أُنْثـَى السَّرَاب - واسيني الأعرج - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: غبار الوهم (آخر رد :عبدالرحمن المري)       :: " سبعةُ أقمارٍ موؤدة " (آخر رد :ليال الصوص)       :: وضمّي لها بالشوق سورٌ يصونها (آخر رد :حسين إبراهيم الشافعي)       :: مفاوضات عبثية بلا دور عربي !! (آخر رد :نبيل عودة)       :: سأهرب منك .... (آخر رد :ليال الصوص)       :: أعترف (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: لحظات الصمت (آخر رد :عبدالرحمن المري)       :: عاشق خلف السراب (آخر رد :اقبال المهندس)       :: أمنية بسيطة .. (آخر رد :فطيمة عزوني)       :: عيونك الرحيل... (آخر رد :شوق عبدالعزيز)      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > مَرَايَا أَدَبِيَّة > مَرَايَا الْقَصِّ
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-20-2009, 01:33 PM   #1
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


أُنْثـَى السَّرَاب - واسيني الأعرج



واسيني الأعرج

أُنْثـَى السَّرَاب

(سْكْرِيبْتُورْيُومْ)





فِي شَهْوَةِ الْحِبْرِ، وَفِتْنَةِ الْوَرَقِ.

إلى حبيبتي وابنتي ريما...
شكرا لك. وحدك فهمتِ سرَّ هذه اللعبة القاتلة التي اسمها الأدب.

» بالأمس القريب، إن لم تخني ذاكرتي، كانت حياتي عرسا تتفتح فيه القلوب وتُرفع فيه الأنخاب.
وذات مساء، أجلست السعادة على ركبتي، وجدتها مرة، فلعنتها . «

آرثر رامبو: فصل في الجحيم.

«الصمت صديق أخرس وأناني، يسمع ولا يجيب أبدا.»
واسيني
واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:34 PM   #2
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


امرأة تشبه الحياة قليلا.


امرأة تشبه الحياة قليلا.

ليلى...
ليلي الحبيبة،

إرثي الثقيل، وفقداني العظيم.
هل يمكن قتل امرأة ورقية تشبه الحياة قليلا، لا وجود لها إلا داخل الكتب والقلوب؟
أضع كل هذا الجنون المشتهى بين أيدي القرَّاء، كما شِئتِ، لا كما ارتضيتُ، ولا ضامن لنا في هذه المغامرة المجنونة التي يتقاسمها كاتب من لحم ودم، مع امرأة من ورق وحبر، إلا الصبر وظِلّ الكتابة السخي.
عندما وصلني بريدك الأخير، بعد أن عبر المهالك والمستحيلات، كنتُ أتلمس الحياة برؤوس أصابعي من جديد، كمن استرجع بصره بشكل فجائي. كان كتابك السري محملا بهواجس انتقامك من امرأة هي في النهاية، مرآتك ومرآتي الخفية. ليس في نيتي أن أخطِّئك، فقد كانت مريم ومازالت، إيقونة حبري البنفسجي، ولوني المستحيل، وعزائي الوحيد لمقاومة يقين الضحالة والقبح.
هل أقول لك إني شعرت بجرح عميق وأنا أقرأك؟ وإني أحسست فجأة بخواء مفجع تحت قدمي، وبدوار يتهدد توازني؟ وإني لم افهم أبدا كيف تغادر امرأة فراش الكلمات، وعطر الحبر، ورائحة الورق الزكية، وترمي بنفسها في أتون حياة محكومة بالفناء والموت؟
لم تتركي لي خيارات كثيرة. ها أنا ذا أغمض عيني لكي لا أرى شيئا، وأسد أذني لكي لا أسمع هدير الضغينة من حولي، وأمنح جرحنا للعابرين، كما كتبتِه وكما اشتهيتِه.
من حقك الآن وأنت تضعين نفسك في موضع أنثى الظل، أن تحملي مسدسا تجوبين به مدينة الكلمات وأزقتها الضيقة، بحثا عن وَهْم اسمه مريم لاغتياله. من حقك أن تصنعي فراشا جديدا من الرسائل واللغة، تنامين عليه كلما كانت قسوة الدنيا عالية. من حقك أيضا أن تشعلي النار في كل الأوراق التي جمعتنا، وتحوليها إلى حفنة رماد تبعثرينها مع رياح الخريف القادمة. من حقك أن تفعلي ذلك كله، لن يتغير شيء. ستظل مريم الأنثى الظليلة التي تغطي ضعفنا وهزائمنا، ودسائسنا الصغيرة.
أتساءل اليوم، بعد كل هذا العناء، إذا لم تكن مريم التي أطلقتِ النار عليها، هي نفسها ليلي التي حين داهمها اليأس، حملت كمان والدها سي ناصر، وعزفت نشيدا عذريا، وهي في أوج نزفها، قبل أن تنطفئ نهائيا؟
* واسيني
واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:35 PM   #3
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل





-1-
نداء أخير...

واسيني...
أكتبك بلا ندم، باللون البنفسجي، أو حبر الشهوة، كما كنتَ تسميه دائما، فقط لأملك قلبك للمرة الأخيرة.
تستحق حبيبي على الأقل أن أهديك هذا الهبل.

-2-
كان يمكن أن تُحكى عنا أجمل القصص، ولكنك ذهبتَ قبل أن أنبهك إلى أسرار اللعبة ومخاطرها التي لم تكن تتقنها منذ لقائنا الأول. بكيتك يوم صمت قلبك كثيرا، وصممت أن أمارس الموت وفق شهوتي، وأستل حروفك من نصوصك، وأحولها إلى سيف مقدس مثل نصل الساموراي، وأجهز على نفسي، في الركن الأيسر حيث مشيئة القلب. ولكن يدا مفاجئة لم أتمكن من رؤيتها، أعرف فقط ، أنها لم تكن يد الله، سحبتني من غفوتي وجرتني نحو الحياة،، ومنحتني نفسا من روحها، ثم أوقفتني أمام مرآة جليلة اسمها الحياة، ودفعت بي داخل سحرها.
طوبى لتلك اليد التي أشعلت الهبل في كل حواسي الميتة، وأيقظت مدافني الحية، ثم انسحبت ولم تطالبني بأي شيء.

-3-
لقد كتبتُ ما اشتهيتُ.
لحظة ألم من امرأة ورقية معلقة في شجرة الجنة، تريد أن تنزل إلى هذه الأرض لاستعادة صراخها ولحمها وحواسها الضائعة من سطوة اللغة، ومن سلطان الكاتب نفسه. وتقسم هذه المرة، أنها لن تحاسب إبليس على سحره. ستتواطأ معه. تجلس بصحبته تحت شجرة الغواية. تطلب منه بإصرار، أن يأخذها من يدها كمن يدعو عشيقته نحو حلبة الرقص، ويقطف لها تفاحة أخرى بيديه المرتعشتين، ويضعها في فمها قطعة قطعة، مثقلة بنبيذ الشهوة، لتشعر بلذة ذوبانها الهادئ تحت لسانها، وتكتشف معه أكثر المسالك دهشة وهبلا. لقد أدركتْْ، متأخرة قليلا، أن دنيا واحدة عاشتها، لم تكن كافية لإشباع جوعها الأبدي للحياة.
ليعذرني حبيبي واسيني على خبلي وحماقاتي، نحن في النهاية، نتشابه.

* ليلى (ليلي)


واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:40 PM   #4
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


بَهَاءُ الظِلِّ





الفصل الأول
بَهَاءُ الظِلِّ

… … …


-1-
من أنا الآن بعد كل هذا العناء؟ ربما كنتُ كل شيء.
تمدَّدتُ بكل طولي على الكرسي القصبي. أغمضتُ عيني لأسترجع أنفاسي المتقطعة قليلا. لم أنم حتى اللحظة، ولا أشعر بأية رغبة في ذلك على الرغم من التعب الذي سكن كل مفاصلي.
تحسست جسمي والمكان الذي كنت فيه.
« امنحني حبيبي فقط فرصة قتل مريم فيك، لكي أستطيع أن أعيش معك بقية عمري حرة، مثلما أحلم. ولا تسألني لماذا؟ الإجابة لم تعد اليوم تهم كثيرا. لك الإجابات كلها، في ربع قرن من الخوف، والصمت، والأقنعة التي أستطيع اليوم أن أفتح متحفا خاصا بها. ربع قرن من الصبر والخوف... »
هل تدري ما معنى ربع قرن من الصبر والصمت الخانق؟
حفظت هذا المقطع عن ظهر قلب، من آخر رسالة بعثت بها لواسيني من غرناطة. لا أدري بالضبط، ماذا أصابني يومها، وهل فهمني كما يليق برجل حساس، يخاف على حبيبته؟ منذ عودتي من مدينة أجدادي الحزينة، اتخذت قرارا نهائيا بتصفية حسابي مع ظلي وسرابي، مريم.
قبل قليل اشتهيت شرب كأس قهوة مُرَّة لأثَبِّتَ رأسي الذي شعرت به في حالة دوار دائم، ولكني سرعان ما عدلت عن الفكرة. وضعت الترمس في الزاوية، ناحية رجلي اليمنى، ونسيته هناك.

الصمت الآن يتمدد على سكينة الأشياء كظل الميت. هذا القبو، أو الكهف كما يسميه ابنايَ وزوجي، وأسميه أنا منذ زمن بعيد السكريبتوريوم ، يعطي الانطباع، بمخزوناته الكثيرة والسرية، بقبر فرعوني تُرِك تحت الأرض. حتى طنين الذبابة الزرقاء، التي لا أدري من أين جاءت، انطفأ نهائيا. ربما تكون قد تعبت هي أيضا من كثرة الدوران الذي لا يفضي إلى أي شيء.
عليَّ أن أنسى الآن كل شيء، بما في ذلك دعوة مخبر النجاح لاستلام نتائج التحاليل الرحمية، التي رميتها في الطرف الأيسر من المكتب ليسهل علي تذكرها. مسألة شكلية ولكن علي أن أرتب كل تفاصيلي لأتمكن من السيطرة عليها.
«- حبيـ...ـبي... اسمـ...ـعني أرجـ...ـوك... لنا كل الموت لننام.»
جاءتني الكلمات متقطعة، من زمن بدا لي أبعد من بلاد الخوف.


2 إناء في شكل إبريق يحافظ على حرارة السوائل.
3 كلمة من أصل لاتيني Le Scriptorium و تعني المكان الذي كان ينجز فيه القساوسة والكهان مخطوطاتهم ، قبل اختراع المطبعة. وبانزلاق المعنى، تعني الكلمة اليوم، المكان المختار للعزلة من أجل الكتابة.






قلتها له لا أدري متى.

-2-

« هكذا إذن؟ لنا كل الموت لننام؟»
كان يجب أن يحدث ذلك. واسيني لم يقم من غيبوبته القاتلة، أو على الأقل هذا ما أقنعت نفسي به. ومريم أصبحت الآن تحت رحمتي. لن أستأذن أحدا لتصفية حسابي معها. كان علي أن أفعل ذلك قبل مدة. تأخرت كثيرا.
قبل قليل حشوت مسدس بريتا، برابللوم 9ملمتر، بسبع رصاصات ووضعته بجانبي في انتظار لحظتي المناسبة. ثقيل، ولكنه قوي ومتين. المجرم والبريء الحاقد يفكران بالطريقة نفسها. الفرق بينهما هي لحظة النسيان، الأسئلة الخفية، رجفة الارتباك، ثم العبور نحو التنفيذ فقط.
لبست الأسود استعدادا للحداد، فأنا مقدمة على شيء خطير، قلبته في رأسي طوال الزمن الذي أعقب سقوط واسيني في غيبوبة فجائية، ودخوله إلى مستشفى كوشان پول سان- فانسون بباريس .
الساعة؟ لا أدري بالضبط. أسمع فقط، حركتها الداخلية التي تشبه الساعة التقليدية، وكأنها قنبلة موقوتة تتصيد ضحيتها. أرى الآن لوحتها المواجهة لي. نقاط حمراء متتابعة ومستقيمة على خلفية سوداء … … … . كل شيء يبدو منطفئا. لا أرقام أبدا. كأن الزمن توقف نهائيا لولا تلك الحركة الخفية للعقارب المضمرة، التي تصلني برتابة مقلقة، وتحسسني باحتمالات انفجار سيحدث في أية لحظة، وفي أي مكان، بما في ذلك جسدي أو رأسي المتعب.
كل شيء يحمل قوة الصمت العنيف التي بداخلي.
ما يزال الكمان الذي عزفت به طوال الليل مقطوعات سوزان لوندينغ ، في مكانه حيث وضعته عندما انكفأت على الكتابة. المسدس أيضا تمدد ظله قليلا ببرود وكأنه مجرد لعبة نسيها طفل على المكتب بعد أن شبع لعبا بها. لم يتحرك من مكانه منذ أن حشوته بالرصاصات السبع، وأنا لا أعرف بالضبط في أية لحظة سأستعمله، لكني مقتنعة أنه ضروري للانتهاء من هذا التردد القاتل؟
تلمسته. باردا كان، كجثة ميت. لأول مرة لا أخاف منه.
نسيت وجوده بسرعة، منذ أن انغمست في كتابة هذا النزيف على الكمبيوتر.
طبعا لم أتساءل ماذا سأفعل بعزلتي. كل شيء صاف في ذهني ولا يوجد أي ارتباك في قراري النهائي. أعرف جيدا لماذا انزويت في السكريبتوريوم، بعد أن وصلت إلى نقطة اللارجوع. النقطة الفاصلة بين جبن الحياة وبهاء الجنون.
سأفترض أن واسيني لم يستيقظ من غيبوبته أبدا لأتمكن من تجاوز قلقي الداخلي نهائيا. وسأقنع نفسي بأنَّ كل ما قاله الأطباء لأهله، هو مجرد لعبة طبية لإتاحة الفرصة لعائلته لترتيب ترحيله إلى أرض الوطن بلا ضجيج، كما أكد على ذلك في وصيته الأخيرة.
ليس جنونا، بل هو عين العقل. افترضت إغفاءته الشبيهة بالموت، فقط لأختبر حواسي الدفينة على المقاومة، وقدراتي العقلية على الاتزان، واختراق عتبات الاستكانة والخوف من الفقدان والتيه، ولأروض قلبي المتعب على الصبر. وربما، أكثر من ذلك كله، لأتمكن من تصفية حسابي مع مريم التي أدخلتني الكتابة في جلدها، وأخرجتني من الحياة.
قبلت باللعبة ولكنها، قتلتني في النهاية. لست مجبرة على الاستمرار وفاء لكذبة تسحقني كل يوم عشرات المرات. فأنا لا أطلب البحر. حلمي بسيط كالماء.
« أريد أن أسترجع هويتي المسروووووووقة. هل فهمت؟ لا أريد شيئا آخر غير استرجاع هذه الهوية المسروقة. أرفض أن تلبس مريم وجهي، وتسرق ملامحي، وتعيش بجسدي كل شهواتها وجنونها.»
لست امرأة من ورق، ولكنني حقيقة واسيني المرة التي يحاول أن يتفاداها وربما إخفاءها، وهي منغرسة فيه بقوة.
قبل قليل، عندما تعبت من العزف، أدخلتُ قرص سوزان لوندينغ في عمق الكمبيوتر، ووضعته على إشارة التكرار لكي يظل يدور بلا توقف مثل المجرة.
صوت الكمان الذي يتلوى بين أنامل سوزان لوندينغ الرقيقة والأنيقة، يأتيني الآن واضحا، وبلا صدى، في هذه الغرفة المدفونة تحت الأرض. أسمع الأنين القلق وهو ينبعث من روح متوارية باستمرار نحو الغياب، بعد أن تحولت إلى نثار من النور الذي يصعب لمسه والقبض عليه. تأتيني النداءات العميقة، متماوجة، متباعدة ومتقاربة، جافة وسلسة، عنيدة ومستسلمة، كأنها ساحل موحش، أبدي الحركة. نباهتي المتقدة الآن تجعلني أفرق بينها كلها، واحدة، واحدة. أسترجع بعض ما مضى، وألعب. أجمِّع اللحظات المسروقة كما يروق لي، ثم أفككها مثل اللعبة قبل أن أطوحها في فضاء وأبعثرها عاليا مثل الفقاعات الصغيرة، وأحاول عبثا أن أمنعها من الانفجار.
الموسيقى وذاكرتي المتقدة، هي كل ما يؤثث حضوري الآن، ويمنحني حنينا لذيذا نحو زمن أصبح فصوصا صغيرة عليَّ أن أجمعها وأرتقها، لأتمكن من فهمها، وربما نسيانها للمرة الأخيرة.
لا أحد غيري يدري الآن ما تفعله فيَّ هذه الإيقاعات المتتالية؟
«حبيبي، أقرأ الحيرة في عينيك. كأنك أصبحت لا تعرفني؟ أيها المهبول لو فقط كنتَ تدري... أنا مشبعة بك، مثل إسفنجه، حيثما مستني يد، نضحت بك: عطرا، شوقا، شهوة، ألما وخوفا. هل تعلم ما معنى أن تنضح امرأة برجل؟»
أكتب بلذة وأغرق في شيء جميل ومبهم مثل تقبيله، تحسس جسده، فلي شعره الذي ابيض بسرعة، تفتيش تفاصيله الحميمة، ثم الغوص فيه بجنون لا يضاهى، والتلاشي على تأوهات، كان دائما يضع يده اليمنى على فمي، كي لا يسمعها الآخرون. مازلت أسمع تنبيهاته المتتالية: ششششششششت... أرجوووووووك... عمري... لسنا وحدنا... أتحسس رجفاته المتتالية على صدري. ملامسها قوية وعطرها حاد. أريد عبثا أن أخرج من جلدي لأحس أنه فيَّ بكله ولكن عبثا. هو لا يدري أنه كان يكتم أصدق صرخة فيَّ، وأجمل رعشة فيه، صرخة التماهي المطلق؟ رنين اللحظة العشقية التي لا حدود لسلطانها. هل كان يدري ماذا سيحدث لو اندغم الجسدان في تأوه واحد، وصرخة تخرج من الأعماق بشكل بدائي؟
«لا تعرف، ولا ألومك، لأنك في هذه لا تشذ عن القاعدة. فأنتَ ككل الرجال، تنظر دائما وراءك وخلفك وبجانبك. تسمع إلى أصوات الآخرين أكثر من استماعك للصوت الجميل الذي فيك، حتى في أدق اللحظات حميمية، حيث لا شريك لك، إلا الجسد الذي يحترق. فتضيع اللحظة القدرية التي بين يديك، وتسرق منك في أقل من رمشة هاربة، أو لمسة خفية.»
وهو الذي قال يوما في أحد حواراته الجريئة: إن لذة الكتابة مثل لذة الجنس بالضبط. لا نشعر بسحرها دائما حينما نشاؤها، نحتاج إلى قدر من الامتلاء بكل ما يحيط بنا من تفاصيل لا نراها إلا نحن، والتماهي في المطلق، حيث لا حدود تمنعنا من المرور عبر كل الحواجز القاسية والشفافة.
السبب ذلك كله؟ غير مهم. وحده واسيني، كان يعرف سر هذا الخراب الذي يحيط بي، ويملأني إرباكا وخوفا.

« تخيل حبيبي، إنسانا يستيقظ ذات صباح، ويجد نفسه ليس هو؟
- تضحك!؟
- أضحك. أفضل من البكاء.»
أنا أيضا أضحك، لكن بمرارة، لأننا منذ زمن ليس بالقليل، لم نعد نتذكر الشيء نفسه لنضحك ضحكة مشتركة افتقدناها بمرارة. هو يسخر من هبلي الفائت، وأنا تذكرت غريغوري سامسا ، المسكين، الذي أغمض عينيه إنسانا سويا، واستيقظ حشرة بشعة. أحيانا أراني تلك الحشرة التي تدور في مربع صغير يكاد يقتلها اختناقا. تتسلق الحيطان، تتخبأ عبثا بين أرجل الكراسي والأسرَّة والثقوب النتنة، بحثا عن نجاة أصبحت رهينة الصدف. وعندما لا تجد الحشرة الضائعة منفذا لها، تنزلق وراء الباب، تتكوم على نفسها بحزن شديد، وتنتظر متى تدوس قدم خشنة جسدها الهش، إلى أن تنام على عزلتها، داخل الكوابيس المرعبة.
ما الذي يجعلني الآن أختلف عن غريغوري سامسا؟ لا شيء. كلنا ننتظر تلك القدم الخشنة التي تسمحنا على الأرض بوطأتها الخشنة.

-3-
لا رفيق إلا الصمت الموهن، وذاكرة لم تعد قادرة على تحمل أثقالها المميتة.
حالة سكينة مريبة مثل التي تسبق الموت، حيث يتسطح كل شيء، وتفقد الأجسام الصلبة أوزانها وأشكالها، وتصبح رخوة مثل قطرة زئبق.
«- كم من الوقت مر حتى الآن؟»
لا أدري. لا يهم. كل شيء تحول إلى ذرات تعوم في الفضاء الواسع والرث. لا علم لي بالوقت، فأنا عندما رفعت رأسي نحو المنبه لأول مرة، لم أر إلا نقاطا حمراء … … … تتراقص على خلفية سوداء، وشيئا مبهما ظل يتوغل فيَّ، ويسحبني نحو هوة الذاكرة وتمزقها الذي أصبح من الصعب عليَّ ترميمه دفعة واحدة، ورتقه كما كنت أفعل مع الألبسة القديمة.
متعبة، ولكني لم أعد منشغلة بذلك، لدي في أجندتي ما هو أهم.
أكتفي الآن بهذا الامتلاء الغريب الذي سبَّبه لي مرض واسيني المفاجئ، ووقوفه فجأة على حافة الموت، ثم دخوله في غيبوبة رأيته فيها ميتا حتى بعد أن التقيت به خفية، في المستشفى. ربما لأني قبل هذا الزمن لم أفكر في موته بجدية. ربما لأني كلما رأيته قادما من بعيد إلى مواعيدنا العديدة، بقامته المديدة التي ترى من بعيد، شعرت أنه نصف إله ضائع. لم تكن روحه في قدمه مثل آشيل، ولكن في مخبأ آخر، منفصل عنه تماما، حيث لا يد تلمسها غيري. كنت أظن أنه مثل النجمة المسحورة التي لا تموت إلا لتعود ثانية، في شكل أكثر وضاءة وحياة. وكنت أظن أيضا، أنه حتى لو قدر لواسيني أن ينطفئ، فلن يكون ذلك إلا مؤقتا، إذ سرعان ما يعود مثل طائر الفينيكس ، محملا بنثار الحاضر، ورماد الماضي.
مرضه أحدث فيَّ زلزالا عنيفا غيَّر نظام الأشياء في حياتي المكرورة، وأيقظ هاجس العودة إلى كل مفقوداتي التي ضيعتها، بما في ذلك اسمي الذي لا أعرف إذا ما كان عليَّ أن أحقد على واسيني لأنه هو من غيَّره وفككه، أم أشكره لأنه من اسم هارب وعادي، اسم لا دهشة فيه، إلا عشقه المجنون لنوار البنفسج، صنع عالما اشتهيته بسرعة لأنه كان يشبهني، لكني كلما اقتربت منه، انزلق من بين أصابعي كحبات الرمل، ولم أتمكن أبدا من وضع وجه وملامح على اسمي.
كأني لم أكن أنا؟
« يكفيني هبلي وجنونك الذي فيَّ، ورغبتي القصوى في الانتهاء من الكذبة التي سرقت حياتي. ولا يهم بعدها إن آذيتك. فأنا لا أقصد سوى أن أكون كما عرفتني في المرة الأولى، بدون وسائط، ولا حتى كذب أبيض، ولا أقنعة، ، حتى ولو كان القناع جميلا، واسمه مريم.»

-4-
لم أكن أعرف درجة الخطورة، ولكني كنت أدرك أن الأمر جدي. ولهذا عندما قيل لي إن قلب واسيني توقف نهائيا، ثم عاد حتى بدون صدمات كهربائية، تهيأت فجأة لارتداء لباس الحداد الذي لم ألبسه منذ وفاة والدي.
رأيتني فجأة وراء جنازة غريبة، سي ناصر وواسيني؟
شيء قديم يسكنني منذ طفولتي الأولى، لا أفهمه جيدا. كلما تدثرت بالسواد، شعرت بلذة غامرة لا أعرف مصدرها. ولا أستطيع أن أتفادى هذا الإحساس المربك حتى وأنا في عمق الحداد. عندما تراءى لي واسيني في غيبوبته القاتلة، يعبر مسارب الموت بعيون نصف مفتوحة، لم أمنع نفسي من هذا الشعور الغريب. ربما هذا ما دفع بي إلى الزج به نهائيا في إغفاءة الموت، لكي أتمكن من العيش بعده كامرأة عادية.
علينا أن نقتل من نحب لكي نتمكن من الحياة بشكل مخالف.
أضحك أحيانا من هبلي.
« امرأة ورقية تقتل كائنا من لحم ودم؟ رهاني كله هو أن آكل رأس مريم قبل أن تأكلني. كنتَ الحقيقة الوحيدة، وكان قناعي هو الورق.»
قد أبدو مجنونة؟ موته لم يكن فرضية فقط، ولكنه كان حقيقة عشتها بقوة جعلتني استعيد كل ما خسرته: اسمي الحقيقي ليلى أو ليلي كما كان والدي يناديني، رسائلي التي أعشقها لأنها أنيني الحقيقي وتاريخي، وجهه الطفولي الهارب، والانتهاء من امرأة اسمها مريم، أصبحت ثقيلة على قلبي.
لكن مرضه نبهني أيضا إلى وجودي وانتفائي.
« ربما كانت رسالتك، عندما خرجتَ سالما من مركز العناية المشددة، من مستشفى كوشان پول سان-فانسون، هي من أيقض فيَّ هذا الإحساس الغريب.»
» Tu me diras que c'est du cynisme? Peut etre ... Mon ange! C'est juste une envie folle de retrouver ce vieux rayon, fatigué par le temps, qui ne cesse de briller sur cet amas de cendre. «

قلتُ له منذ زمن بعيد إنني مريضة به، وهذا وحده يكفي لكي لا يحملني شططا جديدا، ويجد كل أعذار الدنيا لتحمل حماقاتي وجنوني.
ربما معه حق في شيء واحد، هو أن ما أفعله اليوم، ليس صدفة طارئة، ولكني أفعله عن سبق إصرار وترصد. حاجة حيوية ووجودية.
أتساءل وأنا أعرف الإجابة، هل مرت بذهنه يوما فكرة موتي؟ أن يستيقظ مثلا ذات صباح ويجد مكاني فارغا؟ وعندما يفتح الخزانة السرية، تواجهه ألبستي الشفافة التي شهدت أعراسنا الجميلة، والمانطو الإيطالي الأسود الذي كان يعشقه، وفساتيني التي كان يشتهي شراءها كلما سافرت معه، أو التقينا في مدينة ما تستطيع أن تحفظ أسرارنا. مدننا الجميلة هي فساتين وحماقات متتالية، ونسيان غريب أننا ننتمي إلى عالم نصنعه كل يوم قليلا، وكما نشاء. حتى ولو لم نلتق كما نريد، فكرة وجودي حية، ولو في آخر الدنيا، يعطيه نوعا من الراحة الداخلية. هل مر بذهنه هذا الخراب؟ أستطيع أن أجزم: لا. أفهم ذلك جيدا. لأننا عندما نحب، تنفتح في أوجهنا كل الأبواب الموصدة، بما في ذلك أبواب الحياة والقلب. باب واحد يظل مغلقا لأننا نخافه، هو باب الموت.
« يومها هيَّأتُ نفسي، من رأسي حتى أخمص قدمي، لافتقادك، فأصبح جلدي مغطى بقشرة تمساح. لكني عندما واجهتُ المرآة، أحسستُ فجأة بمدى البياض الذي خلفتَه وراءك وأصبح يلفني، بدون أن أدرك هول الفجيعة التي كانت كل يوم تتوغل فيَّ بعنف غير مسبوق. »
فتحت صندوق الرسائل الخشبي، آخر موروثاته عن جده الأندلسي. كانت رائحة شبيهة بعطر المنسيين، تخرج منه.
رسالته الأخيرة ما تزال في مكانها حيث وضعتها بعد أن أخرجتها من الصندوق. كان بها شيء غريب يصعب علي تحديده، يشبه الحياة والموت في الآن نفسه. ما تزال على الطاولة مستلقية في تعب ظاهر، غطت بجزئها العلوي، رأس فوهة المسدس. كلما أعدت قراءتها، ذكرتني بأن شيئا جللا قد حدث فيَّ وفيه، غير نظاما جنونيا استقر في حياتنا منذ أكثر من ربع قرن.
أقرأها باستمرار، أفليها فليا، لا لأتأكد أنه يحبني، وأنه ما يزال حيا، وأن الصدفة والأقدار الجميلة منحته فسحة ضافية للجنون، ولكن لأوقف الزمن عند تلك اللحظة بالضبط، التي فجرت فيَّ هوية ظلت ممزقة بين أقنعة هاربة، وذاكرة أرفض أن تنمحي.
قلت له يوما:
« أكتب لي حبيبي، يعجبني تطرف مزاجك وأنت في حالة سكر، تبحث عن كلماتك الضائعة. رسائلك، فراشي الجميل. تدفئني من رعشة الخوف الباردة.»
ضحك. واسيني لم يتغير أبدا. ظل هو هو، عاشقا غارقا برأسه داخل غيمة بنفسجية، وطفلا يصعب ترويضه.

* * *


واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:42 PM   #5
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من سين إلى ليلي.




من سين إلى ليلي.


ليلي الغالية .
عمر الشقي لا ينتفي.
لا أدري ما الذي يعيدني الآن إلى اسمك الأول بعد أن بدأت مريم تهرب مني؟
اسم ليلي جميل، يذكرني بوالدك الذي كان يناديك به قبل أن يموت منكسرا على كمانه. لم أسمعه مرة واحدة يناديك ليلى.
ها قد عدت حبيبتي إلى لوني الجميل. الأزرق. هو مدادي، مثلما كان البنفسجي حديقتنا المليئة بالاشتهاء المجنون.
كل شيء هادئ في هذه الصالة البيضاء التي لم تعد تخيفني. شكرا على عنوان الإيمايل الذي خبأته في كفي. ملعونة حتى في لحظة الموت. فقد منحني فرصة لكي أراك من جديد عبر كلماتك وحروفك الهاربة. أنا لا أعرف بالضبط هل زرتني، أم أن حلما غريبا اخترقني، ويدا سحرية وضعت في كفي تلك الورقة. لا أعرف بالضبط ماذا حدث؟ ولكني عندما استيقظت، لم أجد شيئا إلا ورقة صغيرة كنت أكز عليها بأصابعي المنغلقة بإحكام، وكان علي ترويضها لأتمكن من فتحها. تذكرت بشكل ضبابي أني قلت لك اذهبي إلى البنك وخذي كل الرسائل التي تنام منذ زمن في عمق الصندوق الخشبي الصغير. خمنت أنك استرجعت كل شيء، خوف أن يسقط في دائرة الموت والنسيان. حسنا فعلتِ، لست نادما أني وضعتك في عمق الألم الذي في قلبي.

ليلي الحبيبة.
الموت استعداد بطولي، ويومها لم أكن مستعدا للتخلي عن الحياة. كانت هي رهاني الأخير. لم يكن لدي شيء أخسره. فجأة نبت في دماغي يقين غريب، وهو أن ساعتي لم تحن بعد، وربما أن كل ما حصل لم يكن في النهاية إلا بروفا اختبارية.
مرة أخرى تشاء الصدفة أن تضع الحياة في مسلكي الضيق. كل شيء كان يفترض أن يقودني نحو الهلاك، كما في المرات السابقة، في ظروف مختلفة. كل الحسابات التي خمنتها سلفا كانت خاطئة. كنت أتصور مثلا أني سأموت على يد مواطن معتوه يظن أني سرقت حبيبته من سريره؟ أو على لسان إمام أعمى وأطرش يفتي حتى في حق الملائكة التي لا تخجل من النوم مع الحوريات؟ أو ربما في طائرة ترتفع ثم تنسحب من الرادار ولن يجدوا لها أثرا؟ أو حتى بسرطان مفاجئ وغاشم؟ فلا أحد فوق الصدفة المميتة. ولكن أن يخدعني قلبي، فهذا لم أتصوره أبدا، على الأقل بالشكل الذي حدث معي. بيني وبينه علاقة مصالحة عالية وجميلة.
مع أن كل شيء بدأ في ذلك اليوم بشكل هادئ ورائق.
يوم قبل الحادث، جريت في بارك لافيلات Parc La Villetteأنا وابنتي صافو. كانت سعادتي كبيرة بالركض على حافة قناة الأوركLe canal de l'Ourc الاصطناعي. ثم رأيت معها معرضا للمنحوتات العتيقة، واتفقنا على أن نعود له بعد أسبوع، قبل أن يغلق، لشراء بعض القطع الجميلة التي سحرنا بهاؤها وبساطتها، ولم تكن غالية.
عندما عدت إلى البيت، ذهبت شهيتي نهائيا. ثقل جسدي على غير العادة. سألتني صافو عن امتقاع لوني، قلت لا شيء، ربما تعب الجري فقط. ثم صعدت إلى مكتبي. استحممت. شعرت بارتخاء جميل في الجسد. ثم انزويت قليلا للعمل، قبل النوم، تذكرت فجأة سلة فضلات التغليف والكرتون، التي نخرجها كل ليلة أربعاء لتُفرغ فجر الخميس. لم تكن ثقيلة لأنها، لم تكن تحوي إلا على الكراتين والزجاج والأغلفة. لكني فوجئت بانقطاع في نفسي، وهو ما لم يحدث لي أبدا في حياتي. قلت ربما نزلة برد سببها أني عرضت نفسي للهواء بعد حمامي، بعد الرياضة. مع أن باريس يومها كانت جميلة ورائقة. عدت للعمل لكي أنسى. اشتغلت قليلا على رواية: سوناتا لأشباح القدس، التي عذبتني كثيرا في علاقة مي مع الموت. مشكلتي أني عندما أتحدث عن أبطالي، أعيشهم بامتلاء وكأن ما يحدث على الورق حدث بالفعل. الكاتب مثل الممثل، إذا لم يعش دوره كحقيقة، سيبقى على هامشه. نمت. في الصباح لم أستطع أيضا أن آكل أية لقمة. بدأت ألاحظ أن نفَسي بدأ يضيق، ودقات القلب اختل نظامها. قالت لي صافو وهي تكتم بصعوبة قلقها: بابا، اعتذر عن محاضرة السوربون واذهب إلى الطبيب. قلت: لا تشغلي بالك، سيعود كل شيء إلى وضعه الطبيعي. على الساعة الثانية من نفس اليوم، الخميس، نزلت إلى العمل. لم أصل إلى محطة الميترو، التي تبعد عن بيتي مسافة خمس دقائق مشيا، إلا بشق الأنفس. تغيرت المسافات في ذهني، وأصبح ما كان قريبا، بعيدا بآلاف الأميال. نمت في الميترو، وعندما وصلت إلى محطة السوربون، نزلت. لم تكن هناك أية صعوبة بالنسبة للدرج الميكانيكي. فقد أغمضت عيني وتركتني أصعد وكأني كنت ذاهبا نحو سماء طرية وسخية. لكن عندما وصلت إلى الدرج العادي، اختنقت أنفاسي من جديد.
كان المطر في الخارج يسقط بقوة. وقفت قليلا. تأملت الدنيا بانتشاء غريب. شعرت ببعض اللذة الجميلة وأنا أتأمل تلونات الغيوم، وأشرب ماء المطر وهو يغسلني. ثم حاولت أن أمشي، شعرت بالعالم كله ينزل على صدري. تسارعت الأنفاس ودقات القلب، وشعرت بالموت يكشر تماما في المسافة الفاصلة بيني وبين الجامعة التي لم تكن تتعدى في الحالات العادية الخمس دقائق. خطوت خطوة، خطوتين، ثم توقفت من جديد. مرة أخرى تخذلني قواي. في لحظة ذهنية خاطفة، رأيتني ساقطا على الرصيف الحزين، بالضبط تحت عمود الإشارات الضوئية، نصف مغمى علي، والناس من حولي يتساءلون من أكون؟ ينشؤون الإجابات الأكثر جنونا وهبلا. لابد أن يكون مديرا في الإدارة، بلدية الدائرة الباريسية الخامسة ليست بعيدة من هنا؟ لا.. لا.. ربما يكون خوريا بهذا المانطو كاشمير الطويل، وهذه القبعة السوداء. الكنيسة ليست إلا على بعد خطوات قليلة. لا... لا... هذه الألبسة السوداء، وهذه القبعة بهذا الشكل، هي الهندام الطبيعي للحاخامات الذين يمرون دائما من هنا، عندما يريدون قطع شارع مونج ، باتجاه الكنيس اليهودي الذي يقع في الزاوية الخلفية من شارع موفتار المكتظ بالناس في هذا الوقت. لا هذا ولا ذاك... هو بكل بساطة أستاذ جامعي... ربما، الشاهد في ذلك محفظته الثقيلة. الحائط الخلفي للسوربون على مرمى البصر. وتختلط الأصوات. ثم فجأة أراهم يفتشون جيوبي للعثور على ما يمكن أن يدلهم على هويتي. يفتشون في أرقام تليفوني النقال الذي كان مرميا بالقرب مني، ليوجههم نحو شيء ما, كنت خائفا من أن يسرق التيليفون ولن يصلوا إلى إخبار صافو الوحيدة التي كانت ترافقني في البيت. ماسي ، ابني، كان في مونتريال، وهاجر، زوجتي، بالجزائر. أيقظتني من غفوتي، حركة الناس الجماعية وهم يقطعون الطريق بعد أن أصبحت الإشارة الضوئية خضراء، والأمطار القوية التي عادت إلى التساقط من جديد. فجأة شعرت أن بي طاقة مخزنة، كانت هي الأخيرة، وكان علي استعمالها بمنتهى الجرأة والمقاومة، للوصول إلى الجامعة. لا أدري ماذا حدث لي، ولكني انطلقت، لا أسال عن نفسي الذي ضاق إلى حد الاختناق، ولا عن الاختلال الكلي لدقات القلب التي بدا لي أنها توقفت نهائيا وأني كنت أعيش فقط بقوة الدفع الخارجي. أومن أنه في عمق كل إنسان شيئا من بقايا طاقة جسدية مشتتة، عليه تجميعها للذهاب قليلا قبل الاستسلام النهائي. عندما دخلت إلى الجامعة شعرت براحة غريبة. ذهبت مباشرة نحو طبيب العمل، الدكتور بلانتيرو Plantureaux. عرف كل شيء من الفحص الأول. قال: أنت في وضع لا يحتمل التردد. كنت قد بدأت أدخل في حالة لذيذة من الغيبوبة. فاتخذ قرارا بتحويلي إلى مستشفى الأمراض القلبية. لم أسمع إلا بعض الكلمات الهاربة تتحدث عن انسداد في الشرايين، وزحف الجلطة نحو الرئة والقلب، وهو ما سيتسبب في السكتة في أية لحظة. بعدها انغمست داخل بياضات تعددت كثيرا ولم أفكر مطلقا في الموت. بدأت أستكين داخل رواية نشأت معي لحظتها واستمرت إلى يوم خروجي من المستشفى. كانت بطلتها شابة في غاية الجنون والصراحة والقسوة والعنف، اسمها: إيروتيكا. جميلة وحرة إلى درجة الجنون.
بقية التفاصيل تعرفينها جيدا، ولا أريد أن أثقل عليك بها.

ليلي الغالية.
أشياء كثيرة تغيرت فيَّ.
زالت بعض الموانع من ذاكرتي، وانتابتني رغبة محمومة لكتابة نفسي قبل فوات الأوان. لا أعرف بالضبط السبب الأصلي الذي أعادني إلى اسمك الأول: ليلى، أو ليلي كما اشتهى والدك أن يسميك. كنت مرتاحا لمريم، وكان يؤثث ذاكرتي بالكثير من المحبة والطمأنينة رغم قسوة الحياة. ربما هي هزة الموت تعيدنا بالقوة إلى ذاكرتنا المدفونة في الأعماق؟ ربما لأني اكتشفت بعد رحلة ربع قرن معك، أنه آن الأوان أن أعيد لك كل ما سرقته منك نصوصي، أو أعرتني إياه، اسمك أولا. ليلى .

في السنوات التي مضت، كلما كتبت عن الحب، كانت الرسائل لعبتي المفضلة في الكتابة على الرغم من كونها لعبة غير مأمونة المسالك. لم أفعل الشيء الكثير سوى أني استعملت حيلة الكتابة لأجعل من المستحيل ممكنا. في قلبي رسائل أشعر بالدهشة كلما قرأتها، ولهذا ما أنشره في الروايات هو حقيقة محاطة بأجمل كذبة هي الأدب. الحب هو أجمل اكتشاف للإنسان، وإلا لكان مجرد صخرة لا شيء يحركها سوى التآكل اليومي. الحب هو أيضا تآكل عندما يخلو من الإبداع المستمر. هو معنى المعنى لحياة جافة لم تعد تحفل بارتجافاتنا الخفية أمام لحظة حب مسروقة، أو أمام لون وجه نكتشفه للمرة الأولى. ليست ليلى ولا حتى مريم التي سرقت كل وجداني هي امرأة واحدة، هي مرجع الحياة والحب واللذة التي ترفض أن تسقط في دائرة التكرار القاتل. ما الذي يقتل العلاقة غير الألفة والتكرار والدخول إلى الوظائفية والواجب؟ الحب كلما دخل في الوظائفية تحول إلى زواج مقنع. أشتهي لو كنت أسن القوانين، أن أغير نظام هذه الكذبة التي نعوم فيها جميعا، أن أقبل بالحل الوسط ما دام الزواج مجرد عقد. ليتفق الاثنان، المرأة والرجل معا، على احترام الرباط الذي سيصبح مقدسا، ولكن شرط احترام كل البنود، وربما كان أهمها حرية تحديد مدة الزواج، خمس سنوات مثلا؟ عشر؟ أو حتى خمس عشرة سنة؟ وليوضع في خاتمة العقد جملة مكتوبة بشكل نافر ومميز: عقد قابل للتجديد في حالة واحدة، تراضي الطرفين. بهذه الطريقة يستعيد الحب ألقه، إذ لا يمكنه أن ينشأ خارج الإحساس العميق بالحرية والصدق. غياب الحرية في أية علاقة هو قتل لها.
ربما كان الزواج خسارتنا الأولى، ولكنه كان أيضا تجربتنا العظيمة مع الحرية. لم نخسر يا عمري سوى قيود الخوف واليقين الزائف. ستقولين بأني لم أتغير كثيرا منذ أكثر من ربع قرن؟! تغيرت طبعا، إذ زاد يقيني بأن أكبر حماقة نمارسها هي الزواج، لأننا عندما ندرك خلل العلاقة، نكون قد خسرنا أشياء كثيرة، ربما كانت الحرية أولى وأهم هذه الخسارات، حتى ولو كانت مجرد وهم. لكنه وهم يضع الحياة أمامنا في ألقها ورعشتها المليئة بالحياة. قد تبدو علاقاتنا الفوضوية والهامشية، حالات مرضية، وخيانات تستحي من ذكر اسمها، ولكنها تحديدا إصرار يائس من أجل استرداد حرية افتقدناها قبل سنوات، ونعوض الخسارة، بخسارة أفدح.

أتوقف عند هذا الحد لكي لا أواصل في الأذى.
لك قلبي.
مازلت، على الرغم من الكسر العميق ومصيدات الموت التي أصبحت متعددة، وربما لا تحصى، قادرا على حبك والانغماس في نفس الجنون القديم. لسنا بعيدين عن بعضنا البعض، كما يتبدى لك، إلا بالقدر الذي يمنحنا فرصة لتخيل جنون جديد، نلتقي مرة أخرى من أجله.
أنتظرك على هامش أجمل وأخطر حافة في الحياة، الحب.
لم أغير توقيعي منذ بدأنا اكتشاف كتاب الأسرار .
بشوق كبير.
سين.



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:47 PM   #6
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


باريس، مستشفى كوشان سان- فانسون، 31-3-2008




باريس، مستشفى كوشان سان- فانسون، 31-3-2008


s

-1-
« اسمي، ليس مـريـ......ـم. هل يجب أن أصرخ على الأسطح لكي تسمعني؟ لست مريم ولن أكونها. أنا ليلى. ليلي. قد لا تكون في اسمي أية استثارة، ولا أي استثناء، ولكن هذه هي أنا.»
مر...يـ...ـم... أشتهي تمزيق هذه الكلمة تحويلها إلى مجرد نثار، ثم رميها في عمق العاصفة، فقط لأتخلص منها وأرتاح من سماعها نهائيا.
مريم لم تكن إلا استعارة قاتلة لضعف خفي أخفقنا في مقاومته. أنا ليلى. أو ليلي، كما سماني سي ناصر، والدي، أو كما يشتهي واسيني أن يناديني خارج الكتابة، أو في فراش النشوة. اسمي العائلي لا يلهمني كثيرا. منذ البداية كنت أريد محوه والتخلص منه، ولهذا سأتفادى ذكره. الأسماء العائلية تضيف ثقلا لا معنى له، وتحمِّل غيرنا ما لا طاقة لهم به.
لا هدف لي من وراء هذه الحماقة التي أنا بصدد ارتكابها، ولا وراء هذا الجنون العاري المستبد بي، سوى وضع أشواقي الحزينة في مهب الأكف الناعمة التي تشتهي أن تدرك الغنى الكامن في أعماقي. أثق أنه ما يزال في الدنيا من يريد الإنصات إلى الحقيقة التي أصبح حملها ثقيلا. حدث لي أن أصغيت طوال ربع قرن إلى صوت واسيني، هذا الرجل الذي أحبني كما لم يحبني أحد سواه، وأحببته ومازلت، لدرجة أني نسيت وجودي. أضحك منه أحيانا عندما يحتضنني بشوق، فأتلاشى بين يديه كحفنة نور: أشوش في أذنه:
«- يا مهبول؟ ماذا بقي لك مني؟ هل تراني؟ لقد تلاشيت.
- لا أنت هنا، حيث تنتفين، وحيث لا وجود سوى للنور... »
يتفحصني بشفتيه جزءا، جزءا، من شعرة الرأس، حتى آخر مسام في جسدي، فقط ليثبت لي أنني مازلت بين يديه، وفي عمق كفه، وأنِّي لم أتلاشَ أبدا. وكلما فشلت في مقاومة شهوة الجنون معه، ابتسمَ بمكر وتمتمَ في أذني بدوره:
«- هل أعاود الكرة؟ كل شيء فيك يفضحك يا مجنونة.
- يكفي... أرجوك...»
أضحك، وأتمادى في غوايته.

-2-
لست خائفة، ولا حتى متعبة.
الوقت يمر بشكل ضبابي. يقذف بي بعيدا نحو زمن لم يعد لي ولم أعد له. أشياء كثيرة فيَّ، تحركت كلها كالسيل الجارف، لتضعني أمام أقسى مرآة في الدنيا: مرآة الحياة، ولم تمنحني حتى فرصة تأملها واحدة واحدة، قليلا، ومحاولة فهمها.
ما زلتُ في نفس وضعي الأول. لم يتغير أي شيء في زاوية النظر التي أرى منها الأشياء. لا شيء في الخلفية السوداء للساعة الإلكترونية إلا علامات الساعة بدون ساعة، والدقائق بلا دقائق، والثواني بلا ثواني …h …mn …s
لا أرى الوقت جيدا، ولكنني أكتشفه. أحس أنه فيَّ مثل المبهم الذي يسكنني كلما اختلت علاقتي بالحياة أو اهتزت، منذ أن توقف العزف على الكمان ولم يبق إلا صوت سوزان لوندينغ يملأ هذا الخواء المفجع.
المسدس البارد، في مكانه، وليس في مكانه؟ يظهر ويغيب. يعلن، من حين لآخر، عن وجوده الظاهر كلما حركت ورقة من الأوراق التي تحيط بي. يتخفى للحظة، ثم يقفز فجأة من تحت الأوراق وكأن هناك قوة باطنية تسحبه ثم ترميه من جديد على المكتب.

لم أكن أحلم.
لا صدفة في خياراتي.
فكرة وجودي في هذا المخبأ الذي سميته السكريبتوريوم، ليست مهمة، ولكنها ليست عبثية أيضا. طبعا، أنا أدرك سلفا أن هذا المكان لن يحميني من قصف نووي محتمل، ولا حتى من نفسي التي تضخمت هواجسها، ولكنه يوفر لي حالة انفصال عن المدارات التي عشت فيها حتى الآن.
لم أكن أعرف أن واسيني كان متوغلا فيَّ إلى هذا الحد، ولم أكن أعرف أيضا أني قادرة على التخلي عنه للموت بسهولة غريبة. هزة افتقاده كانت عنيفة إلى درجة أنها أعادتني إلى نفسي، ولم تعدني إلى صوابي. أخرجتني من سكرة جميلة كنت فيها، ورمتني في أتون نار قاسية كان علي مواجهتها وتحملها بصبر سيزيفي. في الحب مثلما في الشمس والأرض، نواة ملتهبة، لا ندري متى تنفجر مخلفة وراءها ما يصعب جمعه، وفهمه، وحتى رتقه.
فجأة لم أستطع كتم ضحكة حزينة شعرت بها تأتيني من بعيد.
هذا هو واسيني الذي اشتهيته، بألوانه الجميلة وبرغبته الطفولية في التسطير تحت كل شيء. هذه الورقة الصغيرة له. أعرفها من لونها الوردي وخطوطها المائلة. فيها صرخته الأولى مثل الطفل الذي خرج من رحم أمه وهو لا يعرف شيئا عن عالم كان عليه أن ينتزع فيه حق وجوده. لم أنتبه إلا بعد زمن بعيد، أن صرخته الأولى تلك، كانت مكتومة. أتذكر جيدا حتى اللحظة التي وضع فيها تلك الورقة المرتعشة بين يدي، ثم انسحب وهو يبحث عن مهرب لعينيه الخائفتين مني... أو ربما من ردة فعلي.
يحبني، ويريد أن يبقى في ظلي حتى في حالة الخيبة.

-3-
لم أكتب له يومها شيئا كبيرا. كنت تحت وقع الدهشة الجميلة.
في أسفل ورقة زرقاء اللون رسمت كلمة من خمسة أحرف، داخل مربع أسود، وأربعة ألوان كما في طفولتي الأولى. لم أكن أدرك يومها أنها ستضعني بين يديه كالفاكهة الناضجة: أحبُّك. الحرف الأخير كان رماديا مثلي، لأني في لاشعوري، كنت مثل طفلة مهووسة بعشيقها، أرسم دائرة ستأسرني، وستنتهي بي إلى موتي. لم أكن بحاجة لشيء آخر سوى لأن أقول له أنا أيضا ما كان في قلبي. لم تقنعني طريقته، لأن شجاعة ما كانت تنقصها. أعتقد أن هذا النقصان صاحبنا على مدار أكثر من ربع قرن من الجنون والهبل.
« هل تتذكر يا مهبول ماذا حدث يومها؟ وماذا كان يمكن أن يحدث لو كنتَ شجاعا قليلا؟ ربما تكون قد نسيت كل هذه التفاصيل؟!»
فجأة وجدتني ممتلئة به. مر الليل عليَّ بصعوبة. كنت خائفة من أن أموت ولا أقول له ما كان في قلبي. في الصباح جئته مباشرة بعد درس الموسيقى، على ظهري كمان والدي. كنت مثل التربادور الضائع. وقفت بمحاذاته، عند مدخل مدرج الآداب، وكأن شيئا لم يكن. مددت له يدي. اقتربت منه. تماسكت، على الرغم من أن كل شيء فيَّ كان يرتعش بقوة. ثم وضعت وجهه بين يدي وقبلته تحت تصفيق الطلبة وكأننا كنا في مسابقة لأطول قبلة. احمر وجهه حتى كاد ينفجر، ولكنه كان سعيدا. ثم أخذته، من يده ووقفت أتأمل ردة فعل الطلبة الذين ظلوا صامتين مضمرين سعادتهم أو حقدهم. أخرجت الكمان من غمده. وضعته بالضبط في مكانه المعتاد، تماما تحت الجهة اليسرى من الذقن، المكان الأقرب إلى القلب. مددت أناملي نحو ذراع الكمان، سحبت قليلا في الفراغ لدوزنة الصوت، ثم وبدأت أنحت شوقا دفينا. عزفت على إيقاعات موزارت الحزينة والمنكسرة: موسيقى الليل الصغيرة. كان الجميع ينظر إليَّ بدهشة. لم يروني من قبل بهذا الجنون وهذه القدرة على استحضار أجمل النوتات المسروقة، من أحلى سيمفونيات العالم. ثم غنيت له ما لم يكن يشتهي سماعه لحظتها. أعرف حساسيته المفرطة تجاه فيروز. كنت قاسية على قلبه لا لشيء، سوى لكي يحبني أكثر:

... يا حلو يا حبيبي
اللي ما انبيعك بالدني،
وكل سني بحبك أكثر من سنى.

تأملته بملعنة. رأيته في الأقاصي، مغرما كطفل يبحث عن يد تقيه من النور الحاد للحياة الذي كان يغرقه في البياضات المتماهية. أتساءل اليوم إذا لم أكن أنا أول من سرق عذرية واسيني الخجولة، وطفولته القروية البريئة والخائفة من شيء لم يكن مهيأ له بالشكل الكافي؟
في المساء أخبرته بشيء مهم بالنسبة لي، لم أشعر أنه أفرحه كثيرا!
«- سأترك الجامعة وأذهب إلى الكونسرفتوار. أنا أُضيِّع وقتي في هذا المكان. أريد أن أتعلم العزف على الكمان، على الأصول، كما كان والدي يفعل معي. منذ أن غادر هذه الدنيا وأنا أدور في الفراغ كالساعة المجنونة.
- أنت تعزفين جيدا، ثم أنك تتعلمين في النادي الموسيقي للطلاب؟
- لا يكفي. أريد أن ألتحق بالفرقة الفيلارمونية للأوبرا، بعد سنوات. لهذا، عليَّ أن أجتهد إلى أقصى الحدود. حلم سي ناصر، الله يرحمه ويوسع عليه. »
أبي الذي كان مريضا بالموسيقى، ومسحورا بالعزف الدائم. أصر على أن يجعل مني شبيهه قبل أن تسرقه مني أزمة قلبية. هشمته قبل أن تسحبه نهائيا. كلما عزفت، بكيته. لا يمكنني إلا أن أتذكره. كان أهم عازف في البلاد، ولكن البلاد لم تأبه به حتى مات. لم يكن الوحيد في محنته. عندما تذكروه، سلموا لنا ميدالية المجاهد النحاسية، وشهادة باردة، نظير نضاله من أجل استقلال بلاده. لم نعد نتذكر، لا أنا ولا أمي، أين وضعناها. تخيل، كان عضوا في الفرقة الفيلارمونية لأوبرا غارنييه، بباريس، في ذلك الوقت المتقدم، قبل أن يغادرها إلى المغرب، ومنها إلى جبال فلاوسن، ويكوّْن مع مجموعة من أصدقائه، فرقة موسيقية عزفت أول نشيد وطني في الجبال والعواصم العربية. بعد الاستقلال، نُسِيَ أنه موجود، وعندما تذكروه، وظفوه كمدير لفرقة الحرس الجمهوري النحاسية، المكلفة بعزف أناشيد ضيوف البلاد من الرؤساء والملوك، في المطارات. كان يحلم أن يعيد أوبرا وهران إلى الحياة. مع الزمن، تعب من هذه الوظيفة الميتة، فاستقال متنازلا عن كل شيء، حتى عن سنوات عمله، وعاد إلى كمانه حتى مات منكفئا عليه.
«- مَنْ مِنْ عظماء هذه البلاد أخذ حقه؟ لا أحد. كلهم ماتوا في مرارة العزلة. »
قال واسيني بمرارة كبيرة تبدت على ملامحه، وهو يخفف من شجني.
ثم نظر إلي بعينين مدورتين، مليئتين بالخيبة. تذكرت أنه كان ينتظر مني جوابا على اختياري الكونسرفتوار بدل الجامعة.
«- لمَ الحزن عمري؟ ألم تقل لي يوما إن صوتي يصلح للأوبرا، وأنه يمكنني أن أكون سوبرانو في أرض أصبحت أبرد من قطعة ثلج؟ وإن مكاني غير هذه الجامعة المبتئسة؟ وقلتَ لي أيضا إن عزفي ليس عاديا؟ الكونسرفتوار ليس بعيدا من هنا، ويمكننا أن نلتقي متى شئنا. ما يزال لدينا متسع من الوقت لشتى الحماقات قبل الالتحاق النهائي! »

-4-
اليوم، لم يتغير واسيني كثيرا. كلما قرأت رسالته الأولى التي سربها لي بخجل، وجدته طفلا مرتبكا يبحث عن مسلكه الصعب في جنة الحب المبهمة. كان خائفا من فقداني، ومن كلمة صغيرة يقولها بصوت عال: أحبك. وربما كان يحتاج إلى شجاعة أكبر ليتمكن من قولها حتى ولو كلفه ذلك فقداني.
آه لو كنتَ تدري أيها الأحمق الذي لم يتعلم إلا قليلا من خساراته؟ كان يمكنك، لو لم تكن أهبل، أن تربحنا الكثير من الوقت. ولكنكَ فضلتَ أن تكتبَ أشواقك بدل أن تقولها وتعيشها بجنون طفل لا يقدر عواقب كلامه مطلقا.
الغريب أني اليوم أقرأ تلك الرسالة بنفس الأحاسيس، ونفس الخوف، ولا أستطيع حتى أن أمنع نفسي من الارتعاش كالدمعات اليتيمة على وجه مراهقة.
لا شيء تغير. الإحساس نفسه والرجفة نفسها. سوى أني، هذه المرة، لم أبك حبا فقط، ولكني بكيت أيضا على فقدانه.
أحبُّك
رسمتها كما في كرنفال طفولي، عرسا من الألوان.
«لو لم تقلها يا مهبول، في ذلك اليوم، كنت سبقتك إليها.»

* * *




واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:49 PM   #7
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من لزعر الحمصي إلى ليلى.





من لزعر الحمصي إلى ليلى.

عمري عشرون سنة.

ليلى...
أختي العزيزة.

بدءا من هذه اللحظة سأكون كاذبا إن ناديتك أختي.
لم تعودي أختي منذ أن خادعت قلبي وكشف لي عن سره الخفي.
فجأة تتدفق مدينتنا في كفي كالمياه العذبة. تغرق في الأسئلة الجميلة. ماذا لو كنتِ هنا، حيث شهوة القلب؟ ماذا كانت ستعني لك وهران؟ مدينة الملائكة والقتلة والهاربين من محاكم التفتيش المقدس، والمحتالين، والعلماء الهاربين من سلطان الحكام المرضى؟ هل أجدادي هم من بناها، أم مضطهدو أجدادي؟ من شيد إذن على أعلى قممها سانتا- كروث ليقنعني بأن تاريخا مر من هنا ومحا عذرية المدينة؟ أعرف الآن فقط لماذا حبي لهذه المدينة، هو بنفس قدر نفوري منها.
بعد كل هذا، لا وجه في المدينة، إلا وجهك. أنت وهران؟ أنت سانتا- كروث؟ أنت المدينة الجديدة؟ أنت الكوريدا؟ أنت مقام سيدي الهواري الطيب؟

بدءا من هذه اللحظة سأكون كاذبا إن ناديتك أختي.
لستِ أختي بعد أن أصبحتِ فيَّ، ولم تتركي مساحة أخرى لغير التفكير فيك.
انتظري قليلا أيتها العزيزة، لي سر في القلب أريدك أن تسمعيه. لا أملك أن أقوله لك بصوت مسموع. سيوشوش قلبي في أذنك بعد قليل.
أحتاج إلى دربة كبيرة لكي أصل إلى الكلمة الصغيرة التي تتراقص فوق لساني وتخاف من أن تخرج، وأن تتنفس قليلا هواء الطبيعة.
ربما كنت خائفا من شيء غامض فيَّ، ولكني في هذا المساء، سأتشجع أمام الحقيقة التي أخافتني دائما ودفعتني إلى أكثر المسالك صعوبة، مع أن الحقيقة هي أخف ما يمكن للمرء أن يقوله لغيره، خصوصا إذا كان هذا الغير أنتِ.
يمكنك الآن أن تقولي عني ما تشائين، هامل؟ ضايع؟ صايع؟ مهبول؟ لقد أقفلت اليوم السنة العشرين من عمري، وأصبحت بفعل القانون بالغا وأستطيع أن أقول لك ما يملأ قلبي منذ زمن بعيد، وصرتِ أنت امرأة ممتلئة بالحياة وحنين الكمان.
لا أريد أن أعض على يدي كما كان يفعل أجدادي الأندلسيون لحظة الندم العميق، أني لم أتكلم في الوقت الذي كان يجب علي أن أصرخ فيه أمام الملأ: أحبك.
لا يهم، لم أعد قادرا على الاستمرار في الدوران الخفي.

بدءا من هذه اللحظة سأكون كاذبا إن ناديتك أختي.
البارحة رأيتك في حلمي. غارقة في كتلة من الضباب البارد، مثل الندى. كنت تحتضنين كمانك، بالقرب من الشجرة التي تخترق ساحة الجامعة، وكنت تعزفين وتتلوين بقسوة. وكنتِ كمن يحفر جرحا عنيدا في أعماقي. عندما رأيتني حزينا، قلتِ: تعال. قلت لك إلى أين؟ قلتِ: أسوأ سؤال يطرحه رجل على امرأة تسرقه هو: إلى أين؟ لا تكن غبيا. أغمض عينيك قليلا فقط، وبعدها افتحهما بهدوء. وتركتك تقودينني. لم أشعر بطعم قبلة مثلما شعرت به في تلك الليلة. كانت شفتاك دافئتين وشهيتين. وعندما فتحتهما، كان شعاع الصباح قد اخترق المكان وأمي تناديني من المطبخ: واسيني... قم... الشاي جاهز. جربت أن أنام فقط لأحبك أكثر ولكن عبثا، فقد كان نور الصباح قويا ومعميا بعد شرعت يُمَّا الأبواب والنوافذ.
هل أجرأ الآن وأقول حبيبتي؟
حبيبتي. ها أنا ذا قد تجرأت وقلتها.
هل أمتلك حق اختراق طفولتي التي ظلت تعاند لكي تخبئ شوقها إليك؟ لم أعد قادرا على إغلاق القلب على كذبة الأخوة والمثل العليا التي سطرناها بغباء أنا وأنت، فقط لنتقن ربط أنفسنا بشيء كان كل يوم يزداد انغلاقا علينا مثل الكماشة. لقد كثرت الحواجز التي وضعناها في مسالكنا، وعليَّ الآن تكسيرها واحدا واحدا إذا منحتِني بعض الحق على قلبك. حتى ولو قضيت العمر كله ضائعا في التفاصيل الحادة، كمفكك ألغام.
سأتوقف عند هذا الحد، ولن أزيد كلمة أخرى يمكن أن تسرقك مني إلى الأبد.
أحبك. هل أخطأت؟
كل شيء فيَّ يقودني نحوك ولا سلطان لي سوى أن أقف عند رجليك، وأحني رأسي وأتمتم: أحبك ليلى. أحبك ولا شيء سوى ذلك. إذا كان لكلامي صدى في قلبك، حاولي، عندما تمرين بالقرب مني، أن تفعلي ما فعلته ودعة مشتتة سبعة، أشِّري لي بمنديلك الأحمر من بعيد، سأعرف أني في قلبك، وسأركض نحوك حافي القلب والقدمين، وإذا كان العكس، اعبري ونكسي راسك، بلا تحية، وسأعرف من تلقاء نفسي، أنك لست لي. وسأخرج من حياتك، لأني عاجز عن فعل شيء آخر غير حبك.
هذا هو أنا.
رسالة الحب الأولى قد تكون هي الرسالة الأخيرة عندما تصادفها الموانع. وقد تكون فجرا لشوق سيندفع كالبحر.
أحبك وأنتظر تلويح المنديل الأحمر، عندما تمرين بالقرب مني.
لزعر الحمصي بمودة ومحبة.

وهران شتاء-1978


04h 04mn 04s



-1-
«- هي بالضبط، وكأني حسبتها بدقة مهندس معماري؟»
لم أعد أومن بالصدفة. كل شيء، في هذه الدنيا، مرتب سلفا.
عندما رفعت عيني المتعبتين من كثرة الكتابة والقراءة، هذه المرة، لمعت أرقام الساعة الإلكترونية الحمراء، في استقامة. ذكرتني بشيء غامض لم أدركه جيدا؟ بتاريخ محدد؟ باحتفال ما؟ بموعد مهم؟ أو ربما بيوم فقدان؟
لا يهم. عندما تستقيم كل الأرقام، ذلك يعني أن شيئا خفيا فيَّ قد تحرك بقوة.
الكمان غارق في جبروت الصمت والعزلة. لم أعد قادرة على العزف الآن على الرغم من رغبتي الكبيرة لفعل ذلك. أصبح الآن بعيدا عني قليلا، لكن موسيقى سوزان لوندينغ لم تتوقف أبدا.
تحسست المسدس، كان باردا دائما. لم أكن أعرف تحديدا لأي سبب هو هنا، لكنه هنا، ولابد أن يصلح لشيء ما غامض في رأسي؟ سبع رصاصات في داخله، محشوة بإتقان، لا تنتظر إلا من يضغط على الزناد. حسبتها قبل قليل وتأكدت منها. سبع رصاصات نحاسية مختومة برؤوس صغيرة تشبه اللعب القاتلة. أراني رياض، زوجي، منذ عشرية التسعينيات الحارقة، مكان المسدس، وعلمني كيف أفتحه عند الضرورة لتنظيفه وأعيد تركيبه، وكيف أدافع به عن نفسي وعن أولادي. وضعه تحت تصرفي بعد أن وفر له الكارتيل مسدسا أوتوماتيكيا من نوع ميكرو عوزي كان يطلبه دائما، وحصل عليه متأخرا قليلا بفضل إصراره، كما يقول. الكارتيل لا يلتفت للصغار إلا نادرا .
«- متأخر أحسن من لاشيء، في عالم يزداد كل يوم تعقيدا. مسدس ميكرو عوزي مفيد وأحتاجه أكثر. وضعي غير مأمون في هذه الحرب الأهلية الخفية الطاحنة، التي لا تعلن عن اسمها. قوي وسريع. طوره عوزييل غال منذ 1948، من سلاح تشيكي قديم نسبيا شبيه له SA 23 وSA 25. يحمل من 20 إلى 32 رصاصة من عيار 9 ملمتر برابللوم. ما يكفي لإبادة فيلق من الأعداء. يوفر ثقة كبيرة لصاحبه. به أشعر أني رجل ونصف.»
يذكرني دائما بمثله المفضل: عضة من الذئب، ولا تطلقه سالما.
هذه المرة، وربما المرة الوحيدة، سيكون الذئب هو أنا، وربما أنت أيضا.
أنين سوزان لوندينغ يأتيني حزينا ومتوحدا مع العزلة. لابد أن يكون ذلك من عمق قلبي وجرحي الذي أكتشف كل يوم اتساعه مثل زلزال يخترق الأرض في عمقها، ربما كنت الوحيدة التي تسمعه. أهيئ نفسي لاستقبال جرحي وصرختي الأخيرة، وأضع أمام الجميع أسرارنا التي ليست كلها جميلة.
أليست هذه عضة حقيقية؟

-2-
هل تدري حبيبي أني قتلتك بلا تردد؟
لم يكن ذلك للمتعة. فلا متعة لي في قتلك، لأني وقتها سأقتل نفسي أيضا. ولكن فقط رغبة في التخلص منك لرؤيتك من جديد، ولأعثر على نفسي الضائعة في كفك الخفيفة، مثل نسمة فجرية. أحبك، ولكني أحبك أكثر عندما أجدك تماما كما اشتهيتك. سرقك مني عملك، حروفك، أسفارك، زواجك، جنونك، نساؤك، أوهامك. ما لم أتحمله، أن تسرقك مني مريم. كلما اشتقت إليك، وجدتك في دفء هبلها وجنون أبجديتها السحرية، وحتى في فراشها. قل عني مهبولة إذا شئتَ؟ أنا نفسي، أتساءل أحيانا عن هذا الانقلاب الغريب في الأدوار؟ كيف يصبح الأصل فرعا، والفرع أصلا؟ شيء في الدنيا يسير على غير هديه المعتاد.
بإمكاني اليوم أن أعود إلى فراشنا الوحيد، المشترك والأجمل والسري للغاية: رسائلنا. هي حياتنا المخبوءة ودليلنا في ظلمة مسالك هذه الدنيا القاسية. نورنا في مسارات اليأس والاستحالات المفجعة. أسألك اليوم، وأنا اقرأها للمرة الألف، عن حجم الخسارات، والحماقات التي ارتكبتَها في حقنا. كان يمكنك أن تختزل علينا شقاء أكيدا. لقد أخرجتُها كلها قبل ساعات، فقط لأشعر أني مازلت موجودة على هذه الأرض التي بدأت تتخلى عني، وأني مازلت مشتهاة كأية تفاحة ممنوعة. وأني بكل بساطة، حبيبتك التي تملأ قلبك.
قد يكون ذلك بعض جنوني أو كله، فأنا لا أتذكر يوما كنت فيه عاقلة.
أريد أن أصفي حسابي، كل حسابي مع الماضي. سأضطر إلى أن أفضح مَنْ وَضعَ ذات يوم سرا جميلا في كفي، وفي عمق جسدي، وأمَّنني عليه. وعندما فتحت كفي وعبرت جسدي، أدركت أن الحمل كان ثقيلا. فقد حولني بلمسة لغوية سحرية، إلى إيقونة سمَّاها مريم، أفرحتني وقتها ألوانها الجميلة وزخرفاتها، وأسعدت الكثير ممن صادفني في روايات واسيني بجنون لا أحسد عليه، قبل أن يتحول كل شيء إلى كابوس أكلني وأفرغني من الداخل، ثم ملأني بالهواء الساخن وطوح بي بكل قواه، نحو سماء فارغة. أعترف بمسؤوليتي الكاملة في اللعبة. قبلت بمحض إرادتي أن أنسحب من المشهد، مقتنعة بأني صرت فوق الحالة، متخلية عن اسمي لصالح امرأة ورقية أكلتني، ولم أعد اليوم قادرة على تحمل وجودها معي في نفس الفراش.
اكتشفت فجأة أني كنت أنا المرأة الورقية الميتة، وكانت مريم هي سيدة الحياة كلها. كيف سرقت الحياة مني بدون أن أتنبه لذلك؟ تلك مشكلتي معها؟
لسنا إلا في البداية. وسأُتِمُّ جنوني كما خططت له. لقد ركبتُ رأسي، ولن يقف شيء في طريقي.

-3-
السكينة تلف السكريبتوريوم وما يحيط به.
في الطابق الأول، كلهم نيام.
حبيبتي وابنتي مايا نامت مبكرا. اثنتا عشرة سنة، عمر النور والحبق والبنفسج البري المعطر. كأنها كانت تعرف أني كنت بحاجة إلى الخلود إلى نفسي. تأملتها قبل ساعات، كدت أصرخ وكأني أكتشف ابنتي للمرة الأولى: سبحان الله؟ نفس العينين اللوزيتين، نفس الشفتين المرسومتين بإتقان، نفس اليد بأصابعها الناعمة والطويلة. نفس الجسد المستقيم والفارع أيضا. نفس العطر الذي ينبعث من جسدها. سنوات عمرها الهشة، لم تزدها إلا انجذابا نحوه. كنت أعرف أنها ابنته وشبهه الصميم، ولكن ليس إلى هذا الحد المخيف؟ قالت لي قبل أن تنام: ماما حبيبتي، هل ستنزلين إلى الكهف؟ طمأنتها أني سأظل بجانبها، وأني سأظل بين فوق وتحت. لدي رغبة للكتابة لا أستطيع مقاومتها. قالت: لا يا ماما حبيبتي. خليك بالكهف. أعرف أنك هناك ترتاحين كثيرا. معي خويا يونس. وإذا حكيت مع عمو واسيني، سلمي لي عليه. كانت تعرف كل شيء. أو ربما، كانت تحس بكل ما كان يعتريني سريا، ويبدو عميقا في عيني. أرى ذلك كله في نظرتها، ملمسها، أحاسيسها، ولغتها الخفية التي تبقى في داخلها.
يونس، ابن أبيه، رياض يحبه كثيرا ويشعر أنه وريثه الشرعي. يشترك معه في الكثير من التصرفات الغريبة. يقلده حتى في غضبه. يعرف جيدا أنه مثار اهتمام والده. نام على جرح هو وحده كان يعرف سره. إنه في عمر الهبل. سبع عشرة سنة. لقد أصبح عاشقا، وأشعر بشططه بقوة هذه الأيام. كان يريد أن يتخطى كل العتبات والموانع، ولكن شيئا فيه لم يحسم بعد. نام باكرا هو أيضا، على غير عادته. سألني فقط: يما عندك حبة دوليبران ؟ رأسي يكاد ينفجر. جئته بكأس ماء. شرب الحبة، ثم نام.
رياض، زوجي، سافر إلى اندونيسيا، ومنها سيسافر إلى كوريا الجنوبية من أجل صفقة سيارات. شأنه التجاري أصبح يشغله عن كل شيء آخر، وبقيت وحدي. عرف في وقت مبكر أن دكتوراه الاقتصاد السياسي، لن تفيده في الشيء الكثير. لم يتلفن لي، ولم يسأل كثيرا عني. هو يكرر عليَّ اسطوانته باستمرار: Pas de nouvelles, bonnes nouvelles حسنا فعل لأنه بذلك، يمنحني بعض الراحة، والخلود إلى نفسي، والقدرة على اختزال كذبة لم أعد في حاجة إليها: كيفك عمري؟ كيفك حبيبي؟ لم أعد قادرة على قولها له حتى من باب المسايرة.
ما زلت في هذه الزاوية التي اخترتها لنفسي. وهو مرتاح مع جماعته، أو الكارتيل كما يسميه، والذي أصبح كل شيء في حياته.
وحيدة وسط الفراغ الجميل الذي يمنحني السكينة للتفكير الجيد. طبعا، لست في هذا السكريبتوريوم الذي اخترته في قبو البيت، بمحض الصدفة. أريد أن أصفي حسابي مع شيء غامض لا أعرف كيف أسميه؟ مرضي المزمن؟ حبيب العمر؟ دنياي؟ قاتلي؟ كاتبي الذي أقصاني من حقي في الحياة، ووضع في مكاني قناعا سماه مريم ليضفي بعض القداسة على الجريمة؟
كل شيء سينتهي في هذه الليلة.
أنا متأكدة من أنه مع الفجر، سيبدأ زمن آخر.

-4-
سيبدو للذي لا يعرفني، أنها مجرد لعبة لفظية؟ أو لنقل فونتازما جميلة لا تحدث إلا في الروايات، حيث تقتل شخصية روائية كاتبها؟ المسألة أكثر تعقيدا من هذه اللعبة المعروفة. لا أتذكر متى رأيت ذلك، ربما في فيلم أو قرأته في كتاب! امرأة مولعة بكاتب ينتهي بها الأمر إلى محاولة قتله، غيرة من نساء رواياته اللواتي قطعن الطريق أمام جنونها.
ربما كان في أعماقي شيء من ذلك، لكن مشكلتي أكبر قليلا، وربما أصعب.
ليس في نيتي أن أجهز على واسيني الذي افترضته منتهيا في غيبوبته الطويلة، ولكني سأمنح نفسي حق الجنون الذي منحه لنفسه، ولا يهم إذا كانت النتائج وخيمة والعواقب غير محسوبة. فأنا أدرك أنَّ ما سأقوم به ليس هينا أبدا.
سأنشر رسائلي ورسائله، وعليه أن يتحمل عسر اللعبة، لأنه هو مخترعها في الأصل، ويدرك جيدا أن السحر يمكن أن ينقلب على الساحر في أية لحظة. كان على بهلوان نيتشه أن يجد مسلكه لوحده وأن لا يجبرني على التدخل القاسي. فهو عندما يصل إلى وسط الحبل، عليه أن لا يرجع إلى الوراء، أولا لأن رجوعه مستحيل، ثم أنه حتى ولو رجع، لن يضمن وصوله. ولهذا، عليه أن يتحمل شطط المسافة المتبقية له بينه وبين نهاية الحبل الذي يرقص عليه.
همست بألم ولم يسمعني واسيني.
تممت بصوت مكتوم، أني أتهاوى داخل الصمت! بالكاد التفتت إلي عيون المحيطين بي، قبل أن ينغمسوا في لعبة الحياة الصعبة.
أريد الآن، أن أصرخ على مسمع الجميع، بعد كل هذه السنوات الجميلة والمظلمة أيضا، التي أمضيتها في عمق الصمت: يكفي حبيبي. تعبت يا واسيني، ليس منك فقط، ولكن من كل ما تفترضه مسألة سهلة. الموت صمتا أكثر من الموت احتراقا، لأنك ترى نفسك كل يوم تفقد شيئا من جسدك وروحك ولا تستطيع حتى أن تصرخ ألما.
أصعب الميتات حبيبي، أن ترى نفسك وأنت تموت.
أقسى النهايات، تلك التي يريدها لك من لا يحبك.
ليعذرني واسيني. ليعذرني قدر ما يستطيع. هذه المرة سأكون أنا، ليلى أو ليلي، لا يهم، بلحمي ودمي، ولن أكون مجرد قناع للتراجيدية الجميلة التي عشناها حتى الآن. لن أكون مريم التي افتكها من العدم، ونحت لها تمثالا من نور الشمس الهاربة، ومن ندى الفجر الربيعي، ومن هسهسة أوراق الخريف، ومن ظلال العشاق المتخفين من العيون الهمجية. سأكون باسمي الحقيقي الذي غيبه حتى لم أعد موجودة. وسألعب اللعبة نفسها التي بدأها. سأجعل من رسائلي فراشي الأخير للحياة أو للموت، لا يهم، وضالتي في هذا النوع الخطير من اللعب. رسائل حقيقية. محزنة أحيانا، جميلة في بعضها، وقاسية في أحيان أخرى، ومؤذية. سألعب بها في أصولها، كمن يلعب بمشاهب النار، لا كما حورها واسيني في رواياته وجعل منها مادة أدبية ليخفف من التصاقها بالحياة.
لست أديبة، ولست أيضا امرأة من قش أو ورق، ولكني حقيقته التي هرب منها دائما وآن الأوان أن يختبر جرأته وقوته أمام سلطانها.

-5-
كل هذا يحدث في مدار شبه مغلق، يشبه السكريبتوريوم في كل شيء.
قد لا يكون المكان الذي أنا فيه رومانسيا ومناسبا، ولكنه جميل لأنه مثقل بالأسرار، وغامض لأنه يشبهني أيضا. أومن أن أمكنتنا وحقائب سفرنا، تشبهنا. أجد لذة لا تقاوم في اختراق أسراره مثل امرأة تتهيأ لتنام مع رجل تعشقه لأول مرة. تتحول إلى طفلة وهي تبحث عن أكثر اللحظات حساسية وجمالا في رجلها الذي تحبه. تختار ألبستها الجميلة. أقمشتها التحتية الخفيفة التي تعطي سحرا خاصا لكل حركة تقوم بها، بحيث يبدو جسدها كغيمة في متناول اليد، ويصعب في الآن نفسه القبض عليه. وعندما ترمي بنفسها في جنون اللذة، يمر داخل تأوهاتها ونفسها المتقطع، كل شيء بسرعة، ولا تعرف من منهما يتوغل في الآخر ويخترقه. نفس الارتباك الطفولي، نفس الحرارة التي تعبر الجسد عرضا وطولا، ونفس الرعشة التي تشبه رعشة الحمى في أقاصيها التي تحاذي الموت.

-6-
قليل من الصبر. أنا لم أبدأ بعد حكايتي.
لقد امتلأ السكريبتوريوم الذي يسميه أولادي الكهف، حتى أصبح رياض نفسه يستعمل هذه الكلمة وهو لا يدري، عن غباء أو عن سوء معرفة، أنه كان يرميني في عمق الغموض الذي كان ينتهي بي دائما في أحضان واسيني. في عمق الكهوف نشأت كل الممنوعات التي غيرت وجه العالم، القرآن في غار حراء، مقدمة بن خلدون في مغارة افرندا، مغارة سرفانتس التي خرج منها أجمل نص وأخطره ضد محاكم التفتيش المقدس. فقد سخر سرفانتس من الوثوقيين وأصحاب اليقين الفارغ، ثم وقف يتفرج على الجميع، ولم يسمع أحد قهقهاته التي كانت تنتهي دوما إلى حالة عواء. سيدنا موسى نفسه، قضى زمنا ينتظر في مغارة، ألواحه المنقذة وكلام الله. ويبدو أن رحلة سيدنا المسيح عندما سيبعث، ستبدأ من مغارة أيضا.
مصير البشرية كلها، معلق على مغارة بحجم الخوف.
السكريبتوريوم هو سري المتبقي. منه ستنبعث حقيقتي الأعمق التي تخرج مني لأول مرة. لا شيء مدهش فيه. مجرد مكان صغير، مليء بالأغراض الكثيرة التي ليست إلا ظلالا لما كانت عليه: رسائلي طبعا. المكتب القديم الذي تخلص منه رياض ليشتري آخر أكثر حداثة وبديزاين أحلى يمكن أن يستقبل به الآخرين من أعضاء الكارتيل. طاولة الأكل التي بدلها زوجي بواحدة أكثر طولا وأكثر تجاوبا مع الديكور الجديد للبيت. ارتبطت بها بشكل مرضي فقط لأن لي بها ذكرى واحدة جميلة. أكلت عليها أنا وواسيني في لقائنا الأول، بعد عودتي من جزيرة كريت. لا أتذكر أصلا أننا أكلنا. كنت أسعد امرأة لأني استعدته من جديد، وكنت أظن أننا افترقنا إلى الأبد، ولم أكن أريد ذلك. أريده أن يظل الصدر الحنون الذي أسند عليه رأسي، كلما شعرت بأن جسدي لم يعد لي، وأن بعض يقينياتي العميقة بدأت تُسرَقُ مني. وبابي الذي إذا تخطيت عتبته، شعرت بأمن كلي.
حماقة؟! ليكن.
لن أدافع عن نفسي، ولست مستعدة لفعل ذلك حتى ولو اقتادني زبانية الأديان إلى ساحة الرجم. أمر مثل هذا لم يعد يشغلني مطلقا. لو كنت في دولة دينية لطبق علي الحد أكثر من مائة مرة. ما زلت أومن أن أكبر خيانة تمارسها امرأة، هي أن تنام في حضن رجل لا تحبه، وأصعب فاحشة أن يفتح رجل قلبه لامرأة هو أول العارفين بكذبته. ولا شيء بينهما إلا ورقة ذابلة مثل قلبيهما وقبلهما. زنا تمارس كل ليلة على مرأى القانون والله والبشر باسم وثيقة عاجزة عن توفير قبلة صادقة.
لقد تخطيت تلك العتبات الكاذبة، وأصبحت في مكان آخر، في منطقة أكثر حساسية وأكثر خطرا. قد لا يفرحني ذلك كثيرا. حتى عندما أمنح جسدي لرياض، فهو ليس له. الرجل الذي في رأسي هو عذري الوحيد داخل الفراش.
نسيت. هناك أيضا الكمبيوتر القديم الذي يصاحبني في هذا القبو الساكن. لقد تخطته التكنولوجيا الحديثة، ولكن قلبي وحواسي وأصابعي ما تزال ملتصقة به. ما تزال رعشاتي الأولى، وعرق أصابعي، وخوفي، على ملامسه من أن يكتشف رياض أسراره المخبأة فيه. ذاكرته محدودة، ولكنه يقوم بالوظائف التي أحتاج لها. الكتابة تحديدا والموسيقى. اشترى لي رياض كمبيوتر آخر موديل، بذاكرة ضخمة، ولكني لا أشعر تجاهه بأية قرابة كانت. تحول إلى أداة للعب لمايا ويونس.
ثم علبتي الوفية التي تنام عادة في البنك واستحضرها كلما اشتقت لوحدتي. رسائلي القديمة مع واسيني، من لقائنا الأول حتى عيشنا الموازي، ومرضه الذي أدخله الغيبوبة القاتلة، أو هكذا افترضت.
التراجيدية الكبرى هي أن تنام في أحضان رجل أنت لست معه أبدا!
مومس؟
أتحسس هذه الكلمة على شفاه الكثير ممن يعرفون قصتي. اللحظة الوحيدة التي لا أشعر فيها أني مومس، هي عندما أخرج عن النظام المفروض علي من فقهاء الزنا. طبعا، لست مجنونة إلى الحد الذي يجعلني أضع هذا الصندوق في متناول رياض، لي خوفي وأوقات جبني. أخبئه في البنك، وكلما وجدتني وحيدة، سحبته نحو هذا السكريبتوريوم. على الرغم من احتياطاتي الكثيرة، أفكر من حين لآخر في الصدفة القاتلة التي قد تحدث يوما، ويجد رياض الصندوق: عشقي الموازي بجروحه وخوفه وعطره. ماذا سيحدث؟ على الرغم من طيبته وحبه لي، سيفقد رياض، في الثانية الأولى التي تعقب الاكتشاف، توازنه المعروف به، في الثانية الموالية سينقلب إلى وحش خرافي يحرق الأخضر واليابس. لا أشك في ذلك أبدا. أعمق طعنة للرجل الشرقي هي أن تنام امرأته في فراش، غير فراشه. طبعا هو لا يكلف نفسه عناء طرح السؤال على نفسه. يستطيع أن ينام في الفراش الذي يشاء من دون أن يتحرك شيء فيه.
عاش العدل، حبيبي. عاش الشرق العظيم.

-7-
لا شيء يكسر الآن حالة هدوئي، وألمي الجميل.
أعوم وسط هذه الرسائل التي يغلب عليها لونان: البنفسجي والأزرق. لا توجد من بينها رسالة واحدة بيضاء وكأن بياض العفة اخترقناه أصلا ومحوناه نهائيا من خلال هذه العلاقة الغريبة بيني وبين واسيني. بعض هذه الرسائل قديم طبعا، والآخر حديث. البعض مكتوب باليد والقلم، ما يزال عطر الحبر البنفسجي، وحتى الصيني، يفوح منه، والبعض الآخر مسحوب من الإنترنت. وبعضه القليل رسائل نصفها مشفر، لا أحد غيرنا يستطيع فهمها.

* * *






واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-20-2009, 01:51 PM   #8
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من سين إلى كوراثون ميَّا.





من سين إلى كوراثون ميَّا.

أين منديل الحرير؟

الغالية... كوراثون ميَّا .
القلب والعمر.
أين أنتِ الآن وسط هذه الظلمة التي نزلت فجأة على المدينة؟ أين موسيقاك التي تملأني الآن، وتدحرجني نحو الأقاصي البعيدة؟ تعرفين جيدا، أننا كلما التقينا ووضعت الكمان على صدرك، في عفوية طفولية، لا أستطيع مقاومة حضورك.
أتمتم كعاشق فقد كل الوجهات:
- أريد أن أسمعك عمري!
- هل تريدني أن أنهيك؟ أخلص عليك؟ لقد أصبحتَ ذرات من النور، فماذا تريد أكثر؟
- أن اشعر بأني أقرب إليك من نفسك. موسيقاك ترميني في مكان لا شيء فيه يقف على قدمين، ولا شيء فيه يفكر. مكان يغرق في النور وندى الفجر، الذي تحوله أشعة الشمس إلى قطع من البلور المتلألئ على أوراق الشجر الخريفية. أريد عمري أن أرى أناملك وهي تنسحب وتعود في حركة أبدية، تعزف على روح تميد داخل الأشواق الحبيسة. أريد بأنانية العاشق، أن أراك حيث لا عين تلمحك ولا يد تلمسك.
ثم تعزفين ويندثر كل شيء يحيط بنا، ولا تبقى إلا الأنات التي تأتي من أعماق الروح.
أبحث عنك. المسك. تتبعثرين كفراشة هشة بين أصابعي. أركض وراء ذرات النور التي تحمل أنفاسك وروحك. أقبض عليها بصعوبة، فتضيء كهوفي الدفينة.
أتذكر كل التفاصيل الحية.
أين مناديل الحرير التي نشفتُ بها صدرك، ثم دفنتها طويلا في قلبي وغطيتُ بها أنفي لكي تظل رائحة جسدك عالقة بي؟ كلما مر عليَّ وجهك الذي لا أستطيع أن ألملم تفاصيله الهاربة، بحثت عنك في رائحة عرقك التي توقظ كل حواسي الحية، حتى المقتولة منها. بعض الحواس تموت بفعل النسيان. أراك بكل تفاصيلك تحت ألوان تلك اللمبة البنفسجية وأنت تتضاءلين حتى تصبحين ضوءا أو غيمة عارية.
عندما تمددتِ على الفراش، نظرتِ إلى السقف قليلا. اندهشتِ من اللون البنفسجي الذي كنتُ قد اخترته لونا لغرفتي. ضحكتِ وأنت تتحسسين بحاسة شمك القوية، عطر البيت الذي كان يأتيك من كل الجهات:
- حبيبي. هل تدري أن خبراء اللون يصنفون البنفسجي كواحد من ألوان الشهوة. الغريب أني كلما رأيته عندك، أشعر أني في غابة من اللذة الموحشة والبدائية، ولا أستطيع مقاومة النداءات المتأتية من بعيد، من مهاوي الأعماق. أشعر بك الآن وأنا في هذا السرير، كأننا في حديقة الله المليئة بالبنفسج. أعتقد أن الله قبل أن يخلق البشر، أبدع الحدائق والزهور ليجعل من الحياة الصعبة أمرا مستساغا ومقبولا ومتحملا. من أين لك بكل هذه الحديقة الإلهية الرائعة حبيبي؟ من أين جاءك كل هذا البهاء أيها الغالي؟
أذكر كل التفاصيل التي تأسرني الآن وتضعني في كف الشمس، وتطوح بي عاليا في الأعماق الملتهبة التي لا قرار لها.
عندما نمنا لأول مرة في نفس الفراش المعطر ولمست جسدك وشعرت بالعالم يتحول إلى لمعة برق ثبتت طويلا قبل أن تنطفئ وتغير لونها، لم أفكر في شيء آخر إلا فيك. كان من الصعب علي أن أصدق أنك أخيرا أصبحت هنا. هنا بالضبط حيث يفقد اليقين وجوده، ويصبح كل شيء بلا شكل ولا لون، بما في ذلك وجه الله الهارب دوما. كنت داخل الدهشة ولم أكن أصدق أنك كنت هنا، ههنا بين يدي. وجهي في وجهك، وصدري على صدرك وقلبي في قلبك، شفتاي على جمرة شفتيك، ونبضي وعرقي يختلطان بك. لأول مرة أدرك أنني كنت قادرا على حبك بعينين مفتوحتين خوفا من انسياب أية رعشة لم أحس بها.
كنت تمسحين كل الحرائق التي كانت في قلبي وجسدي. وكنت خائفا من عطبك.
تمتمتِ وأنت تبحثين عن كلماتك:
- حبيبي؟ كل هذه الألوان لي؟ ألوان الجنة، لي أنا وحدي؟ وحدي لا شريك لي؟ لابد أن تكون هذه هي بالضبط ألوان الجنة التي خطها الله من أجنحة الملائكة ومن هشاشتها... هذا السحر ليس لبشر آفلين مثلنا. من أين لك حبيبي بكل هذا البهاء؟ من أين لك بكل هذا السلطان المذهل على كل حواسي، أنا لم أعد أعرف نفسي؟
لا شيء عمري.
لا شيء. أشتهي فقط أن أركض مغمض العنين وراء أجمل الفراشات التي تملأ حديقتنا الريفية، وأقطفها مثلما أفعل مع الزهور الهشة، وأجمعها، وأحذر من إتلاف ألوانها وأجسادها الناعمة. أربطها كلها مع بعض بخيط من النور وبأشعة الشمس، وأحممها بماء الزهر الخفيف، وأضعها في عمق كفيك، وأتمتم في أذنيك: اركبي عربة الفراشات. اركبي هذه الهشاشة، واتركيها تقودك نحو الجنة. إنها محملة بألوان قوس قزح وهدايا الميلاد.
لم أنتبه كيف أقدمنا على ذلك الشيء. شعرت بألمك، ولكني سمعت تأوهك:
- عمري... لا تتوقف. أريد أن أنتقم من العشرين سنة التي سرقوها مني اليوم. أنتقم من كل خيباتي السابقة، ومن رجال عبروا الجسد دون أن يعرفوه. لقد ظلوا على حافة لم يدركوا سحرها. أريدك كما اشتهيتك وتخيلتك. لا تتوقف.
- يا مهبولة...
- لا أريدك أن توقف هذا الهبل. لست شيئا حبيبي خارج هذا الجنون. دعني أضحك ولو لمرة واحدة من غشاوة الغباوة التي بنوا عليها حروبهم وأمجادهم وسلطانهم. لتدرك اللواتي قتلن بسبب غشاوة غطت على عيون القتلة، وحجبت عنهم نور السعادة وسلطانها الجميل، أننا نسمع الآن نحيبهن وهن يستعطفن قاتلهن، بينما هو يرفع سكينته بلا رحمة، ويحز الرقبة الطرية التي تستسلم لقاتلها بنعومة وكأنها ترسم قدرا آخر لحياة ظلت دائما مؤجلة.
كانت أوراق الخريف تملأ أسطح وشوارع المدينة، وكانت موسيقى الليل فينا. عندما استلقينا على الظهر. وكنت أمسح وجهك وصدرك بمنديل حرير.
هل تتذكرين ماذا فعلت عندما قلتُ لك أحبكِ وأنتِ؟ قلتِ بلا أدنى تفكير: أنا لا أحبك. ثم صمتِّ قليلا وأنتِ تتأملين عيني بمكر. كررتِ الكلمة نفسها بميزان أثقل: أنا لا أحبك... وفي اللحظة التي التفتُّ فيها نحو البحر لأصرخ بأعلى صوتي: لماذا لم تتخلَّي عني يا قلبي في اللحظة التي كان يجب عليك أن تفعلي فيها ذلك؟ ثم قلتِ: أنظر يا عبيط إلى عيني جيدا. ماذا ترى؟ ثم كررتِ مغمضة العينين: واش تحب نقول لك؟ لا أحبك يا مهبول، ولكني نموت عليك. اسحب سؤالك الغبي قبل أن أغير رأيي، فهو يؤذيني. إذا لم تر ذلك في عيني، فكأنك لم تر شيئا، بل لم تفهم شيئا من هبلنا الجميل. كل شيء في جسدي يركض نحوك، حافي القدمين، باحثا عن المبهم الذي يهرب في عينيك، لا اسم له إلا وجهك ونورك وحبك. أحبك. نحبك ونموت عليك. ولو استطعت أن أصرخ بأعلى صوتي أمام كل مخلوقات الدنيا، سأفعل الآن بكل ما أوتيت من قوة، بلا ندم. وليأتِ القتلة إذا شاءوا، لا قوة تمنعهم سوى جنوني.
- هل ترى شيئا في عمق عيني؟
- أرى ما لا ترين؟
- متأكد؟ ألا ترى أحصنة هاربة من شيء غامض هي نفسها لا تعرفه إلا من هديره؟ ألا ترى شمسا تستدفئ ببحر يهرب منها، ليس خوفا ولكن ذعرا من الاستسلام لها؟ ألا ترى امرأة معزولة في ساحل مهجور، تغزل أشواقها في انتظار سفينة تأخر مجيئها كثيرا؟
ارتعشت في مكاني، وتوغلت في كلامك. لم يكن كلامك نبوءة. كان أكثر. يأتي من مقبرة الروح التي اندفنت فيها كل الأشياء الجميلة والرائعة.
- كل ذلك أراه. وأرى خلفه أشواقا مبهمة ترتعش كلما وضعت يدي على وجهك، وأصابعي على قلبك. أرى سربا من العصافير تريد أن تطير ولكن شيئا يحكمها إلى ذلك الخيط الرفيع من أشعة الشمس.
- أليس حبا يا عمري؟
- أشعر أن الكلمة لا تستوعبه. مثل الموجة العارمة يأتي ويحتلني حتى آخر مسام في جسدي. يملأني مثلما تغرق حديقة في أشعة صباحية تأتي من شمس ربيعية مفاجئة.
كان كل شيء فيك يناديني بلا جزع ولا خوف.
شعرت عندما دفنت رأسي بين نهديك، وجسدي في جسدك، في آخر الليل، أننا انتقمنا لمائة سنة من الذعر الخفي. ربما لقرون من الصمت والكذب والضغينة.
لك صمتي وقلقي وانتظاري.

وهران 4-4-1988




4H05mn07s


-1-
لا دم في يدي غير دمي حتى الآن.
كنت منهكة عندما دخلتُ إلى السكريبتوريوم. لم تكن لدي فكرة واضحة عما يمكن أن أفعله، سوى استرجاع هويتي، ومعرفة سر تيهي الذي يعذبني.
المسدس البارد لم يبرح مكانه برصاصاته السبع، وظله الذي يتمدد بهدوء. هو الشيء الوحيد الذي كان بلا رائحة.
على الطرف الأيمن من المكتب، الكمان بقصبته الخشبية المصنوعة من شعر أجود الأحصنة. مستلق على ظهره كأنه في غفوة المتعب. كلما رأيته، تذكرت والدي الذي قضى العمر كله يعزف نشيدا يتيما وحزينا، كنت الوحيدة التي كانت تفهمه وتبكي كلما سمعته. كان الكمان كل حياته. صوته يعبرني الآن ويخترقني كشعاع شمس حاد:
«- هاه! يا ليلي... تحتاجين إلى الكثير من الوقت، وقناعة صارمة بحب الكمان. الكمان لا يرضى بنصف الحب أو بربعه. لقد أمضيت العمر كله أفتش أعماقه وداخله الناعم والحزين ولمست حساسيته الكبرى تجاه النسيان. النسيان يقتل الأشياء ويركب عليها غبارا خانقا. الكمان كالكائنات الحية، يختنق أيضا. كما ترين، ينقسم الكمان إلى ثلاثة أقسام: جزؤه المجوف La caisse de résonnance، أو صندوق الترديد، الذراع Le manche، والأوتار Les cordes. الكمان الكبير يسمى الكامل، وهذا للعازفين الذين وصلوا إلى درجة الاكتمال. طوله بذراعه، حوالي 59 سنتمتر. هناك مقاسات متعددة. وصناعة الكمان ليست معطاة لأي شخص. هناك أنواع كثيرة، لكن أفضلها طبعا استراديفاريوس Stradivarius. هناك عائلات أخرى أتقنت هذه الصناعة كعائلة عماتي Amati، وغوارنيري Guarneri، وغيرهما. الكمان من النوع استراديفاريوس، من الخشب السويسري الكريم، ويزن ما بين 355 غرام و365. خيوطه الأربعة يجب أن تدوزن على مستوى رأس الذراع بواسطة المرتكزات. حلقات التمديد تسمح بجذب كاف للأوتار. وضع اليد اليمنى مهم في الكثير من الحالات. فهي التي تحدد الفوارق بين الليقاتو Legato، حين يدع العازف القصبة تتزحلق على الأوتار بسلاسة، والستاكاتو Staccato، وهي على العكس من ذلك، الضربات الجافة والمفصولة عن بعضها البعض، التي تتم بواسطة حركات القصبة، والبيزيكاتو Pizzicato، وتتشكل عندما يعض العازف بأصابعه، بشكل خفيف، على الأوتار...»
كان مسحورا بكل كلمة يقولها. أراه وهو يأخذ كل شيء بجدية نادرة. بإصراره الدائم، جعلني أفكر مثله بعد أن أدخلني في هوسه الموسيقي المجنون. كان سي ناصر طيبا ومليئا بالحنان، قبل أن تسرقه مني سكته قلبية. ظل طوال ما تبقى من عمره، يحلم ببلد آخر، بلد أجمل ميال نحو الحياة، قادر على نسيان الحروب وماضي النار، بالموسيقى الحب. كان آخر الرومانسيين القادمين من حرب دمرت كل العواطف المتبقية، التي ظلت تقاوم عواصف الأحقاد والضغائن. كان يريد لأبنائه وذويه، قليلا من التاريخ، والكثير من الحكمة والموسيقى. لكن الورثة سرقوا منه كل شيء، حتى موسيقاه الخفية. أصعب ما فعله الورثة بعد 1962، أنهم قتلوا بذرة الحلم الأولى، وحولوا الأرض المشبعة بالدم والخوف، إلى ريع ثابت، وعملة صعبة، وفيلات وقصور ومصانع، ثم إلى كارتيل مُحكم، يديرونه بيد من فولاذ ملتهب دوما.
عندما أعادني خالي إلى البيت وسحبني من المدرسة يومها، كنت حزينة لأني كنت أعرف أن وراء ذلك شيئا خطيرا. رأيته لآخر مرة منكفئا على الكمان، والقصبة في يده اليمنى. ظننته يفكر في النشيد القادم كما تعود أن يفعل. جلست قبالته وأنا أبكي. قلت له: بابا اعزف لي نشيد البارحة، فقد أحببته لأنه يثير شيئا غريبا وغامضا في حواسي. لم يجبني وبقي منكفئا. كررت مرة أخرى. كانت كل العيون مصوبة نحوي. ظننته غاضبا من شيء مبهم يحمله معه منذ زمن بعيد. لكنه لم يرد عليَّ. قلت له، كما تعودتُ أن أفعل عندما يكون حزينا: بابا حبيبي، لقد غادرت المدرسة من أجلك، فقط لأسمع نشيجك. ظل صامتا. قمت من مكاني. عندما اقتربت منه ورفعت رأسه قليلا، كان غارقا في ابتسامة لم أعرف سرها سوى احتمال أنه ذهب وهو يفكر في شيء جميل.
بكيت لأني يومها شعرت أني خسرت نداء نقيا كان يحفظني من الانكسار ومن نفسي. حتى وهو في أقاصي المرض لم يمنعني من موسيقاه.
لم تلتفت لي الحياة، ولكنها كانت منشغلة بترتيب أدوار أخرى، لناس آخرين.
كل شيء كان مرتبا كما في بدء الخليقة: الخسارات الأنيقة، الخوف المبطن، الليل والعزلة، والشك في يقين الحياة نفسها.
يبدو أن الوحدة تليق بهذا العنفوان الذي لا أحد يحسه غيري.
تمتمتُ وأنا أتوقف عند رسائلي القديمة التي كانت السبب الأول في هذه العزلة. هي لغتي الخفية وعنادي تجاه حياة لم تكن دائما طيبة معي.
عندما أخبرت واسيني يومها أن عناده لا يفيد أحدا منا، وأن زواجنا ليس سجنا جديدا ولكنه مجرد تجربة مضمونة قليلا. لم ينتبه لخطر ما كان يفعله. لا أدري إذا كان مصيبا، ولكني أحمله كل تبعات ما حدث فيما بعد. كان ممحونا بجان بول سارتر، وسيمون دو بوفرار، والبير كامو، وكيركيغار، ونيتشه، ومجموعة أخرى من الحمقى الوجوديين والظواهريين. في لحظة ضيق صرخت: يلعن دين أبو سارتر وبوفوار. هما على الأقل كانا في مجتمع يسمح لهما بالعيش مع بعض بدون ثوابت مسبقة، ولا أية ضغوط مجتمعية، ونحن؟ إذا بقيت معك علنا، سأصبح مجرد غانية في عيون أهلي، قبل أصدقائي ومحيطي. وربما حمل أحدهم سكينة ودفنها في جسدي دفاعا عن شرف لا يتذكره إلا عندما يتعلق الأمر بجسدي، وينسى جسده الذي يمرغة يوميا فيما لا يحبه لا الله ولا البشر. لكن واسيني كان مغلقا مثل باب بيت قديم، لم يأبه برغائي الداخلي ونزفي. كان في قارة أخرى لا كائن فيها إلا هو.
- واسيني أرجوك، لا تكن أحمقْ!
هز رأسه ثم مضى نحو تيهه. كان كل يوم يصنع قليلا حريقا مدمرا، لم يكن يدري مخاطره ولا مزالقه.
ظل ينام قرير العين في دوائره النظرية، ونسي أن كائنا حيا كان يموت في فراشه كل يوم قليلا. مسألة مثل هذه يعاقب عليها القانون. تسمى في الأعراف الدولية: Non assistance à personne en danger . أحس باللاجدوى، فأعود إلى الانكفاء على نفسي. كان بعيدا، وكنت أبكي في كل ليلة لأنساه فقط، وأتمكن في النهاية من أن أكون لغيره.


-2-
« ها أنا ذي، مريم، كما شاء لي واسيني في رواياته، لا كما شاءت الأقدار، ومحا بجرة حب مجنونة، اسم ليلى من الوجود. فجأة أصبحت أنتمي لاسم آخر لا أدري كيف شق صدري في البداية واستقر به، حتى في رسائله التي تكاثرت منذ أن فقدنا بعضنا البعض، بجدية قاسية لم يكن يتصور هولها.»
عذرا مرة أخرى أني نطقت باسمه عاريا، وأنا التي حاولت منذ أكثر من ربع قرن أن أخفي الجريمة. لقد أوهم الجميع باسم مريم وكأنها كائن بشري، وهي ليست أكثر من امرأة ورقية جاءت على أنقاض امرأة حقيقية. بنية مبيتة أو طيبة، سرق مني واسيني اسمي الحقيقي، وطوح به في الفراغ المميت، واشتق لي اسما أكل كل شيء في داخلي وسرق مني هويتي وحتى ألبستي.
جريمتي من هذه الناحية مبررة على الأقل. لست صادية أتلذذ بآلام الآخرين.
ليس معتادا في العرف العام أن تقتل امرأة من لحم ودم شخصية روائية مليئة بالسحر والغواية. أنا الحقيقة وهي الوهم؟
افترضته انتهى في غيبوبته القلبية، لا لشيء، سوى لأني احتاج إلى حالة انفصال عنه لأشعر أنه عليَّ أن أتحمل كل شيء وحدي، ويمكنني أن أتخذ أكثر القرارات خطورة بدون استشارته. لا خيار لي سوى الانتهاء من مريم في أقرب وقت ممكن. لقد سحقت كل شيء فيَّ وحولتني إلى لاشيء. لا أدري كيف دخلت إلى حياتي كالسوسة، ولا حتى كيف قبلتُ بها بسعادة غريبة. ربما لأني كنت عبيطة وظللت أرى فيها الشخصية الورقية الطارئة في حياة واسيني. شخصياته النسوية كثيرة، لم يبق منهن اليوم الشيء الكثير إلا ما تحفظه ذاكرة القراء؟ كليمونس؟ فتنة؟ زوليخة؟ مايا؟ زهور؟ دنيا؟ جينا؟ سيلفيا؟ أناطوليا؟ وغيرهن... ربما لأن واسيني أغراني وهو يتكلم عن مريمته الحقيقية، مريم الطفولة الهاربة، في قريته البعيدة. مازالت ملامح وجهه البريئة تنغرس في عمق الحكاية وكأنه أمامي يتحدث بجديته المعهودة، المبطنة بكم هائل من السخرية:
«- لقد سُرقت مثلما تسرق وردة من شعر غجرية، بعنف ولامبالاة. لا أتذكر من مريم اليوم الشيء الكثير، سوى أنها كانت جميلة وممتلئة كحبة قمح، وابنة شهيد ووحيدة العائلة. بيضاء كصباح ربيعي في قرية على ضفة بحر موحش. لم نكن نراها إلا في لافونتين أو السقَّاية، التي كانت مريم ترتادها كما تفعل جميع نساء القرية من أجل غسل الحبوب، أو الألبسة قبل أن ينسحبن منها مساء، ليحتلها الرجال، عندما يعودون من الحقول المجاورة، من الدرس والحصاد، لتوريد الحيوانات والاستحمام بها. كنا نجلس علي حائطها العالي قليلا، كالغربان الصغيرة، بعدما نملأ شعورنا المجعدة بالصابون الذي يحافظ على ملاستها وثباتها. ونستحم بعطر بلوم- بلوم الرخيص، والقوي الرائحة الذي كان يستعمل أيضا لتعطير جثث الموتى. ونصوب أعيننا جميعا تجاه مريم المنكفئة على شيء تغسله. أجمل يوم كان، عندما تغسل القمح. تضع الحبوب في إناء حديدي واسع منزوع في الأصل قاع برميل. تكب الماء على القمح، ثم تدخل برجليها في طقس غريب. تبدأ في حركات متتالية، جيئة وذهابا، وكأنها ترقص. رقصة القمح كنا نسميها. تتلوى بجسدها طويلا. تتمايل. يسعفها جسدها الغض. ترفع عباءتها حتى الركبتين. يظهر جليا ساقاها الأبيضان كشمعتي الأولياء الصالحين. ترفع شعرها قليلا، فيبدو واضحا وجهها الذي يحمر كثير، قبل أن يتخفى ليظهر من جديد مبرزا عن عينين واسعتين مليئتين بالغواية الشيطانية التي كانت تتقنها. ابتسامة مشرقة، بدون أن توقف حركاتها المنزلقة على القمح. كانت مريم ذكية، وتعرف كيف توزع ابتسامات الشهوة الطفولية على كل واحد منا. ونعود إلى بيوتنا القصديرية في أقاصي السعادة، ممتلئين بنظراتها. كل واحد يروي غمزة مريم، أو ابتسامتها، أو ضحكتها، أو حركة شعرها، أو التفاتتها المليئة بالسحر والأسرار، أو تمايلها باتجاهه. كانت مريم سحر القرية، وجمالها الدفين ورغبتنا المحروقة. كنا نخاف يوميا من لا تأتي للسقَّاية. فجأة غابت مريم، وتركت وراءها فراغا مخيفا. عوضنا غيابها بالحكايات التي لا تتوقف حولها. تزوجت بالقوة، من ابن عمها الذي كان وجهه قريب من وجه الذئب. نروي مساءاتها الحزينة مع الذئب. اختلقنا قصة سميناها: مريم والذئب، وأقسمنا برؤوس كل الأولياء الصالحين أنها ليست خيالا، ولكنها من رحم الحقيقة. تنافسنا في إظهار مقاومتها المستميتة ضد شكله، رائحته، تحولاته. ثم فجأة، كبرنا وافترق الجميع، وظلت مريم في صورتها الأولى، طفلة مليئة بالغنج والبراءة. تزوج أصدقائي وبقيت مدة طويلة أعزب، أتصيد أخبار مريم، هل مازالت مع الذئب، أم أنه أكلها، أو أنها قتلته؟
- أي حظ حبيبي لامرأة عشقها كل أطفال القرية؟
- لا ندري إذا كنا نعشقها حقيقة، أو أنها كانت استحالتنا الجميلة، وأنها كانت تختزل كل شهواتنا وتاريخنا القروي، وأشواقنا. كانت كل ما كنا نشتهيه. ولو طلب من أي واحد منا قتل الذئب، ما تردد؟ لكن الذئب كان ابن عمها، وكان أولى بها من غيره. أكثرنا تضررا كان مصطفى الذي لم يقاوم غيابها طويلا، وحاول الانتحار مرتين، قبل أن يفلح في المرة الثالثة. قال الذين رأوها في أيام الآحاد، عندما يغيب الذئب نحو الأسواق، تأتي ملفوفة في السواد، لتقف على قبر مصطفى طويلا. تنقيه من أية عشب ضار. تضع ملايتها على الشاهدة. يبدو وجهها الناصع مليئا بالنور، وتنعكس على شعرها الفحمي أشعة الشمس الربيعية فيصبح أزرق متلألئا. تبكيه طويلا، ثم ترتدي ملايتها وتنسحب في صمت. كنا في أعماقنا، نغار أيضا من موت مصطفى ومن شجاعته على الانتحار. كان أقلنا كلاما، وأكثرنا حبا لمريم.»
وجدت قصة مريم طريفة وجميلة وحزينة. أحببت طفولتها وعنفوانها، وحتى شجاعتها باختراق كل الموانع، والتوغل عميقا داخل المقبرة. ولكنها لم تكن تشبه مريم الروايات في شيء. لم تكتف مريم المجنونة التي خرجت من جسدي وأوهامي، بأن أزاحتني ولكنها أرادت دفني وأنا حية ؟
يجب أن يعرف العابرون نهاية الباخية ، كما كان يقول الأجداد، قبل أن يحكموا ويعودوا إلى وسائد نومهم مطمئني القلوب والعيون.

-3-
لا هوية لي؟ وهل سأقبل بهذا الوضع الصعب؟
جلوسي وسط هذه الكومة من الرسائل والقصاصات، والمسدس المفتوح الشهية، وكمان والدي، لا مبرر له، سوى شيء واحد: أن أقنع نفسي بأني لست امرأة من ورق وخشخاش، ولكني كائن حي كبقية الخلق، تألم كثيرا حتى وصل إلى حافة الجنون. عشق وحزن كثيرا وخسر، ولكنه لم يُكتب له أن يفرح حتى بخساراته، ما دامت أفراحه الصغيرة قد سرقت منه في زمن مبكر.
لست مريم التي اشتهاها الجميع، ولم تشته نفسها.
لست امرأة الأنوثة والرقة الفائضة.
لست حنين الرجال التائهين، ولست مخبأ آلامهم.
لست العذراء، وحبيبي لم يكن مسيحا منزلا.
لست اللاشيء عندما تندفع آلامي إلى الواجهة؟
هل يدري الذين قرؤوها في روايات واسيني، أن وراء سحر اللغة الخاطف، تتخبأ مأساة تتعلق بكل بساطة بانمحاء هوية كانت قائمة؟ هوية امرأة اسمها لا يثير أية شبهة سوى شبهة الحب المستحيل: ليلى، أو ليلي كما كان يناديني والدي.
لست مجنونة، فأنا في كامل قواي العقلية، بل في أكبر حالات صفائي الذهنية، ومستعدة لكل شيء، بما في ذلك عقوبات القتلة الذين يتربصون بي وبه.
حزينة لأني أشعر أني تخطيت عتبة البراءة باتجاه الجريمة، ولكني مجبرة.


-4-
يمكن للذي يعرفني، من الآن أن يتخلى، عن قراءة رسائلي ورسائل واسيني، وأن يرمي بهذا الكتاب الذي أضعه بين أيدي الجميع، عرض الحائط أو حتى في قلب النار، لأنه يستفز في أعمق نقطة ويرفض التواطؤ. ولأن ما سأقوله لا يسر أحدا، لا أنتظر الشيء الكثير ممن يحيطون بي.
أنتظر فقط أن يفتح البريد المركزي، لأدفع بهذا الجنون إلى النشر.
طبعا، ليس هذا هو المهم الآن.
المهم، هو كيف يتحول الكاتب إلى مجرم ليس فقط بقتل أبطاله، فهذه الفكرة قديمة ومعروفة ومارسها عشرات الكتاب، ولكن أن يقتل الكاتب كائنا حيا، وينشئ من نفَسه الأخير امرأة ورقية؟ ثم كيف تقوم المرأة التي تتخفى وراء رماد الورق، وتنتقم لنفسها من الجميع؟ هذا هو بيت القصيد.
اليوم، عندما أعود إلى رسائله، أسترجع شيئا فشيئا وجهي الذي غاب وسط ضباب مبهم اسمه مريم. لم أعد أعرفه، بل أني لم أعد أريده ولا أحبه. مع أن قصتنا بدأت لطيفة. أول مرة ناداني فيها باسم مريم لم يكن يقصد نفيي، ولكن حمايتي من محيط قاتل. كان واسيني يشتهي أن يقول نشيده عني بأقصى راحة، وكانت مريم وسيلته لفعل ذلك.
إلى اليوم لا أعرف من المجرم الحقيقي، واسيني؟ أم القراء الذين لم يتفطنوا للعبة، وجعلوا من مريم امرأة الاستثناء؟ أم أنا التي تخليت عن اسمي طواعية، وقبلت باللعبة منذ البداية ولم أعرها أي انتباه، ورضيت بتحويلها إلى قناع يحميني من عيون البشر والقتلة، وربما حتى من نفسي؟
أقلب الأوراق.
رائحة الرسالة القديمة ذات الغلاف الأزرق، تأتيني غريبة وتقتحمني. كانت الليلة معطرة بشيء يشبه رائحة النباتات البرية، هي نفس الرائحة التي تزيد من شهوتي كلما دخلت إلى فراشه.
فجأة، بدا لي ذلك الزمن قريبا من قلبي ومن عيني، وكأن يدا قوية وضعته أمامي بنبضه، وخوفه، ورعشاته المتتالية، وموسيقاه الدفينة. لم تكن هناك أية قوة تمنعني من الإحساس بالعبث الذي كان يؤذيني. لم أستطع أن أغفر له كل حماقته. وإلى آخر يوم من حياتي سأظل أتذكر لماذا ركب رأسه وتنازل عني لغريم لم يكن شيء يجمعني به سوى رغبته في الزواج مني. ما الذي كان يمنع واسيني من أن يغمض عينيه ويتركني أقوده نحو مرفأ كان مؤهلا لأن يمنحنا الحياة؟ كنت اتفقت بيني وبينه أن نفترق متى شعرنا بالنفور يدخل قلبينا وسريرنا. كبار ونستطيع أن نترك بعضنا بتسامح، وبلا ضجيج. نطبق مشروعه المجنون في الزواج بعقد محدود المدة؟ لكنه لم يسمع إلا لأنانية متوغلة في أعماقه كسرت كل نور في عينيه وعيني، وسحبتنا شيئا فشيئا نحو مرفأ مظلم. كان علينا أن نكابد ونجاهد على مدار أكثر من ربع قرن، لكي نجعل الحياة مستساغة أمام خطر الإفناء الذي كان يتهددها في كل لحظة.
عندما امتلأت عيناي ظلاما ودما، لم أكتب له رسالة، ولكني كتبت تقريرا يشبه تقرير نيكوس كازانتزاكي إلى جده ليس بالتبني ولكن بالرغبة والجنون، غريكو . قلت ما كان يملأ قلبي وجسدي من نور، وحمم حارقة، وصخور بركانية ملتهبة، وهشاشة لم أستطع المحافظة عليها كما أحببت.
هل كان واسيني يشتهي مثل الساموراي، أن يتخذ قرار موته بيده، عندما سد الأبواب كلها، ويدعوني في حفل حميمي وسري إلى حمل السيف المقدس للإجهاز عليه في لحظة تردده أمام الموت؟
هل كان كذلك؟
ربما... ولكني سبقته إلى وضع السيف في يده، فكنت أنا المقتولة، وكان هو السياف برضاي الكامل.

* * *



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-21-2009, 12:37 AM   #9
معلومات العضو
شوق عبدالعزيز
عـذبة المشـاعر

الصورة الرمزية شوق عبدالعزيز





الكاتب والقاص / الأستاذ القدير / واسيني الأعرج

الذي بث الروح في الحرف و أعاد إليه الحياة و أتقن الرقص على أسرة الكلمات فحبلت لغة ذات سحر جارف
حملتنا معها بلا هوادة إلى زنزانة
هذه الرائعة جديرة بأن نرفع لها القبعات في بهو حضور صاحب فخامة الأحاسيس الـ أمطرت عطرا ورونقا
لا أجد من الكلمات ما يعبر عن شديد إعجابي برائعتك


تقبل مودتي وتقديري




شوق
شوق عبدالعزيز غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-22-2009, 05:39 PM   #10
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من مريم إلى سين




من مريم إلى سين

أية فجيعة كنتَ وراءها أيها المجنون؟

-1-
أيها البعيد القريب.
حبيبي.
إضرابات الأطفال كانت عنيفة. لقد كسروا كل ما جاء بين أيديهم. مات منهم الكثير. سماهم ناس المدينة، شهداء الخريف أو ضحايا أكتوبر. لأول يموت الناس على أيدي ذويهم. لم يكن القاتل من بلاد أخرى. شيء في البلاد ينكسر وكأن الناس فتحوا فجأة أعينهم على فاجعة كانت تتهيأ في الأفق. كثرت الإضرابات ولا أحد يعرف إلى أي شيء ستنتهي؟ بدأ الخوف يأكلني من الداخل، ليس على نفسي ولكن على هذه التربة التي لم نعد نفهمها، ولم تعد هي أيضا تبذل أدنى جهد لتفتيش أحزاننا ودواخلنا التي شاخت بسرعة. أين البلد السعيد الذي بشروا به بعد الاستقلال؟ بدأت أرى في الشوارع فلولا من البشر ما هم بأفغان ولا بهنود، بدؤوا يملئون الساحات الكبرى، يقال أنهم من بيشاور وكابول، جاؤوا لتعليمنا الإسلام النقي والصحيح؟
لأول اشعر أني خائفة على أرضي. خائفة من شيء أحس به وبالكاد أراه.
دعني من هذا الخوف الذي يكبر كل يوم قليلا، واتركني معك أيها المجنون.
أنت لا تدري مقدار الخراب الذي أهديته لي دفعة واحدة؟
هل كنت جادا عندما طلبتَ مني أن أكتب لك ما في قلبي؟ هل وصل بك النسيان إلى هذا الحد؟ تريد رسالة أم تقريرا عن إخفاقي في نسيانك، أم موجة صاخبة تضع بين عينيك ما تكون قد نسيته أيها الأحمق؟
كم أحبك، وكم تزداد بعدا في هذه الدنيا الظالمة. شيء ما يقودني نحوك بشكل أعمى كلما اتخذت قرارا بتركك و بعدم رؤيتك نهائيا. أريد بالفعل أن أرتاح منك وأن تتخلص مني نهائيا لكي نعرف كيف نعيش. ماذا فعلتَ لي؟ ما سرك؟ ماذا أكلتُ من يدك أو من جسدك أو من روحك؟ أشتهيك إذ أتركك، أخاف عليك من حماقاتي وارتباكاتي وأنا معك. لا أعرف لماذا افتح أبواب الكوابيس والأحلام وأفتش عنك في أكثر الزوايا ظلمة علني أجدك وأوشوش في أذنك: أحبك. ربما لأنك تشبه والدي في هشاشته وحتى في جنونه؟
ولأن رياض كان لا يشبه والدي في سخائه، فقد كرهته، وأوصدت كل الأبواب المؤدية إليه، وفتحت كل نوافذي الصغيرة نحوك لأراك وحدي عندما أشتاق إليك.
ستسألني لماذا كل هذا الحنين؟ وستقول لي إن الحنين مدمر وعبثي لأنه يسجننا في الوهم ويحرمنا من الحياة ومن إمكانات أخرى؟ لا أملك أجوبة سوى أني أحملك مسؤولية الخراب الذي لحق بسعادتنا. لا أنتظر أجوبة لحيرتي، فأنتَ منذ زمن بعيد اخترت أن تقتلك الفلسفة الوجودية والأسئلة التي لا تفضي إلا إلى مزيد من الخسارات والصمت. أحيانا أتمادى في خيالاتي وأقول لو كلمني رامبو الهارب من ظله، وأنا نازلة إلى السوق الشعبية، سأصفعه ولن أكلف نفسي شرح السبب، هو يعرف جيدا لماذا فعلت ذلك. إذا وجدت كافكا، وأنا أدخل المطحنة القديمة في المدينة، جالسا يتتبع ظلال أذرعتها الهوائية، سأفرغ عليه كيس الطحين لأني قضيت هناك وأنا صغيرة، يوما بكامله أقرأ هبله الغريب: المسخ. لو صادفت سارتر في المعابر الخلفية للمدينة، لن أكلمه، ولن أحضر درسه. وسأضع المسامير في طريق نيتشه الذي يسلك كل صباح المسلك الضيق الذي يمر بالقرب من بيتنا، وسأفرغ هواء عجلتي دراجته التي يمتطيها. وسأشيح بوجهي عن لينين عندما يسألني عن محطة الباص أو القطارات. سأنتقم منهم واحدا واحدا لأني أشعر أنهم كانوا وراء خرابنا. بعدها أتعقل وأهدأ وأضحك من نفسي. وين أنا؟ وين هم؟ أنت كذلك أحيانا تشبه والدي، ولهذا أصاب بحالة هبل كبيرة لبعدك عني. فقد قتلته ظلمة الحيرة المستعصية ومقاطعة الشمس والهواء. لن أكلمك لأحصل منك على جواب، فهناك الكثير من المآسي في الحياة تكفي لوحدها كجواب، وأي اجتهاد بعد ذلك هو كلام زائد.
لماذا تركتني أذهب نحو الحماقة مفتوحة القلب والصدر؟ ألم يكن بإمكان طولك وقامتك أن تسد في وجهي منحدرات الانزلاق؟ لماذا تركتني أذهب مغمضة العينين نحو حتفي؟ لماذا خفت سحرك عندما أخبرتك بأني سأتزوج؟ ربما لأنك كنت تريد أن تحل عقدة ضميرك نحوي وتتخلص مني وتقول: ما عليهش هذا خيارها، وما علي إلا أن أقبل به؟ كنتَ تكذب على نفسك، وأنت تعرف ذلك جيدا.
أحملك الخراب الذي لحق بسعادتنا. ماذا لو تزوجنا؟ ستقول لي بفلسفتك الوجودية المعهودة: لم نتفق على تقييد حرياتنا؟ ماذا يساوي الكلام أمام الخسارات الكبرى التي لا تعوض؟ لا شيء. نعم لا شيء. أنا أعرف أنك كنت تكابر، وأن قلبك كان منكسرا وأنا أخبرك بعزمي لأحرك غيرتك. كنت أشتهي أن تلعنني، أن تضرب رأسك على الحائط، أن تمزقني وتنزع أطرافي مثل الدمية، أن تأكلني إذا شئت، أن تنعتني بكل النعوت التي تشتهي، ولكن أن تقول لي كلمة واحدة فقط: أحبك وأريدك. في حاجة ماسة إليك. ابقي أرجوك. أو حتى لا ترجوني، لستَ في حاجة إلى الاعتذار. لو فعلتَ ذلك، لتركتُ كل شيء بدون أدنى ندم وتبعتك نحو حتفي إذا استدعى الأمر. ولكنك بقيت صامتا تقاوم كبرياء منكسرا، ورجولة زائفة. ركبتَ رأسك. اسمح لي، في هذه لم تكن مختلفا عن غيرك أبدا، أنت الذي ظل يقدس الاختلاف. كنت تشبه كل الرجال، ولم تستثن نفسك كعادتك من الاندراج داخل المنظومة. يومها، عندما خرجت إلى الشارع رأيت كل الناس يشبهونك مع أني قبل أن أدخل إلى البيت كنت أراك متميزا وفريدا. كم تتغير الأشياء فينا بسرعة جنونية؟ لا ألومك. ربما كنتَ على حق. في نهاية المطاف من أنا بالنسبة لك؟ لا شيء، امرأة كسائر النساء، أقل جمالا وذكاء ممن عرفتهن قبلي وربما بعدي. عيبي أنك أول رجل في حياتي شعرت به حقيقة على الرغم من خساراتي السابقة مع رجال آخرين. وها هي ذي صورتك كل يوم تختصر جزءا من المسافة الفاصلة بينك وبينهم. كنتَ أول إنسان اخترق حميمياتي بدون أن يشعرني بعقدة الذنب أو لعن جسدي وحريتي معه. لهذا، عندما أحببتك لم يكن لدي حلم آخر سوى البقاء معك حتى الموت. الزواج؟ وين الخطأ يا ربي سيدي؟ أننا لم نتفق من قبل؟ ما المانع أن نتحدث حوله اليوم ونتفق؟ عفوا. أعذرني، أنا أهذي. امرأة لا تطاق ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر عليها طفولتها و صدقها.
أعرف، بل متيقنة أنك أنت كذلك كنت تحبني ولكنك كنت جبانا، وغيورا على مفرداتك وفلسفتك أكثر من غيرتك علي. الله غالب هكذا. في لحظة من اللحظات فضلتَ عليَّ كتبك وأنانيتك الثقافية ونسيتني. ولهذا ألعنك شوقا وزعلا وحنينا في كل صلواتي، وأرشقك بحبي وبحزني لأني أخفقت في كل شيء معك، حتى في الحقد عليك. ما عليهش، أنا ما نعرفش نزعف... ربما لأني كذلك، لم أعرف لا كيف أحافظ عليك ولا كيف أحبك.
تعاتبني حبيبي اليوم على قسوتي تجاه نفسي وتجاه الحياة وتجاهك؟ تلومني على رغبتي في الزواج؟ أريد أن أرى أبنائي وأن أذهب وأنا شبعانة منهم، هل هذا كثير علي؟ لا أريد أن يحصل لي ما حصل لأمي، ذهب أبي وهي لا تعرف إذا ما كان يجب عليها أن تحقد عليه إذ لم يترك لها فرصة الحلم بحياة أفضل، وظل رهين تاريخه الميت؟
... ... ...
ياه؟ ما أقسى صمتك؟ ماذا يجب أن أفعل لأقنعك أنك تملأني، وأنني أريدك وأشتهيك، ولكني أرفض أن أكون امرأة موسمية. صحيح أني امرأة أنانية ولكنها تحبك. لا تنس هذا. لماذا تبخل علي بشيء يمكن أن يمنحه لي أي رجل. يكفي أن أرفع إصبعي. لكني أريد كل شيء منك لأني أحبك؟
هل يحدث لك أن تفكر أحيانا في غير ما نحن فيه؟ أن تفكر فيَّ قليلا في لحظات سهوك؟ أتمنى ذلك، لا يكلفك الشيء الكثير. وإذا لم تفعل حتى الآن، جرب وقل لي عن حرائقك التي تنهبك من الداخل، في الرسالة القادمة.

-2-
لا تكثر الدق حبيبي، لم أعد موجودة.
ترميني في صلب جهنم ولا تنسى أن تسألني كيف الدنيا؟
لم أعد أتذكر، وربما لا أرغب في ذلك أصلا.
معصيتي الأولى وربما الأخيرة.
من اليوم لا تكثر الدق حبيبي، فأنا متعبة ولن أفتح الباب مرة أخرى لأني لست هنا. فعندما خرجت معك في ذلك الفجر البارد، لم أنس أبدا أن أسد ورائي كل شيء، حتى القلب المنتهك. لم يكن في نيتي أن أهز راحتك الصغيرة فأمامك عمر، وأمامك أحلام ومهالك كثيرة عليك أن تقاومها. فأنا من زمان وأنا أشعر بأني مريضة بك، بيديك وبإنهاكاتك الطفولية، وبتلك الأرض التي ترضعنا الدم والخوف وكثيرا من الأسئلة المستعصية.
في وضع لا أحسد عليه أبدا. تركت وهران وجئت إليك محمومة بك، لتجعل مني امرأة ولأمتلئ بك. ربما كان مزاجي متطرفا، فأنا لا أريد أنصاف الحلول. إما أن أحبك بجنون أو أنساك دفعة واحدة. أصعب شيء على امرأة أن تحمل في قلبها رجلا لم تشبع منه. في قلبي خيبة كبيرة من الناس المستكينين في كذبهم الدائم، قذفتني خيباتنا عشرين سنة إلى الوراء. أنتبهت فجأة إلى هول الفاجعة، لقد مات الذين كنت أحبهم. من اغتيل، اغتيل ومن آثر الانتحار، فعل ذلك بدون أدنى تردد. حبيبي، هل تعلم هول الفاجعة؟ كم أريد أن أقنع نفسي بأن أبي مات في حادث سيارة ولم ينتحر على كمانه من شدة الخيبة التي لم يعد قادرا على تحملها؟ لقد سرق الورثة الحلم من حضنه. أرأيت في حياتك رجلا يتزين و يتعطر ويعدل من هندامه، والكرافاته، ويقبلني على جبهتي قبل أن أخرج إلى الكونسرفتوار، ويقول بكل هدوء ويقين كمن يستعد لأجمل موعد في حياته:
- ليلي ابنتي، أرجوك، عينك على أمك، لا أهل لها غيري وغيرك, اعطفي عليها قدر ما تستطيعين، هي أكثرنا هشاشة.
يحمل في قلبه حزن أمي كتهمة. يظن دائما أنه كان بإمكانه إسعادها لو قبل لعبة البيع والشراء في البلاد، ولم يفعل ما فعله.
كان والدي يخادع قدرا كان ينتظره في الزاوية. وعندما مات، جاء الوالي وكل المسئولين المحليين، وقائد الناحية العسكرية الثانية، ورئيس كتيبة الدرك الوطني الذي رأيته سابقا في بيتنا، ووزير الثقافة، وكاميرات التليفزيون الوطني ليعزوا في الرجل الذي أسعد الناس مدة طويلة، بكمانه والذي كان له الفضل في عزف أول نشيد وطني في الجبال وفي المطارات. كنت أرى، ربما ظلما، في وجوه المسئولين ملامح عصابات من القتلة والمافيا. كيف يتجرؤون على أن يأتوا اليوم لزيارته وهم لم يسألوا يوما عن وضعه، وكيف كان يعيش منذ استقالته وتوقيف راتبه؟ لولا ميراث أمي من والدها، لمتنا جوعا ولنزلنا إلى الشوارع. كان قلبي مليئا بالسواد. وعلى الرغم من إلحاح أمي، لم أمد يدي لأي منهم. كنت أراهم من وراء الستائر وهم يتبادلون أطراف الحديث ويذكرون خصال الميت. شيء بقي في راسي، سمعته من قائد الناحية العسكرية الثانية لم يقله لي والدي: كان، الله يرحمه، رجلا حقيقيا. كنا في أعالي جبل فلاوسن. بمناسبة مرور ثلاث سنوات على انطلاق حرب التحرير، أصر سي ناصر على عزف النشيد الوطني تحت سيل من القنابل والقصف المدمر. حمل الكمان. خرج من الكازما . تأمل الحرائق التي كانت تخلفها الطائرات كلما نصبت أنوفها نحو الأرض. تنفس طويلا، ثبت رجليه، وضع الكمان تحت ذقنه من الجهة اليسرى، أغمض عينيه، ثم بدأ يعزف النشيد الوطني. كنا واقفين باستقامة داخل الكازما، بينما ظل يعزف بلا توقف تحت القصف. كنا نسمع أنينه مصحوبا بالقنابل التي كانت تتساقط على يساره ويمينه. نطلب من الله فقط أن يحفظه الله من موت كان قريبا. الله يرحمه كان سبع.
كدت أقول له: تمنيته أن يكون ضبعا مثلكم جميعا ولا يعرض نفسه للهشاشة. والدي لم تقتله القنابل، ولكن قتله الذين أقنعوه بمغادرة أوبرا غارنييه للالتحاق بهم، ليقتلوه فيما بعد بطرقهم الصادية. ولكني عدلت عن الفكرة. ثم سمعت رأيت رئيس كتيبة الدرك الوطني يوشوش في أذن وزير الثقافة الشاب، بأن السي ناصر اتهِم أنه كان في الأصل عازفا في سهرات القادة الفرنسيين، في باريس. أوقف في بداية التحاقه بالثورة، وخضع لبحث قاس استمر طويلا. وكاد أن يتخذ القرار بذبحه، خصوصا عندما اعترف أنه كان يعزف في أوبرا غارنييه، في الفرقة الفيلارمونية. لم يكن أحد يفهم ما كان يقوله. كانوا كلهم فلاحين، شجاعتهم في نيران أسلحتهم فقط. ثم ذكرهم ببساطة طفل: وماذا سيحدث كل صباح عندما ترفعون العلم بلا نشيد وطني؟ لقد تركت الأوبرا وجئت بمحض إرادتي. ولولا تدخلي، قال رئيس كتيبة الدرك الوطني، لقتل سي ناصر وردم كما فعل بالكثيرين.
تمنيت لو كان والدي حيا، لسألته طويلا عن هذه القصة، ولكنه خرج ولم يعد. الغريب هو أني أحسست بعاطفة فائضة اتجاه رئيس كتيبة الدرك الوطني، وقلت سأزوره خصوصا وأنه ترك بطاقته لخال أمي. فقط لأسأله عما لم يقله يومها.
يواصل قائد الناحية العسكرية الثانية: وبعد الاستقلال جاءني إلى المركز وقال لي: لي طلب لديك باسم الدم الذي غطى ألبستنا لرفاق لفظوا أنفاسهم في أحضاننا. اندهشت وقلت له: أطلب. قال: أرجو أن تساعدني على الاستقالة من الإشراف على الفرقة النحاسية للحرس الجمهوري. حاولت أن أصده، ولكنه أصر بقوة على قراره. وتدخلت لدى الحرس الجمهوري ورئاسة الجمهورية وجئته بالاستقالة. رأيت في عينيه فرحا غريبا. قلت له والآن؟ ماذا ستفعل؟ قال: سأعزف بحرية كل ما في داخلي. ثم خرج ولم أره أبدا.
أيها الطفل كم تحتاج من الجنون لتتفرد عن بقية الخلق وتدرك أن حبك صار لا يطاق، وأني لا أحتاج إلى فقهاء المدينة ولكن إليك أنت وحدك، لليلة واحدة. الحب الجميل هو الذي نشتاق إليه دوما. المخاطرة فيه صعبة، ولكن علينا أن نعيشه لندرك الشطط الحقيقي للمتعة؟
كم تنقصك من الروح أيتها البلاد المؤذية لتصيري بلادا بلا منازع و بلا أقنعة، بلادا كبقية البلدان، تحب ناسها وتكرم أحبتها من حين لآخر حتى لا تنساهم ولا ينسونها.
أيتها البلاد التي نكست كل رايات الفرح ولبست حدادها وانتعلت أحذيتها القديمة التي أذلت فرحتها، لا تكثري الدق، لم أعد هنا. فقد خرجت باكرا هذا الصباح ولم أنس أبدا أن أغلق ورائي كل النوافذ والأبراج، وأسدّ القلب للمرة الأخيرة، وأقسمت أن لا ألتفت ورائي، وقلت في خاطري ليكن، للحب ثمن وعلي أن أدفعه لتلبية نداء غامض في داخلي اسمه الجنون.
لقد انسحبت من الدنيا مثلما يفعل الساموراي عادة عندما يخسر حروبه المقدسة كما كان يشتهي والدي أن يفعل دائما. وها أنا ذي اليوم قد دخلت خفية القاعة المظلمة، وبدأت أتحسس رأس سكين المنفى التي سأتركها بعد قليل تنزلق من الجهة اليسرى للبطن إلى أقصى اليمين.
أيها الغالي، حبيبي، أعذرني، لقد يتّمتك وأنت صغير. لا تكثر الدق، فقد خرجت بعد أن رددت على مسامع القوم الهادئين ترتيلة الموت، ورميت كل المفاتيح في البحر الميت حتى أنساك دفعة واحدة. عندما نعشق بكلنا نصبح قاب قوسين أو أدنى من الجنون أو من الكراهية. الكراهية التي تأكل شيء حتى نفسها، كالنار.
أنا لا أريد أن أكره أحدا.
أنت لم تقل لي ولكني أشعر بك من عينيك تتساءل عن هذه المرأة التي تصر على أن تبقى طفلة ملتصقة بك. السن هو ما نشعر به في الأعماق وليست السنوات الزمنية، ومع ذلك كم أتمنى لو كنتَ أكبر بقليل من سنك لقلتُ أشياء أخرى لم تسعفني اللحظة المسروقة لأقولها لك كما اشتهيت أن أفعل.
- ألا يمكنك أن تكبر قليلا؟ كم تلزمك من المسافات لتدرك أنّ شوقي لك صار مثل اليتم، أعيشه وحيدة في قربك وفي بعدك، وأنت تتلذذ بعينيك فقط، أو وأنت تعيش خلوتك بمزيد من القسوة والألم؟ هل تستحق حياتنا كل هذه الأحزان وهذا التمادي في الألم؟ ألا يكفينا هذا الموت الذي يطحن كل حميمياتنا وخلواتنا المنكسرة؟
أعترف لك اليوم أيها الغالي بصحة قولك الذي يغتال ذاكرتي كلما اشتهيت أن أنساك: إذا بقيتِ على هذه السيرة ستضطرين إلى الموت وحيدة. و من قال لك أني أريد أن أموت بين أناس يشتهون إيصالي إلى أي قبر قريب وأنا حية؟ لقد مات هؤلاء الناس منذ زمن بعيد وشغلهم الوحيد أن يلحقوا بهم كل الأحياء مثل زمر النِّحل التي بدأت تتكاثر في البلاد. والدي، هُمْ من دفع به نحو الموت صمتا، ثم سبقونا إلى الأرصفة والمقابر والطرقات وذرفوا دموعا كثيرة.
ها أنا ذي اليوم، وللمرة الأخيرة، أستدرج القدر ليصنع معي نهاية أشتهيها، لا كما فصّلها لي الآخرون. نهاية أنحتها بأظافري وأغزلها بأصابعي. الموت هو الحالة الاستثنائية التي نمارسها وحيدين، ونعبر دهاليزها بدون رفقة. هل تعلم بأن الهنود الحمر كانوا يدركون قسوة الرحلة ولهذا اخترعوا لعبة مرافقة المحب بالانتحار المقدس. بلادنا المنسية صارت تنجب هنودها. أبي كان هنديا أحمر في انتحاره. ليس أبعد من البارحة، فوجئت بخبر وفاة فنان شعبي شاب أطفأ شمعته مبكرا في إحدى الطرقات السريعة وانسحب. المدهش في حالته ليس موته، فالحوادث المشابهة تقع آلاف المرات يوميا، ولكن ملابسات موت صديقه هي التي استوقفتني. عندما وصله الخبر لم يكلم أحدا. لم يبك. لم يعو بأعلى صوته كالذئب المجروح كما فعلت أنا في لحظة القسوة واليأس عندما خسرت والدي الذي لم أرث منه إلا خيباته وكمانه. صعد إلى شرفة الطابق الرابع المطلة على الغابة البعيدة والبحر المنسي الذي يختبئ كالسارق وراء الأشجار، ثم رمى بنفسه ليلحق بالفنان الشعبي قبل أن يتخطى هذا الأخير عتبات البرزخ. يبدو لي أننا شعب يرفض الحلول الوسطى، عندما يحب يتماهى في الآخر، وعندما يكره يأكل نفسه قبل أن يأكل غيره.
و ها أنا ذي قد بدأت آكل نفسي أو ما تبقى منها.
أفتح عيني على الطفل الذي فيّ، لماذا تتسمر هكذا؟ أما آن لك أيها الطيب أن تعبر؟ ألم تدرك بعد أن كل شيء انتهى؟ فالمرأة التي عشقتها عمرا لم تكن معك طوال هذا الوقت الميت، فقد عادت لتموت في سرها الأول الذي لعنته مرارا، سر التيه والجنون؟ الريح التي قادتها إليك كانت ساخنة، والأمطار التي شهدت موعدكما الأول كانت طيفا من حنين. تتساءل الآن في قفر هذه الذاكرة، ألم يكن اليوم الذي التقيتما فيه مجرد صدفة تم تضخيمها حتى صارت حبا؟ ألم تكن تداوي بك جرح الجنون الذي اغتال جسدها؟
يا يوسفي الصغير، هذه المرة كذلك لم يحالفك حظ الصواب معي. أنت مع امرأة الشطط، لا شيء فيها يوحي أنها موجودة. مهبولة لا أحد سواك يعيرها انتباه الكائنات. الذي تبحث عنه فيّ أنت خلقته لترى فيه وجه من تحب أن ترى. لست أنا إلا ما فيك أنت. ستتعذب كثيرا مثل كل محبي المستحيل الذين يتعذبون لغياب ما تصنعه لهم الظروف وأوهامهم.
أنا؟ تسألني؟ لقد أخطأتُ في كل شيء، حتى في طريق الذين كنت أحبهم. أما كان من الأجدى لك أن تترك جسدك يحترق على نهدي امرأة أخرى وتمضي مثلما تمضي الخلائق، فلا شيء يضمن غدك ولا حب سوى ما تسرقه الروح الضالة؟ لقد أحببتك إذ اشتهيتكَ ولكنك فضلت الهرب والشطط، على حياة مريحة نرى من شرفاتها الحدائق التي نشاء والسواحل التي نشتهي.
يا يوسفي انزع عنك لباس الصمت والخوف والغبن، أنت لم تفعل ما يؤذيني. لقد ألبستني المتعة وألم الشوق وانتظارا جميلا لست أدري إلى أية حالة سيفضي. لماذا تصر دائما على الجلوس في الكراسي الخلفية وعلى البقاء مستقيما كخيط بليد؟ المرأة التي اشتهتك و قطّعت لباسك وحدها كانت لك ومعك وفيك، وما عداها صدفة تلد الصدفة، وشوق يمحوه شوق، ومسافة تأكلها مسافة والضلالة أبقى من العقل المسجون.
يا حبيبي، يا سيد الغي والغيرة، لا تكثر الدق، فالأبواب الموصدة لن تفتح والمفاتيح اندفنت في رمل البحر الميت، وأنا انسحبت من ساحة الخيل. لا شيء يغريني للمزيد من الركض الذي لا يوصلني إلا إلى خطوتين وراء نقطة البدء.
هي الرحلة تصل إلى منتهاها، ألم يكن هذا مشتهاك الدفين؟ لهذا عندما خرجت في هذا الفجر الضبابي، سكّرت كل الأبواب والمنافذ حتى لا ينفذ الهواء السخي إلى روح الموت. امش بهدوء وحاذر من أن توقظ النوار، وزهر الياسمين، والبنفسج، والنرجس اليتيم، والحبق النائم، والمعزوفات الضائعة لباخ، وموزارت‏، وسان سونس، ‏والنشيد الأندلسي المسروق الذي كان والدي يؤديه بكل عنفوان وحزن. الناس ها هنا يأتون ثم يذهبون ولا أحد يسمع أناشيدهم وأنينهم. أتركني أختار موتي فأنا متعبة من مزالق الدنيا، ودعِ الرياح تبعثر زرعها، وليجعل الخريف القادم من عود النوار الذي سأسكنه، متعة في فم العاشقين. ربما عرفتْ هذه البلاد بعد زمن، كم كانت مخطئة إذ أخطأت الطريق الموصل إلى عاشقيها الذين ينطفئون الآن بين يدي قاتلها الهمجي.
أشك في كل شيء، ولهذا عندما اخترتك. كنت أختبر يقيني الذي لم يخدعني مثلما خدعني الآخرون. فعندما يكون الشك مرادفا للحب، ويكون الحب مرادفا للصدفة، الأجدى لنا أن ننسحب قبل أن يدركنا قبح الأشياء؟ فالروح في حضرة الزوغان تغيب. محاربة طواحين الفراغ متعبة وقاسية . لم تعد لدي قوة أبي وأسلافي العظماء لخوض الحرب المقدسة.
أنت قبلتَ أن تلعب معي لعبة الصدفة، ومن تجرّأ على عبور الصدفة عليه أن يتحمل قسوة فكّ أسرار الظلال. هكذا نحن، يوصلنا صدقنا دائما متأخرين. وعندما نصل، يكون الخطأ حليفنا في النهاية. نحضر حياتنا لاستقبال كل شيء، حتى الموت نتعلم كيف نبتلعه جرعة جرعة، و لكن نحترس دائما، بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة، من الخيبة، لتفادي خسارات الصدفة ونحن فيها.
لستَ الأول في الدنيا الذي تكسره الصدفة ولا الأخير أيضا. كلامك. لكنك الأول الذي رأى الصدفة في شكل امرأة عاشقة من شعرة الرأس إلى أخمص القدم. وعندما لامس عمقها، صارت رمادا وغبارا قبل أن تصبح بياضا في وضح الفجر البحري، ثم ظلا أبيض سرعان ما ذاب في الفراغ.
هل نحب إذ نعلن للآخر أناَ نحبه؟ أم نمتحن النفس إذا كانت قادرة على أن تكون؟ سنوات يا ابن أمي انقضت وبعض الغبار، ماذا بقي فيك أيها القلب المفتون من مخابئ لم تفتش؟ لم تتعلم بعد يا هذا الولد الضائع في قفار الدنيا أنك لم تعد طفلا ولكن خبلا وسحرا وجدبا؟ اتبعني إذا استطعت، فقد تركت لك ليلة وعرسا ودعت به طفولة منكسرة، وتركت لي زرعا في الأحشاء وتمزقا كلما أحببت غيرك تذكرته. لا تتخيل أنني أصبحت عاقلة؟ أبدا. إذا جئت وعثرت علي بنفس المدينة، سأرتكب معك نفس حماقة اليوم، وسأشتهيك بنفس القدر. وإذا وجدتني تربة، فضع على بقايا القبر بعض الزهر الذي تشتهي، والنوار الذي تحب. و إذا لم تجد قبري، اخترع لي قبرا وضع عليه بنفسجا وحبقا يحفظني من العين الكريهة.
حبيبي الغالي، لا تكثر الدق، فأنت تتعب يديك. كل الأبواب موصدة. بي الآن رغبة عارمة لغلق كل ما تبقى من نوافذي، ومنافذي الصغيرة، والنوم داخل سكينة بلا نهاية مثل إزميرالدا التي هرب من يديها حبها الجميل. وعندما أستفيق، تكون ذاكرتي مساحة من الضوء، قد خلت من كل ظلام غبار السنوات الهاربة التي انسحبت داخل كذبة عالية وعظيمة، اسمها الحياة.
بي رغبة للصراخ بأعلى صوتي في وجه الاستحالات الكبرى، وأكل كل تراب الأرض وشرب مياه هذا البحر الأعزل، لمعرفة مخابئ اليقين. لكن من يتحمل صراخي؟ حتى الأقربون وأقرب الأقربين لم يلتمسوا عذرا عندما صمتوا وخرجوا من الأبواب المفتوحة، ومن زوايا الصدفة.
أية صدفة ملعونة تسرقنا الآن أيها الحبيب الغالي؟
أي جنون وأي حب يسجننا في لغته الآن؟
قبل قليل فقط كان والدي وعشاقه الأوفياء، هنا، هنا بالضبط، جالسين. يشربون القهوة ويتبادلون بكل يقين كلمات العسل والحب، ويعزفون أندلسا هاربة، وباخ وموزارت، ويتقاسمون السوناتات المتعددة ويتراشقون بالأحلام، فجأة، تشتتوا ورجع كل واحد إلى جرحه الأول، يبحث عن مسقط رأس كلمات الحب الأولى.
لقد ماتت أرضنا الأولى يا حبيبي وعمري.
مات مطرنا الأول.
ماتت ابتساماتنا الأولى.
وانكسرت ضحكاتنا الطفولية، ولم يبق إلاَ خراب الحقيقة الأولى.
ها قد بدأت انحداراتي القصوى نحو شطط انكشافات الروح. وها أنا ذي أتجرّأ اليوم وأعبر الخيبة والصدفة معا، مفتوحة العينين هذه المرة، عارية القلب والذاكرة.
كم يلزمنا من الألم والانكسارات لندرك أننا طوال السنوات التي مضت، كنا نركض حفاة عراة وراء غيمة جافة مثل رحم يابس لا ينجب إلا رعشة الفراغ، مخطئين في كل التفاصيل الدقيقة للحياة، وأن ما كنا نظنه مطلقا لم يكن إلا صورة إيهامية لأشواق نريدها أن تكون حقيقة ولم نصل لها. وأنّ بيني وبين نارسيس شبه الدم والنجوم والخوف. ماذا حدث لنارسيس عندما اكتشف الجرح الذي كان ينزل من القلب كالخط المستقيم؟ لم يتألم للجرح، هو يعرف مسبقا أن لكل جرح خاتمة، لكن وهمه باستقامته، وضلال الطريق، آذياه كثيرا.
اليوم، بعد كل الذي حدث مما عرفت، مما كان يمكن أن أعرف، ومما لم ولن أعرفه أبدا، يحق لي أن أرى ما يختبئ وراء مختلف الغلالات وأحجبة الفتنة الوهمية. في حاجة إلى الفتنة، فتنة الروح والجسد، ولكن الدنيا لم يعد فيها ما يثير شهية الانتحار وما يهزّ الافتتان ويخرج الإنسان عن جبروت العقل.
هل كان من الضروري أن أرتهن للصدفة القاتلة لأرى صفاء الخيط. إني الآن أراه بمطلق الراحة، وبمطلق العذاب الذي لا يطاق. الألم عندما يصل إلى منتهاه يموت الجسد، ويتضاءل الخوف من الموت، بل الموت يصير أمنية مستحيلة.
أستطيع اليوم بعدما هدأت قليلا، وربما لوقت قصير ليسترجع القاتل والضحية أنفاسهما قليلا، أصوات الرصاص وعواصف الخوف وصراخ المقتولين على منحدرات البلاد البعيدة، ولملم القاتل والمقتول جثثهم، أن أعود إلى الصدفة الني لاقتني بك في ذلك الشتاء البارد ومنحتني الكثير من الحياة، والكثير من الحزن والنسيان. لقد كنت فرحي وخرابي الكبير. كان الهواء رطبا في ذلك المساء العاشق، الليلة نفسها كانت مرصعة بالنجوم حينما قرأت الدهشة في عينيك.
قلتُ لك:
- لماذا الناس هكذا؟ كلما أحببناهم ازدادوا ضراوة وتنكرا. هل هو القانون الخفي للكراهية المغطاة بالأغلفة الخرافية؟ هل علي أن أكره لأزداد قربا من الآخرين؟
يبدو أن في الناس قدرا من العصيان يسير مع الدم. لن يرتاحوا إلا إذا قتلوا الروح التي فيهم بكثير من الحيلة و الأنانية.
التقينا قلبين منكسرين يبحثان عن ظل صغير يختبئان فيه. كان هبلي كبيرا، وطفولتك مقلقة. و طوال السنوات ونحن نحاول عبثا أن نجعل الفوضى ترتهن للنظام، والنظام يقبل بصدق الفوضى، ونراهن على كذبة حب الناس البيضاء التي أفقدتها السنوات المتعاقبة لونها الأول.
أشهد لك اليوم بالصبر وطاقة التخفي. لقد كنتُ دائما أجانب الصواب وأحزن من شيء لم يكن هو في الحقيقة ما يدعو إلى الحزن. عندما تظهر امرأة الصدفة بعض خفائها، تخبئ الأكثر هولا لأنها تعرف مسبقا أنّ غباوة الرجل لم تعلمه إلا هدهدات اليقين الوهمي.
يا يوسفي الصغير؟ ألم تعرف بعد أنّ لا يقين في الدنيا سوى الموت. حتى الحياة ليست سوى لحظة عابرة تكسرها النهايات الحتمية. ألم تدرك بعد أن الذين يريدون رأسك كثيرون، احذر، لقد أصبحوا اليوم فيك يا ابن أمي وأبي، فأنا ذاهبة، تاركة لك أبوابي الموصدة وشططي الكبير.
رجالنا مبتئسون، والرائعون فيهم يموتون مبكرا. أنت لست منهم. أنت طفل جميل، حاذر أن تصير رجلا. أترك لهم فتوحاتهم ورجولاتهم الوهمية، فلست في حاجة إليها مطلقا. أعرف صديقة، بعد خيبات متعددة، تأملت عشاقها في العينين، وعندما عرفت أنهم لا يستأهلون أن تحزن من أجلهم، تركتهم و تفرغت للدنيا مرة واحدة.
- Les hommes sont toujours comme ça, ils frappent eternellement à la mauvaise porte. Ils arrivent, le plus souvent, du plus mauvais côté .
يحاذون دائما الحقيقة ولا يلمسونها أبدا. حيث يظنون الصواب، يخطئون في كل التفاصيل الممكنة. وحدها المرأة تدرك سر اللعبة وتتقن لمسها، وتحريكها بلباقة تصل حتى الجرح العميق.
هل يصلكِ الآن في خلوتك صوت التكسرات الشاقة الني تمزقني؟ النحيب الذي تسمعه يأتي من عمق الروح، هو نحيبي. أنحدر الآن وحيدة نحو تربة الموت والخوف، في كفي بقايا قصص قديمة لم تعد صالحة، وموجات لم تسعفها الرياح لتصل إلى القلب كاملة، وخيبات لا تحصى. العمر لم يعد يسعفه الوقت للعودة لها وتصحيح مساراتها.
ما الذي يحزن امرأة بَنَتْ طوال العمر خلاءها بفرح لا يُضاهى؟ أنها ظلت وفية لخرافة هي أسستها؟ أنها تستطيع أن تقسم برأس كل الصالحين بأن خرافتها التي بنت عليها أشواقها كانت هي الدنيا وهي الآخرة؟
أستطيع اليوم أن أقول بلا تردد، منكسة الرأس، أمام الله عندما يسألني عن باطن جرحي: إلهي لماذا لم تتخلَّ عني في وقت مبكر عندما نفرتك؟ أو عندما وضعتك وأنا صغيرة داخل غلاف رسالة، ورميتك في أقرب شط لأنك لم تجعل الطفل الذي أحببت يقاسمني كلمات الشوق؟ قلت لك أغرقها، فقد أعطيتها كل شيء ولم تعطني إلا هبة الفراغ. عندما هدأت الرياح، سمعت قعقعة ضحكاتك وهي تنكسر في الخلوة. كنتَ فقط تسخر من هبلي.
أغفر لي، فقد أخطأت في يقيني. في الدنيا شيء آخر لا علاقة له بالعطاء. الحب، يا الله، أكبر حالة التباس. قد نحب رجلا لا يلتفت نحونا مطلقا، قد ننتحر لآخر، وهو لا يعلم مطلقا بوجودنا، وقد ييبس آخر ليصير كالحطب من أجلنا ونحن لا نعرف، بل قد نرتمي في أحضان قاتلنا، ونحن نعرف أنه جلاّدنا الأبدي. يبدو لي أنّ وراء ذلك كله يختبئ عطش الروح. كل شيء لم يُشبع بالشكل الكافي، تبقى شهوته معلقة إلى يوم تستفيق كالبركان الميت. عندما تنطفئ الرغبات المدفونة، يخرج إلى النور ما يمكن أن نسميه حبا مثل ماء صاف بين الصخور الزرقاء، لكنه عندما يخرج تكون الدنيا قد ماتت في أعيننا، والزمن قد مر، والجسد قد كلّ، والبصر قد زاغ عن غيه، والعمر قد راح، وتحمّل الصدمة يصبح قاسيا وثقيلا.
كذب الذين لم يصدقوا أبدا.
نكذب على أنفسنا كثيرا إذ نظن بأننا نحب كثيرا من النساء وكثيرا من الرجال. الدنيا عودات مستمرة إلى البدايات الأولى. باستمرار نلتصق بالذين تركناهم عراة ولم نشف منهم. وأنا جئتك لأشفى منك. ولا أدري إذا كانت ليلة جميلة كهذه كافية للشفاء منك؟
فالميت، والميت المؤقت، والبعيد منذ زمن، والقريب قليلا، والقريب أكثر، يزدادون تألقا عندما يُصرّفون في ضمائر الغياب.
أيها الغالي، حبيبي الذي صنعته من دفء الروح ومن خبايا القلب المرتبك. إلهي الصغير الذي شيدته من الخيبة والصدفة والقلق، اغفر لي. لم يبق أمامي إلا البحر، أضع فشلي بين يديك، وأقول لك أعرني بعض الشجاعة لأعبر هذا الهول. الرجال فاشلون وقساة. أمنحني أنا المرأة المجنونة، زوليخة يوما واحدا، وسأركِّب جنون الافتتان في قلب يوسف حتى يفتح عينيه ويصير رجلا. لم تعد لي القدرة الكافية لممارسة كذبة نارسيس الجميلة. نحب رجلا لا وجود له إلا فينا، يشبهنا في كل شيء، وعندما نكتشف هول الفداحة يكون الزمن قد دار دورته.
مرآة النرجسي عمياء، وعماها لا يداوى.
لا تكلف نفسك حبيبي، مشقة البحث في الأسباب، فلن تجد ما يشفي غليلك. لذة الدنيا أنها خُلقت ببعض غموضها، وإلا لكانت لا تساوي جناحي بعوضة.
ما يزال في العمر متسع لشفاء الروح، أعرني بعض الوقت فقط. وعندما تكبر، اعبر نفس البحر الذي سلكتُه، ولا يهم إن استحالت عليك الدنيا، أو خسرت العمر.
ألم تقل إنك تحبني أنت كذلك، وإنك لن تُشفى مني؟ إذن لا تكثر الدق حبيبي، فلا أحد وراء الباب، لقد ذهب الذين كنتَ تحبهم. انسحبوا باكرا على رؤوس أقدامهم لكي لا يزعجوا أحدا. عندما خرجوا في ذلك الصباح البارد، كانوا يعرفون أنهم لن يعودوا إلى هذه الأرض مرة أخرى. ولهذا افهم لماذا رفض والدي، سي ناصر، الخروج عندما أظلمت الدنيا في عينيه. ليس لأنه كبر كثيرا، ولكن لأن الدنيا صغرت في عينيه.
اليوم كلما خطوت خطوة جديدة نحو حتفي الجميل، تذكرت كلماته التي تطن في رأسي كضربة سيف جافة، أو كناقوس كاتدرائية قديمة:
«ليلي، حبيبتي، لا تشغلي بالك. نحن هكذا. لا نترك وطنا إلاّ لنتزوج قبرا في المنفى.»




واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:17 AM.