكر في البداية وقررت تدوينها، واختلطت في رأسي البدايات:
في شيخوختي شغلني عالم الأحلام، وكنتُ أردد مع نفسي: "" ستدرك من الأحلام ما كنتَ جاهلاً، ويأتيك بالرؤى..." وفكرت طويلاً بحلم البقرات والسنبلات السبع، وصاحبي السجن، وحلم فرعون موسى، وتوصلت إلى نتائج مبهرة، وكتبت دراسةً رائعة وأصيلة، ألقيتها في المؤتمر الدولي السابع لعلماء النفس في جدَّة، وقبل ذلك بسنوات طويلة، كنتُ أنا الوحيد الذي يسجِّل ملاحظات مختصرة جداً للقصص والأساطير التي يرويها لنا أستاذ اللغة العربية في معهد الدبلوم العالي، كأنَّهُ دَرْدَبيس، وجهه كثير التجاعيد كعجوزٍ كاثوليكية. ولأنَّنا كنا قد درسنا في المعهد مسرحيةً بعنوان "جيب على الجبل" وظلَّت المسرحية مثار جدلٍ كبير، وكان د. علي القاسمي قد ترجمها " يبه الساكن على التل" لأبي المسرح الإسكندنافي، لودفيغ هولبرغ (ينام جيب في مغارة.. ليستفيق في سرير البارون..عندها تخيل أنَّهُ كان يحلم بأنَّهُ فلاح فقير تائه، بعدئذٍ حُمِلَ إلى المغارة ليستفيق على حاله، وعندها ظنَّ أنَّهُ كان يحلم بأنَّهُ البارون). في تلك الأيام الربيعية الحُبْلَى بالعطل والمناسبات، قام طلبة المرحلة الأخيرة بتمثيلها على خشبة المسرح بطريقةٍ فكاهية مع إدخال الكثير من التعديلات عليها، مما أثارَ جدلاً بين الطلاب حول هذه التعديلات، وفاتتهم مسألةٌ جوهرية هي الاختلاط اللغوي الشديد بين الكلمات، كالرؤى جمعُ رؤيا المنام ورؤية اليقظة، والعلائق الخفية بين الأشياء هي التي تمنعنا التواصل معها، وبعد أيَّام قال لنا الدَّرْدَبيس: الداهية: مدرِّس اللغة العربية:
- إنَّ هولبرغ أخذ الفكرة من كالديرون في مسرحيته الشهيرة "الحياة حلم".
ثم مضى يشرح لنا أوجه التناص والالتباس، وحدثَ بيني وبين أستاذي توارد خواطر، والتقينا في أحد الأحلام، وقال لي في حلمي ما قاله بعد أكثر من أسبوعين، بعين نبرة كلامه الآن وهو يبتسمُ بمكر: " لقد اكتشفت من قراءتي في رواية عالم صوفي أنَّ كالديرون قد استعار الفكرة بدوره من حكايات ألف ليلة وليلة".
وكأنني كنتُ هنا من قبل، وأسمعُ هذا المدرِّس يقول هذا الكلام نفسه، وفي هذا الجو وأمام هؤلاء الطلاب، ثمَّ عاد المدرِّسُ –وكنتُ على يقينٍ أنَّهُ سيعود- بعد أكثر من أسبوع ليقول لنا:
- وجدتُ في الصين وفي مراحل أسبق على ألف ليلة وليلة: مقارنة جديدة بين الحياة والحلم في نَصٍّ للحكيم الصيني القديم تشوانغ تسي نحو 350 قبل الميلاد، يقول فيه: "حلمتُ يوماً بأنني فراشة، والآن لم أعد أعرف: ما إذا كنتُ فراشة تحلمُ بأنَّها تشوانغ تسي، أم تشوانغ تسي الذي يحلم بأنَّهُ فراشة).
وبقيتْ هذه الفكرة في رأسي حتى قرأتُ قولاً لعَلِيّ بن أبي طالب رضي الله عنه(النَّاس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا) أعجبتني هذه المقولة كما أعجبني النصُّ الصيني، وخاصةً بعد إطلاعي على ما حَدَثَ في يقظة فنيغان حيثُ ظلَّ الجميع يتساءلون: مَنْ الذي حَلُمَ هذا الحُلُمْ؟ ثمَّ عاد الدردبيس مرةً أخرى، وكنتُ أعلمُ أنَّه سيعود، لكنني ما كنتُ هناك، ولا أدري ماذا قال.
ومن خلال خبرتي بالأحلام وتفسيرها، التي اقتبستها من الكتب وَدَعَّمْتُها بتجاربي الشخصية، فقد كنتُ أعلمُ أنني حين أحلمُ بأنني أعود طالباً في الدراسة الابتدائية، يعني أنَّ الأمور ستعود إلى بداياتها، وأنني سأعود إلى وطني الذي هجرته، وطالما تؤرِّقني هذه الفكرة، وترعبني، لأنني أرى ابنتي تصرخ هناك في القرية التي تركتها منذ عقدين، وكنتُ أعتقدُ جازماً أنَّهُ يستحيل العودة إلى الوراء، إلى الماضي السحيق، كما أنني اليوم بِتُّ لا أعرف أيضاً فيما إذا كان القلم أم الرؤى أم الذاكرة أمْ أنَّ شيئاً آخر هو الذي يمدني بهذه الكلمات؟
لا أدري فيما لو كنتُ أنا الذي رأى الحُلُم، أمْ أنَّ شخصاً آخر رآني في حلمه. هل أنا القروي الذي كان يحلمُ أنَّهُ أستاذ أكاديمي، أم أنا الأستاذ الأكاديمي الذي يحلمُ أنَّهُ عاد ذاك القروي الفقير؟
وبقيت رواية "عالم صوفي" حلماً يداعبني، وخانةً فارغة في هرم ذاكرتي، وتسبِّب لي قلقاً شديداَ، وفراغاً يهدِّدُ البناء الهندسي لذاكرتي بالسقوط، حتى قرأتها، فصرتُ وكأنني تخلَّصتُ من بين يدي سَجَّانٍ مجنون ومتوحِّشْ.
وفي يومٍ ما، بعدما أنهيتُ دراستي في المعهد وصلتني رسالة من الدردبيس، ما كنتُ أتوقعها كان أهم ما فيها:
(لأنني كنتُ أراك وأنتَ تكتب بعض ما أقوله، في المحاضرة، أشكُّ في أنْ تتخلَّص من شغفك بعالم الأحلام، كما حدث معي، ولذلك أريد التنبيه إلى قصة غراديفا التي نشرت عام 1903 للأديب الدنماركي يوهانسن فلهلم جينسن (1873- 1950)والذي نال جائزة نوبل للأدب عام 1944، وهذه القصة ما اشتهرت بسبب اهتمام فرويد بها، وليس بسبب جودتها، ولكن بسبب التنويه عن باب الكوة بين عالمي الحلم والحقيقة، وملخَّصها(الشاب هانولد، يعثر على تمثال امرأة حسناء فيصنع منه نسخة، ومن كثرة ما يتأمَّل التمثال يعشقه، وأكثر ما أثار افتتانه بالتمثال: مشية الحسناء وهي مشية مندفعة بخفَّة وكأنها تطير فيسميها "غراديفا" وتعني إلى الأمام، ويرى في منامه أنَّه في مدينة بومباي الإيطالية، ويلتقي غراديفا وحين يفيق الشاب من أحلامه، لا يعود واثقاً أنها أحلام، بل يبدأ رحلة غامضة للبحث عن غراديفا، رحلة يختلط فيها الواقع بالحلم، وتستمر لقاءات هانولد بغراديفا وتبيّن أن اسمها زوي، وينسى فرويد وهو يحلِّل أحلام هانولد أنَّها غير حقيقية، وأنَّها لم تُرَ قط، ورغم ذلك يخرج بنتائج علمية مدهشة.
ليس بالأمر غير الممكن: أنَّ أحدهم قد فتحَ باب الكوة، ليس غريباً أنَّ أحدهم قد فكَّر بهذه الطريقة منذ قديم الزمان، وليس غريباً أنَّك أنت تفكِّر مثلي الآن بينما أكتب هذه الرسالة، حيث أنَّ قصة تناص الحلمين الشهيرة التي تاه فيها بورخس، واقتنصها باوللو كويللو في الخيميائي، وأوردها جبير المليحان في قصة "أبي وبورخيس: قصة لم تكتمل" ما كانت في ألف ليلة وليلة، بل في "الفرج بعد الشدَّة" للتوخي( كان في جوار القاضي قديماً، رجل انتشرت عنه حكاية، وظهر في يده مال جليل، بعد فقر طويل، وكنت أسمع أن أبا عمر حماه من السلطان، فسألت عن الحكاية، فدافعني طويلاً، ثم حدثني، قال: ورثت عن أبي مالاً جليلاً، فأسرعت فيه، وأتلفته، حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها، ولم يبق لي من الدنيا حيلة، وبقيت مدة بلا قوت إلا من غزل أمي، فتمنيت الموت. فرأيت ليلة في النوم، كأن قائلاً يقول لي: غناك بمصر، فاخرج إليها. فبكرت إلى أبي عمر القاضي، وتوسلت إليه بالجوار، وبخدمة كانت من أبي لأبيه، وسألته أن يزودني كتاباً إلى مصر، لأتصرف بها، ففعل، وخرجت. فلما حصلت بمصر، أوصلت الكتاب، وسألت التصرف، فسد الله علي الوجوه حتى لم أظفر بتصرف، ولا لاح لي شغل. ونفدت نفقتي، فبقيت متحيراً، وفكرت في أن أسأل الناس، وأمد يدي على الطريق، فلم تسمح نفسي، فقلت: أخرج ليلاً، وأسأل، فخرجت بين العشاءين، فما زلت أمشي في الطريق، وتأبى نفسي المسألة، ويحملني الجوع عليها، وأنا ممتنع، إلى أن مضى صدر من الليل. فلقيني الطائف، فقبض علي، ووجدني غريباً، فأنكر حالي، فسألني عن خبري، فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني، وبطحني، وضربني مقارع. فصحت: أنا أصدقك. فقال: هات.
فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها، وحديث المنام. فقال لي: أنت رجل ما رأيت أحمق منك، والله لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة، في النوم، كأن رجلاً يقول لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية- فذكر شارعي، ومحلتي، فسكت، وأصغيت إليه- وأتم الشرطي الحديث فقال: دار يقال لها: دار فلان- فذكر داري، واسمي- فيها بستان، وفيه سدرة، وكان في بستان داري سدرة، وتحت السدرة مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض، فخذها، فما فكرت في هذا الحديث، ولا التفت إليه، وأنت يا أحمق، فارقت وطنك، وجئت إلى مصر بسبب منام. قال: فَقَوِيَ بذلك قلبي، وأطلقني الطائف، فبت في بعض المساجد، وخرجت مع السحر من مصر، فقدمت بغداد، فقطعت السدرة، وأثرت تحتها، فوجدت قمقماً فيه ثلاثون ألف دينار، فأخذته، وأمسكت يدي، ودبرت أمري، فأنا أعيش من تلك الدنانير، من فضل ما ابتعت منها من ضيعة وعقار إلى اليوم)، وهذه القصة تختلف عن قصة "جيب على التل" ولكن هناك قصةٌ أخرى تشبهها أكثر، وهي في كتاب....الخ. انتهت رسالة الدردبيس.
وفي الحقيقة أنهيتها، لخطورة المعلومات التي آثرتُ الاحتفاظ بها لنفسي كما أوصاني كاتبها.
استفاد فرويد من قصة "غراديفا" للتمييز بين الحلم والوهم. الأحلام التي لم تُرَ قط، أثارت فضول فرويد، تلك الأحلام التي يرويها السارد على لسان أبطاله، من هنا بدأت دراسة فرويد المعنونة "هذيان وأحلام في غراديفا جنسن" يتناول الصراع بين تيارين فكريين: العلمي الذي لا يعترف بالأحلام، الشعراء والسُّراد الذين يعوِّلون عليها كثيراً، ويصطَّف معهم فرويد، إلاّ أنَّه يرى أنَّ الأحلام هي في معظمها حديث النفس وخواطر القلب، التي نسمِّيها وسوسة...الخ.
هذه الرسالة أشعلت جذوة نشاطي التي كادت تنطفئ، فبحثتُ في أحلامي التي دوَّنتها، والجنسية منها خاصةً، ووجدتُ أنَّ الشخص الذي كان يقوم بالفعل الجنسي في المنام يتطابق معي تماماً، ليس فقط بسبب التغييرات البايولوجية، ولكن بسبب المشاعر التي تبقى معي حتى بعد عودتي إلى عالم اليقظة، وفي غربتي وجميع أسفاري بحثتُ عن الكتب التي استشهد بها أرتيميدور في كتابه "مفتاح الأحلام"، والذي كتبه في القرن الثاني بعد الميلاد، فلم أعثر على شيءٍ منها، وحين كدتُ أنسى الأمر برمته: عثرت على لوحة عجيبة بعنوان "مفتاح الأحلام"



هذه اللوحة جعلتني أشعر بالذهول، وكذلك جميع لوحات هذا الفنان السريالي، الذي ربَّما اكتشفَ مفتاح الكوُّة بين الحلم والحقيقة، وشعرتُ أنَّ هذا الفنان كأنَّما كان يعرفني، ولم يفعل شيئاً سوى أنَّه نظرَ في أعماقي ورسمني: خليطاً بين شخصين أحدهما يعيش في الحلم والآخر يعيش في الواقع، في معظم لوحاته: شخصان، أحدهما وهمي والآخر حقيقي، لكنَّك أبداً لن تعرف من هو الحقيقي؟ وذات الشيء في لوحاته كافة، ثمَّ نسيت اللوحة والأحلام وانشغلتُ في القراءة عن الفن التشكيلي، وفجأةً وأنا أطالع كتاب جون برجر "طرق في الرؤية"، وجدتُ أنَّ الفنان التشكيلي رينيه ماﮔـريت في تعليقه على لوحته "مفتاح الأحلام" يقول( تتأثر طريقة رؤيتنا للأشياء بما نعرفه وما نؤمن به، كان الناس في القرون الوسطى يؤمنون بالوجود المادي للجحيم، فكان مشهد النار يعني لهم شيئاً مختلفاً عمَّا يعنيه لنا اليوم). وأظنُّه كان مخطئاً لأنَّ طريقة رؤيتنا للأشياء، لا تتأثر إلا بمدى رؤيتنا لها في السابق، من خلال معرفتنا بها في الحلم أو في الحقيقة. وكان أهم ما في لوحة "%e

التعديل الأخير تم بواسطة المسابقة الأدبية ; 06-24-2010 الساعة 09:42 PM
المسابقة الأدبية غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 06-26-2010, 09:28 PM   #2
معلومات العضو
شوق عبدالعزيز
عـذبة المشـاعر

الصورة الرمزية شوق عبدالعزيز




نبارك لكم الفوز ونشكر لكم مشاركتم واهتمامكم بالمسابقة

دوما إلى الأفضل ...والأرقى بإذن الله ..


تحياتي وتقديري


شوق
شوق عبدالعزيز غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:58 PM.