أُنْثـَى السَّرَاب - واسيني الأعرج - الصفحة 3 - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: الدب القطبي (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: أعترف (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: ثمة كلمات (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: خنجر السم (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: ((احذر هؤولاء باحتراس))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: مطلقة (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: ((الإيمان و "الزّنزانة" المتجوّلة)). (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: ((قضيًة شائكة للنًقاش))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: ((الكلام على الكلام سهل جدا))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: هجاء احمد مطر للمالكي (آخر رد :عبدالرحمن المري)      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > مَرَايَا أَدَبِيَّة > مَرَايَا الْقَصِّ
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-30-2009, 08:28 AM   #21
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل




04h 47mn 09s

-1-
«قد أكون في وضع لا أُحسد عليه، بل قد أبدو لمن يراني وسط هذه الحالة من التردد أني قد فقدت بعض توازني وأصبحت دون كيخوته من نوع جديد، غارقة في حرب خاسرة ضد طواحينها الهوائية، وربما حتى ضد نفسها، لكني، في كل الأحوال لست مجنونة. »
لا أدري لماذا أشعر بالفداحة القاسية؟
ربما لأني خسرت حقيقتي وعليَّ استرجاعها؟ لم يخطئ نيتشه عندما اعتبر فاغنر أكبر كارثة على الروح باكتمال موسيقاه. مريم كانت كذلك. فقد كانت جاذبيتها أخطر شيء على عشاقها الورقيين. لم تكن لغة، ولكنها مأساة الروح. قبل قليل وأنا أتأمل سقف هذا القبو، بدا لي كأني شممت عطرها القوي Poeme الذي تركتُه قبل مدة، لقوته وكثافته رائحته على الجسد، وعوضته Chanel 5، أخف وأدفأ. تحسست كل شيء. تفحصت المكان بدون أن أقوم من مكاني ولكني لم أر شيئا، لكن العطر ظل عالقا بدماغي. ليس غريبا، مريم بالتأكيد في مكان ما، حتى في أنفاس هذا الفضاء المغلق، في الألبسة والأواني وكؤوس الويسكي القديمة المصطفة في أعالي المرفع الخشبي وكأنها لم تستعمل منذ أن وضعت في ذلك المكان. ربما هي ورائي، تسخر من جنوني وعبثيتي التي أصبحتُ أشك في أنها تستطيع أن تقاوم حضورها المفجع.
اشعر في الكثير من الأحيان بأن زوليخة تشبهني في كل شيء. زوليخة كاتب المسكينة التي وقفت منكسرة على حافة تابوت لم تعد فيه إلا جثة، وبقايا حب ذهب مع صاحبه، بعدما سرق منها كاتب ياسين سرها الخفي، وسلمه لنجمة. امرأة من ورق شفاف، غطت عليها، ووضعتها في المدفن قبل الأوان. أكاد أجن مما يفعله الكتاب بأقرب الناس إليهم: كيف لامرأة ورقية لا حياة فيها إلا روائح الخمائر الكيماوية، والحلفاء المجففة، والحبر الخفي، أن تطحن امرأة حقيقية من لحم ودم وفيض من الأحاسيس، وتفتتها حتى تحولها إلى لا شيء؟ هل كان كاتب ياسين يعلم، وهو يجوب العالم مزهوا بنجمته، أنه كان كل يوم يطحن وراءه امرأة حية، لم تطلب شيئا سوى أن تُحب، وأن تُعشق، وهي مستعدة أن ترمي وراءها كل خرافات الحياة الزوجية التي منحتها أولادا عديدين، ولم تمنحها أية سعادة؟ لقد خرجت نجمة من آلامها وانكساراتها. شاخت زوليخة في عزلتها القاسية ومرت كالريح وكأنها لم تكن أبدا ولم توجد، ومات ياسين بلوكيميا لم تمنحه أي حظ للشفاء، واستفردت نجمة بكل شيء، حتى بميراث ياسين العشقي والحياتي. أية امرأة هذه، وأي ورق؟ لن أسمح لمريم بأن تفعل الشيء نفسه.
أراني أحيانا في عمق مأساتها. فقد تواطأت مع من لم يتردد لحظة واحدة في قتلي. بحثت لها عن كل أعذار البراءة، وكانت تتفنن في كل وسائل الجريمة.
ما يزال عندي قليل من العقل، وأمامي متسع من الوقت لأشهد أمام العابرين عن عمق هذه المأساة التي تقودني، لو استمرت، مباشرة نحو الجنون.
لست ملاكا حتى أترك كل شيء يمر أمام عيني وكأنه لم يكن أبدا. لست مسيحا مستعدا عند الحاجة لأن يقدم خده الأيسر ليُصفع، لست كما صورني واسيني، إيقونة جميلة موضوعة في كنيسة تمسحها آلاف العيون يوميا. ولا امرأة دافئة، لا صوت لها إلا حنينها الخفي. حماقاتي ربما كانت أصلا في جيناتي السرية التي تقودني دوما نحو الإخفاق.
واسيني لم يُثِرْ معي ماضي الدفين ولو أنه كان يؤلمه من حين لآخر. مع الزمن تعلم أن يحترم جزئي الخفي. رفض من تلقاء نفسه أن يتحول إلى بقال يحاسبني عن تفاصيل هو نفسه لم ينج منها. كنت سعيدة لذلك، ولكن منزعجة أيضا. كنت أعرف عنه كل شيء، ولم يكن يعرف عني إلا تفاصيل قليلة كشفتها الصدف. ربما لأنه كان منهمكا دائما ولم يكن يريد أن يثقل على نفسه وعليَّ أيضا. أو... أنه كان على يقين بحبي له، فلم تكن تهمه التفاصيل الأخرى. الأسئلة ليست وليدة الصدفة أو الفضول المرضي، فهي تتكاثر عندما يهتز يقيننا بالآخر. هو لم يكن في حاجة إلى ذلك. لم أكن أحبه فقط، فقد نسيت نفسي فيه، ولم أعد أنا إلا من نفَسه، وعطره، وشهواته المجنونة، وأشواقه.
عندما نكون متيقنين من الآخر، نستسلم لراحة غريبة ولا نسأل عن أي شيء. تنهض المشكلات، عندما نشعر أن هناك من يزاحمنا في حبنا ولذتنا. ولهذا، كانت غيرتي دائما حارقة وجارفة، لي ولغيري.
أحيانا أشتهي أن أصدق أن مريم ليست فقط سوى شخصية من ورق تشبهني كثيرا وتختلف عني قليلا. ثم أقول في خفائي: لابد أن تكون امرأة غيري. أبحث في هذا السر الخفي عما يحررني من قيدها. لكن من أين جاء واسيني بكل ذلك الكم من التفاصيل الغريبة والصادقة في الآن نفسه؟ ربما من امرأة أخرى؟ ما يشغلني ليس لكونه نام معها أو نامت معه؟ ولكن ما هو الجديد الذي تعلمه منها؟ أي شيء منها التصق به إلى الأبد؟ لا أتحدث عن شعرها، عطرها، رائحة عرقها وجسدها؟ ولكن عما يبقى فيه منها، ويراه في عيني، في ابتسامتي، عندما يمتص الأجزاء الخفية من جسدي؟ أحيانا أحس بذلك عندما يعود مجنونا، بعد غيبة طويلة. أشعر بكل شيء جديد فيه، وكأنني أواجه رجلا آخر أنام معه للمرة الأولى. يخرج بسرعة من الرتابة القلقة. أتساءل أحيانا إذا كان الشوق هو الذي فعل فيه ذلك كله؟ أم رغبته العميقة التي كان يكررها دائما: لكي يستمر الحب، بما في ذلك الجنس، عليه أن يكون خلاقا ومبدعا؟
«- ليلي... الحب ليس استكانة دائمة. خلق وإبداع متواصل. عندما ندمنه بتكراره، يموت ويصبح رديفا لبلادة الزواج. ولهذا من الصعب أن نحافظ على كل تلك الحرارة بدون الإمساك بها في كل لحظة، وتنظيفها من التكرار الفج. لكي لا يموت الحب علينا أن نحب ونقلل من الأسئلة والتهم. الحب ليس تهمة ولكنه رغبة إنسانية حرة، وإلا سيموت كل شيء فينا.
أنام على صدره. أسمع إلى كلامه الجميل، وقلبه وهو ينبض بسرعة غير عادية. أتساءل إلى متى سيظل هذا القلب راكضا بهذه السرعة؟ وهل سيتحمل، بالقوة نفسها، الأعطاب القادمة؟ أشتهي أحيانا أن أسأله لأعرف سر الهبل الذي يتخفى في بؤبؤ عينيه عندما تنكسر عليهما أشعة الشمس الرائعة، وتنعكس فيهما أعراس الألوان المتقاطعة؟
- في قبلتك حبيبي طعم جديد، لم أعهده من قبل؟ من أين تعلمته؟ من المرأة التي منحتك هذا الاكتشاف الجميل؟ أي جسد تلوى عليك ليلة كاملة مثل الأفعى، ولم يتركك إلا حينما علمك كيف تقاوم سم التكرار؟»
لكني أرفض أن أنغص عليه أحاسيسه بالراحة الجميلة وهو معي، أو هو نائم على صدري بعد متعة سحبناها إلى الأقاصي، وتمنينا أن نظل فيها.
أقول اليوم ما جدوى ذلك الصمت كله إذا كنت أحسه؟ لم أقله طبعا في أية رسالة من رسائلي. وبقيت مثلما اشتهاني، لكي لا أكسر يقينه الجميل.

-2-
عقَّدتني مريم. أعادت ترتيب حياتي بالشكل الذي أرادته هي.
ربما ما قاله واسيني عن مريم انطلق مني ومن هبلي وجنوني معه، بل إني على يقين من ذلك. لكنه دفعني أنا أيضا نحوها، لأصبح مثلها. شبيهتها ولست حتى هي. ظلها المتمادي دائما تحت رجليها، أو مصاحبا لها، ملتصقا بالحيطان في صمت جنائزي مقلق، أتبعها مخافة أن تسبقني كثيرا. أتداخل معها بقصدية أحيانا لدرجة التماهي وأحاول أن أنسى أنها هي وأني أنا. وأنسى أننا كائنين مختلفين في كل شيء، حتى في طريقة التنفس. في المادة التي صنعنا منها. صنعتُ من مادة هشة، يلحقها الخراب والأذى يوميا، وصنِعتْ هي مثل الجنِّي، من لهب الكلمات، ونور الأحرف، وبعض خمائر الورق الأصلية. الأدهى من هذا كله، فقد أضفى عليها واسيني أشياء جميلة ليست فيَّ أبدا. وصورها كما اشتهاني أن أكون، حتى حولني مع الزمن إلى إيقونة أحببتها، ولكني لم أكن أشتهي أن أتحول إلى مجرد رماد في داخلها.
هذا المساء صممت، وبلا رجعة، أن أحمل هذه الإيقونة، أتأملها للمرة الأخيرة لكي لا أندم عليها أبدا، بعدها، أرميها بكل قواي على الأرض، استمتع بكسرها، وأصرخ بأعلى صوتي: مرياااااااااام... أخرجي ولا تعودي، أرجوووووووك... أطأ الإيقونة برجلي، حتى تصبح مجرد فتات دقيق، ثم أجمعها قطعة قطعة، وأدفنها مثلما يدفن جسد نريده أن يختفي بسرعة لكي نتفادى رؤيته من جديد.
الصدف في حياتي غريبة وكثيرة، وكم أتمنى من الذين عرفوا مريم في صدفة الكتب والورق، أن يكسروا إيقونة مريم التي رقصت بين أيديهم في لحظات السكون والغفوة والخيبة، وكذبت عليهم مثلما كذبت علي، ودمرت سكينتهم مثلما خربت عليَّ متعة الهدوء. واسيني كان سعيدا وهو يحكي عن الذين رأوا لهم شبها مع مريم. قد تكون الغيرة هي السبب المحرك لكل هذا الجنون العبثي، المستحيل أحيانا. ربما. لكن ليست الغيرة وحدها هي التي تفعل فيَّ ذلك كله. رغبتي في الانتهاء من ظلي الذي يعذبني هي الأساس. لا يمكنني أن أدير حياتين، واحدة سرية وواحدة ورقية، بدون اعتبار الحياة المعلنة. وليكن، إذا كانت النتائج قاسية جدا، لن أندم.
وأنا مستعدة للأقاصي بكل مخلفاتها المحزنة.

-3-
ما دمت في لعبة الصراحة الصعبة، أكرر مرة أخرى، أن واسيني لم يعرفني بالشكل الكافي. أعجبتني فقط هزته الأولى التي أدخلته في دوار طفولي لم يكن قادرا على مقاومته. كانت موافقتي على حبه، هي رهانه الوحيد، لم يكن معنيا ببقية التفاصيل. أنا أيضا لي قصة حياتية معقدة مفروشة بالإخفاقات.
قبل واسيني، عشقني ابن عمي، شاب يدعى قيس. صديقاتي كنَّ يسمينه قيس ابن الملوح، واسمه الحقيقي قيس وليد عمي موح. ولم يكن ذلك يزعجني، لأني كنت أرى نفسي في رتبة ليلاه. صدق بشكل مجنون أني ليلاه التي عليها أن تموت من أجله. يوم غادرته، اختار قبرا مهجورا لامرأة ماتت منذ أكثر من دهر اسمها ليلى أيضا، أحرقت نفسها لأن عشيقها تخلى عنها وتركها وراءه حاملا. وظل يزوره كل صباح إلى أن أنهى حياته على تربته وشوكه. عندما أرادوا غسل جثته، لم يجدوا مساحة واحدة من جلده لم تُخَطَّ عليها قصيدة من قصائده بأوشام لا تمحي ولا تزول. غسَّالو الأموات كانوا كالعادة أغبياء. قال كبيرهم: إن الله لا يستقبل جسدا غير نظيف، وأن الملائكة تهجر السماء. لو فقط كانوا يعلمون الخراب الذي تسببوا فيه، ولكنهم عمْيٌ بكمٌ لا يفقهون. أتوا بالحامض، ومزيل اللطخات والصمغ، وأذابوا كل الأشعار مع القشرة الجلدية، حتى أصبح جسده كجلد أرنب مسلوخ لا توجد به أية علامة. كفنوه بعدها، واعتبروه نذير شؤم، ودفنوه بسرعة لكي لا ينتشر شره. لم يترك وراءه شيئا، حتى جلده المكتوب دفن معه. كل ما يُتداول اليوم من نصوصه، ليست إلا قصائد جاءت بعد موته، من تدوين عشاق آخرين اختبئوا وراء اسمه.
لم أبك قيس وليد عمي موح، بقدر ما بكيت شعره.
حظي دائما في المجانين.
أحبني بعده شاب يُدعى الهامل. كان مغرما بالسينما ويحلم أن يحولني إلى راقصة فلامنكو. أقسم أن يعيد لي الرغبة في الحياة. كنت أضحك دائما. أنا راقصة فلامينكو؟ ما بقي للعمياء إلا الكحل؟
الحمد لله أن علاقتنا لم تدم طويلا. عندما اقترب مني احترق. كان هشا مثل تبن جاف. وربما كان مريضا بأمه التي سرقها رجل من أبيه ولا أحد يعرف مكانها. حلمه لقتل الأب المعوض كان كبيرا. كنت مطمئنة إليه، وخائفة منه. إذا رآني في صورة أمه يشعرني بحبه، ولكن كلما خلونا على الفراش بحذر، مثل طفلين، أشعرني بانتقامه أكثر من استدراجه للمتعة. كان يؤلمني ويجد لذة في ذلك. يشتهي أن نزيل غشاوة البكارة بسرعة ليتمكن من حبي أكثر، وكنت أمنعه ليس خوفا على كذبة يصدقها الجميع ويعرفون في قرار أنفسهم أنها لا تعني أية عفة؟ ولكن لأني لم أشعر معه أبدا بذرة من الأمان. فلم أكن النوع الذي يصلح له، ولم أكن أيضا أولى نسائه. في إحدى الليالي، سهرنا طويلا. ولم أستطع أن أنفذ له ما اشتهى مني. قلت له بكل صراحة:

« - حبيبي، ابحث عن غيري. أنت مثل الكثير من الرجال، لا تريد زوجة متواطئة معك في كل شيء. تريد امرأة محترفة في الفراش، تنفذ لك ما تشتهي وتنسى وجودها، وتريد أيضا قديسة لتربية أولادك وتنحني لتنظف حذائك، وأنا للأسف لا يمكنني أن أكون لا هذه ولا تلك. المرأة التي أمامك لا تصلح لك. وربما قد لا تصلح لشيء كثير سوى أنها تريد أن تدرس الموسيقى، أن تحصل على أعلى الشهادات، وأن تسير في طريق والدها. بل أن تذهب بعيدا وتصبح دكتوراه في الموسيقى مثلا!
- دكتورة في الموسيقى؟ وليشْ؟ الموسيقى مريضة؟
لم يكتم ضحكته، وضحكتُ معه، لكن ليس لنفس السبب. ضحك من غرابة خياراتي، وضحكت من جهله المؤنق. ولكني سرت معه في منطقه.
- نعم عمري. أداوي الموسيقى والكلمات والأوزان المختلة. كل شيء أصبح اليوم مصابا بمختلف الزواحف والأعطاب، وربما بالخبل أيضا، إذ لا ضابط للموسيقى والشعر؟ ومعي أخصائيون عندما تستفحل الحالات، أنت لا تعرفهم: إسحاق الموصلي، أبو الفرج الأصفهاني، الفراهيدي، ابن جني، وسيبويه...
كان سكرانا ويائسا مني.
- كوكبة من عشاقك؟
- نعم... لكن، للأسف ماتوا قبل أن أراك...»
كنت أخشى أن يكون عنيفا معي ولكنه لم يفعل. في الليلة نفسها، حمل ما تبقى من قنينة الويسكي، وخرج نهائيا من حياتي. البياض الذي خلفه فيَّ أنساني فجأة حتى وجهه. كنت أتساءل في خلوتي، هل هو هذا الرجل الذي ظننت نفسي أني كنت أحبه وأنا افتح عيني على عمر جديد؟
بعد مدة طويلة، سمعت أنه ذهب إلى الحديقة العامة التي كنا نلتقي فيها من حين للآخر، بعد الدروس، وكب البنزين على رأسه، ثم أشعل النار، فتفحم جسده في الحال. سمعت من أحد المارة أنه في شهقته الأخيرة نطق باسمي قبل أن تأكله النار . لا أعلم إلى اليوم إذا ما كان قد احترق بالصدفة لأنه كان يدخن كثيرا، أو أحرق نفسه كما وصلني؟
لم أكن المرأة الوفية للأموات.
وفائي الوحيد كان دائما للحياة، حتى ولو كان ذلك على حسابي. فقد ألصق أصدقائي وصديقاتي بي كل التهم التي اشتهوها، من خائنة، إلى شهوانية، إلى اللعبة، إلى الصادية، انتهاء بالكلمة التي تختزل كل عجزهم: الزانية.
لم يكن ذلك مهما، لأن حقدهم في النهاية لم يكن إلا صورة مضمرة لما يعانونه داخليا من إحباط متكرر. كنت كلما مستني سكاكينهم ووصلتني رياح مجالسهم القاسية، ضحكت بمرارة، وحزنت لأجلهم.
جاء بعد الهامل، نارسيس. نسيت اليوم وجهه واسمه الحقيقي. كان معجبا بنفسه أكثر من إعجابه بي. كل صباح يتأنق، يتفحص وجهه في المرآة، وينزع الشعيرات التي على وجهه وداخل أنفه بملقط خاص، يقلم شعر حاجبيه وأظافره، يبتسم لنفسه في المرايا التي وضعها في أمكنة متعددة من بيته. يتعطر بالعطور النسائية القوية التي تشم من بعيد، ثم يخرج. كان يغيب كثيرا ولا أراه إلا بعد مدة طويلة. وبدل أن يعتذر، كان يعود دائما إلى مرآته.
عندما امتلأتُ وغاضتني عمري كما يقال عندنا، قلت له بعد أن تأكدت من أن الحظ، وضع هذه المرة في طريقي، مخلوقا لم يكن يشبهني في أي شيء. كنت أريد رجلا أحس به ويحسسني بأني امرأة كاملة، وأني معشوقة ولست إنسانا لا وجه له إلا نفسه:
« - اسمع يا ولد الناس، ابحث عن غيري، نحن لا نصلح لبعض. لك الحق في أن تشتهي نفسك وجمالك وأنوثتك الخفية، ولك الحق في أن تجعل المرآة مآلك النهائي والجميل، ولكن ليس هذا ما أبحث عنه. أنا لا أفيدك في حياتك سوى أني أغطي عليك حياة سرية تعيشها. علاقة من دون علاقة؟ الله يسهل عليك...»
من يومها انطفأ حتى من المدينة. أراح نفسه وأراحني معه.
أوقف القائمة عند هذا الحد. لو تماديت سأمنح أعدائي فرصة إلصاق كل التهم الغريبة بي. في إرثي مجانين ومنتحرون ورجال شواذ، وحمقى، ولا يوجد ما يجعلني ملاكا طاهرا، كما صورني واسيني، إلا اللغة التي أغرقني فيها حتى سُحِرتُ بها وكدت أن لا أعرف أنا من غيري. لست أصلا من طينة النور، ولا من عجينة الغيم التي يصعب القبض عليها. هذا كله أدب وليس حقيقة أبدا. امرأة أنا، محبة للحياة وممتلئة حتى القلب بكم لا أُحسَد عليه من الهبل. قنبلة موقوتة.
اللغة أخطر غواية. لغة الشيطان وحواء، التي سنت الطريق نحو التمادي في الغواية والعصيان أيضا. لغة حواء وهي تهذب وحشية آدم. لغة هابيل وقابيل التي أدت إلى أول جريمة حب في الدنيا. لغة الله لعباده التي وضعت مسطرة الحدود. لغة الجسد للجسد، من الالتصاق بثدي الأم إلى التشبث بنهد الحبيبة والتلذذ بحليب الشهوة. هي دائما مثل فاوست، تقف بشكل دائم وراءنا، توجهنا نحو ما يجب أن نفعله لكي نوقظ حواسنا الميتة ولا تترك لنا فسحة التأمل. لغة واسيني جعلت مني أنا، ولست أنا. كانت رهاننا المشترك، إذ ظل جوهرها صافيا كمرآة، ولم يستسلم أبدا لغبار الأيام الصعبة. لكني... كنت ضحيتها الأولى.
كان واسيني يقول دائما: إذا بقيت لي قشة ألتصق بها في الحياة، قبل الغرق، فهي اللغة. لا شيء آخر سوى اللغة. وحدها اللغة، لغة العصيان والمسروقات الحميمية، حمتني من حماقات الموت وغواية التلاشي.
« - كان الموت عند الحافة. بل كان فيَّ. أراه يعبر الأنابيب والأجهزة الملتصقة بصدري، وحتى بعيون الممرضات اللواتي قضين الليلة كلها معي في مراقبة ضربات قلبي المتواترة، وتنفسي ودرجة الحرارة، واستجابة جسدي لكل ما يحيط به. كنت في أعماقي أحس بانتشاء كبير لأني كنت أنتصر شيئا فشيئا على خوف كان فيَّ. كنت أكتب وأنشئ لغة وأنسج نصوصا سرية ستظل في متحفي الذهني، ولن ترى النور أبدا. ولكني مازلت أعتقد أن اللغة يمكنها أن تقتل وأن تنقذ صاحبها أيضا. »
أستطيع حبيبي أن أقول اليوم بلا تردد، إن اللغة التي منحتني الحياة بفضلك، في جسد امرأة أخرى، هي نفسها التي سحبتني كثور الكوريدا إلى ساحة الموت وكادت أن تجهز علي لولا تفطني في آخر لحظة، أي في اللمسة الهادئة الفاصلة بين الحياة والموت، التي رأيت فيها فجأة شمسك تغرب، قبل أن يتسرب شعاع هارب إلى عينيك من سقف زجاجي، ويوقظك من غفوتك القاتلة، ويقنعك بأن الحياة ما تزال مستمرة.
قتلتني مريم، ولم تسأل عني أبدا.
حياتها وأنانيتها تمر قبل أي شيء آخر. في هذا، لم تكن مريم شيئا آخر غير مجرمة ذكية، تقتل ولا تترك وراءها أي أثر للجريمة الموصوفة. كان علي أن أقوم بكل شيء بنفسي. فأنت لم تكن هنا. لم تستمع إلى الأنين الخفي الذي كان يتكالب كالحمم في داخلي. فقد بدا لك كل شيء مجرد استيهامات هاربة في أفق كل ألوانه كانت مغلوطة.
لم تكن هنا أبدا كما اشتهيتك.
كنتَ غائبا داخل غيماتك البنفسجية، غارقا في تيه اللغة، مستمتعا بالضياع الجميل، بين الأحرف والجمل والبياضات المحددة بدقة كالنوتات الموسيقية، التي كنتَ تجمعها برعشة العاشق الولهان، ثم ترمي بها على الورق الأبيض فتصطف في حلقات متتالية من النور، منفصلة- متلاحمة مثلما حددت لها أن تكون. لا شيء يعصى على يديك حبيبي. تفعل ما تشاء بها، فقد كنتَ مولاها وسيدها الأكبر.
وحدها مريم، كانت تعرف بالضبط سر ما كانت تفعله معي، وسعة فجوة الخراب التي خلفها جنونها فيَّ، ونسيانك لي.
- قل لي بربك؟ ألم تكن تدري أن تواطئك مع مريم كان يقتلني أيضا؟ وجدتْ في صمتك عليها، طريقها الواسع الذي جرتني فيه من شعري ورمتني على الحواف مثل أي كيس للقمامة؟
أعرف إجابتك الأنيقة، لا داعي لأن تقولها.
«مريم ليست أكثر من لغة، ظل لحقيقة هاربة ومستعصية.»

* * *

واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-30-2009, 08:29 AM   #22
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من مريم إلى ياسين.


من مريم إلى ياسين.

أي قدر وضعك في طريقي؟

ياسين حبيبي.
مهبولي الرائع.
حلمي الأكبر والأوحد في دنيا لا تمنحنا كثيرا من الحظ لنحلم، ولكنها كانت سخية معي حين وضعتك في طريقي.
يا مهبول، لو كنتَ تدري أي مهبولة أيضا وُضعت في طريقك، لتفاديتَ مسالكي؟ لقد وضع الله في طريقي كثيرا من المجانين الذين انطفئوا بسرعة، وحدك بقيت. لا قيس، ولا الهامل ولا نارسيس، استطاعوا أن يجدوا ما كان يتخفى من وراء خيط الروح، غيرك. لم تنسني فيهم جميعا فقط، ولكنك أنسيتني في نفسي أيضا.
كنت أظن أن مصاعب الدنيا قد تجعلك عاقلا، وتقتل فيك جنونك، وانك ستأخذ بقرار محيطك في أن تعيد رسم حياتك، وتنظيمها، لكنك بقيت مجنونا ولم يقتل منفاك شيئا من هبلك الجميل، والقليل من العقل الذي بقي فيك، وأنا سعيدة لذلك.
ماذا أقول أمام دهشتك الجميلة، يخرب بيتك؟ لقد جردتني من كل أسلحتي ولم تترك لي أية سلطة لكرهك أو لنسيانك.
اليوم أيضا أطفأت شمعة أخرى لمايا. الثالثة. إنها تكبر بسرعة، حاملة منك كل شيء حتى الخانة التي ترتسم كبيرة على ظهرك، وميلان عينيك اللوزيتين. امتدادك.
شكرا على ردك، وإجاباتك، صدق أني أفهم وأقدر كل ما تقول، وكلما وضعتُ ملاحظة، تخيلت ردك وعرفت حدود قبولك ورفضك لها. هناك أمور قابلة للنقاش ولكن الخيارات تعود لك ، ولا احد بإمكانه أن يغير رسم عالمك، مشكلتي أني أحبك ,اشعر بقرب منك لا يترك لي مجالا لأنتبه لشيء آخر. لقد خسرت الشيء الكثير في رحلة الحياة القاسية ولكني لا أريد أن أخسرك. رياض مسافر دائما. لقد دخل دوامة كبيرة، ووسع خياراته. بعد السيارات والتهريب وغيره، انضم إلى كارتيل السكر. تخيل ماذا فعلوا في المرة الماضية؟ بعد أزمة ندرة السكر؟ جاءهم منافس من كوبا مع شريك جزائري ورث مالا كثيرا من والده لم يعرف أين يضعه؟ نصحه أحد أصدقائه باستثماره في السكر وأشار عليه بالمستثمر الكوبي. كانوا متيقنين من أنهم سيغطون السوق الوطنية بسكر من نوعية جيدة وبسعر أقل. عندما وصلت السفينة التي اكتروها، ظلت راسية لمدة شهر في الميناء، قبل أن يدخلها رجال مكافحة الغش، ومراقبة استيراد المواد الغذائية ويكتبون تقريرا، بإيعاز من الكارتيل، بأن في السكر سوسة أمريكية لاتينية مدمرة جلبت من كوبا، وأن درجة الرطوبة جعلت من السكر غير قابل للاستهلاك. في الليلة نفسها دخل خمس مسلحين على الشاب صاحب المال، في بيته. وضعوه بين خيارين، وتركوا الثالث غامضا، لم يكن في حاجة إلى ذكاء كبير لفهمه:
«- أنت رجل طيب وبريء، ولهذا تركنا لك هذه الفرصة وإلا لكان لنا معك شأن آخر. نقترح عليك ما يلي بالترتيب: إما أن تعيد السكر إلى كوبا حالا، أو نعيد لك خسارتك بعد حسم تكلفة السفينة التي بقيت رابضة زمنا طويلا في الميناء ومتاعب رجال مكافحة الغش، ونستلمه نحن في عرض البحر، ولا تسال عن الطريقة، أو...
- أو... فهمت. شوف يا خويا، يرحم والديك، أنا زوالي ولد باب الله وأريد أن أعيش. لا علاقة لي بالتجارة. كنت أظن أن المسالة أبسط. أفضل أن استرجع مالي إذا كان ذلك ممكنا، ما شفتوني ما شفتكم.
- كلامك جيد. هاهي نقودك. كنا نعرف أنك رجل عاقل.»
ووضعوا في كفه نصف مبلغ الخسارة. وخرجوا. لم يسأل عن أي شيء آخر. لم يحاول حتى أن يتناقش عن بقية المبلغ. فقد اعتبر نفسه ولد من جديد. ظلت فوهات العوزي التي كانت تبرز من تحت ألبستهم تطارده شهورا طويلا في نومه.
عرف فيما بعد، أن السكر الذي زادت حدة ندرته قد بيع بأضعاف سعره. وأن سفينة الكوبي أفرغت في عرض البحر ودخل سكرها على متن سفينة أخرى كانت تحمل علما بانميا.
عندما سالت رياض:
- لماذا فعلتم هذا كله في هذا الشاب المسكين؟ ألم تحرر الدولة التجارة الخارجية؟
قال بلا تردد:
- كلام فارغ. لست أنا من فعل ذلك، الكارتيل هو صاحب الفكرة.
- وأنت ماذا كنتَ تفعل؟
- يهمني فقط أن لا تتدخل الطفيليات في تحديد أسعار السكر.
- هل كنتم ستقتلونه لو فعل غير ما طلبتموه منه.
- نعم. كانوا سيقتلونه. لم يفعلوا لأنهم عرفوا الصغيرة والكبيرة عنه قبل زيارته. لكن احتمال قتله كان واردا. حتى أن هناك من طالب بتصفيته بمجرد الانتهاء من تفريغ باخرة السكر، ولكن الكثيرين كانوا ضد، لأنهم رأوا في موت الشاب فعلا مجانيا.
عرفت يومها أن رياض أصبح جزءا من آلة جهنمية، ربما كان حلقتها الأضعف، ولكنه كان جزءا حيويا منها. ولا استبعد أن يكون ممن تخطوا عتبة الموت ليلتها تجاه تاجر الصدفة الشاب. عندما استعدت الشريط بدقة، تذكرت أني لم أر ليلتها مسدس ميكرو عوزي، في مكانه المعتاد، ولم يعد رياض إلا مع وجه الفجر.
لا أدري لماذا أحدثك عن أشياء خطيرة كهذه، ولكني أشعر أن البلاد تغيرت كثيرا، وأن أشخاصا غامضين، لا يتجاوزون أصابع اليد يديرونها بسرية كاملة.
هل تدري أني أصبحت أخاف عليك مني؟ لأني مسارك نحو الموت إذا أحس رياض بأي شيء. احمد الله أنك لم تعد هنا وأن مسافة المتوسط تضعك في منأى عنهم.

حبيبي وروحي...
دعني أخرج قليلا من هذا الظلام القاسي.
كم أشتهي أن أكون معك لحظة الكتابة، أحضر لك شايا، وأضع أجمل موسيقى وانسحب على أطراف أصابعي حين أراك غارقا في نصك، ثم تأتي منهكا وسعيدا ومحملا بالدهشة ، تستلقي بقربي وتحكي لي عما تكتشفه ليس بعيدا عن ذاكرتك وقلبك. أستمع إليك بحب. أمسد على شعرك إلى أن تنام كطفل، وحين أستيقظ لا أجدك أمامي. أرى النور مضاء، فأعرف انك عدت إلى هبلك من جديد وغرقتَ في الكتابة على الرغم من نصائحي لك بالراحة. ابتسم من أعماقي: لا فائدة من نصحك. مهبول الله غالب. ومهبولة المرأة التي تربط مصيرها وحياتها بك؟ مجنونة تلك التي تفكر بأنه بإمكانها أن تحبك للحظة، ثم تمضي لحياتها.
حبيبي، شوقي إليك يعذبني بلا هوادة. لو كنت أستطيع المجيء إلى باريس الآن لما انتظرت لحظة واحدة، ولأريتك أنا أيضا أي جنون يركبني ، ولسحبتك نحو طفولتي التي تخاف منها وعليها، ولرسمت في قلبك، وعلى جسدك كل ألوان قوس قزح، ولركضت بك في الشوارع حتى نتعب، ولمارسنا كل الجنون الذي يمكن لعاشقين أن يمارساه، ولأربكنا كل القوانين العشقية، ولهدمنا كل اليقينيات الوهمية.
لو فقط كنت أستطيع المجيء؟!
أشعر أن الدنيا لم تعد تسعفني. ولا حتى العالم الذي يحيط بنا، والذي أصبحت أخافه.
أرى في كل العيون البريئة، وجه تاجر الصدفة المسكين، وارى في الكثير من المارة الغامضين، بعض الوجوه المنتمية إلى الكارتيل.
حدثتني قبل أيام عن رغبتك في كتابة رواية مجنونة باسم مستعار. لماذا تصر على ذلك؟ ألم يكفك ما فعلته بي أيها الشقي؟ لماذا تريد اسما مستعارا لتكتب جنونك؟ رواياتك كانت مجنونة أيضا ولكنك استطعت أن تهرب منها ومن شبحها دون أن تهرب من اسمك؟ يكفيك واسيني. أغلبية الذين لا يعرفونك يظنون أن اسمك مستعار، ألا يكفيك هذا؟ أي جنون يدور برأسك أتمنى أن أعرف، طول العمر لك لتعيش حياتك كما تشتهي وتكتب كما تشتهي أشواقك وأشواق أولئك الذين لا لغة لهم. أثق كثيرا في انك ستعيش طويلا، تذكر ذلك، وأتمنى أن أموت قبلك، لتتحمل أنت خسارتي، فأنت قادر عليها أما انا فلا. أفكر بجنون فيك وأتكوم على نفسي كلما شعرت أن شوقك صار اكبر من طاقاتي كلها لتحمله، وأحترق ريثما تعود. لا ثمن لحبي، ولكن أقبل بالأشياء التي تأتي من عمقك ولو كانت قبلة واحدة، قبلة دافئة بلا بداية ولا نهاية ولا نحتاج للعد حينها، قبلة تعيد حرارة الجسد الذي برد بالغياب. أنا لا أحب البرد ولا أنت، ولذلك سيكون جميلا أن نتدفأ بأنفاسنا مرة أخرى، ياه؟ هل هناك مبرر يمكن أن يقتل كل هذه الأشواق ويمنعها من الحياة؟ أي امتحان يضعنا فيه الله وهو يعرف أننا أضعف من أن نواجه أشياءه الجميلة بعيون مغمضة، وأنت أجمل ما منحني في حياتي.
أحبك عمري وشوقي، وأشكرك لأنك تفتح قلبي وتهزني هزات جميلة لا أعرف كيف أعيشها وأنت بعيد عني. كل يوم أحبك أكثر، وأفتش عن حلول ممكنة لورطتي معك وهشاشتي نحوك، التي لا أظن أنها ستشفى. ليكن، أقبل بهذا القدر الجميل. أن نمرض بإنسان حي، أجمل من أن نمرض بغيابه الأبدي.
أشتهي أن أبقى هنا معلقة أمام عينيك، بكل هذا العري الداخلي الذي لا أخجل منه مطلقا وأجننك أكثر حتى تعود إلي بسرعة. عد أيها الأهبل، لك امرأة تنتظر عودتك مع كل ريح تهب، في كل قطرة مطر تتمزق على الأسطح القرميدية. عد، لم أعد قادرة على تحمل غيابك، لن أكون شريرة ولا طماعة. سأسرقك كل صباح فقط وأعيدك مساء. لا أحد ينهب منا أشواقنا، وأشياءنا الجميلة التي نرفض أن تسرق منا ونصر عليها. حين تسرق منا الأشواق، فهذا يعيني أننا لم نعد نرعب فيها.

سيني حبيبي
أستغرب أنك لم تكتب لي طوال هذه الأيام؟ أتمنى فقط ألا يكون لتعبك علاقة بالأمر. وصلتني رسالتك الجميلة منذ مدة وأشعرتني يومها أني ملكة، وأن كل الدنيا لا تعادل إحساسي بك، ما أجمل صباحاتي التي تبدأ بك ومعك. لا عليك. ارتح قليلا، واكتب لي حين يشتهي القلب ذلك. أنا هنا في هذه المدينة التي أصبحت كظلي، متعبة من الركض بين الكونسرفتوار، ودار الأوبرا التي يسميها الناس هنا في وهران، مسرحا، وأشعر أن التسمية تنقص قليلا من نبلها ولو أن العلاقة بينهما حميمية ووشيجة. لقد جعلني جنونك أسعد مخلوقة في الدنيا، ثم رحلت كما تعودتَ أن تفعل، ولا شيء تغير سوى أن شوقي نحوك صار أكبر من طاقات البشر الضعيفة. أفكر فيك، وكلما تذكرت قبلك المسروقة، تحسست شفتي وابتسمت وأحسست انك لم تغادرني مطلقا، فأنت هنا، في القلب، في نفَسِي، بين شفتي ابتسامة أو قبلة هاربة.

حياتي وقلبي.
أشعر ببعض القلق عليك، من وضعك الصحي، ولكني متفائلة هذه المرة والقلب العاشق لا يمكن أن يخذلنا الآن ونحن بكل هذا الجنون. اهتم كثيرا بنفسك من أجلنا معا. ومن أجل كل الناس الذين تصنع في قلوبهم إحساسا جديدا بالحياة. يفترض أن أكسر رأسك وتلفونك ورأس صاحباتك الخليجيات وقارئاتك الجريئات اللواتي يبعثن بالرسائل المجنونة، ولكني سأوفر غيرتي هذه المرة. الغيرة لا تنفع عن بعد. ما ينفع فقط هو مزيد من الحب لتحمل المسافات القاتلة والعزلة المفروضة علينا من كارتيل العواطف الذي جير كل شيء لمصالحه وحساباته المعلنة والخفية.
أيها الأحمق،
ما اخطر ما تفعل بي لو تدري؟ مثلك أحس أن شيئا كان ضائعا بيننا ووجدناه، لا أريد من الدنيا سوى أن تمنحني قدرا إضافيا من الجنون لأعيش حماقة حبك كاملة وجميلة كما اشتهي. لا تعرف ما الذي اختزنه لك في هذا الجسد الصغير، والمليء بالحياة، من جنون ورعشة بحيث يكون لدينا في كل لحظة إحساس جديد وصاف. لا أريد أبدا أن اقتل جمال الأشياء وهشاشتها وإلا قتلت حبي. لكن الدنيا بنت كلب وضعتني في أسوء الخيارات.
لا يعني لي الزواج إلا هروبا من ضيق لا يحتمل حلا لا أملك غيره لأتحرر قليلا. الأمومة شيء جميل، وأنا لم أكن اشتهي إلا مايا ليكتمل إحساسي بك. شكرا لهبلك المتمادي بلا حساب، فقد منحني ما اشتهيت في أقسى الظروف وأصعبها. اطلب مني أن أطلق رياض، أيها الأحمق، وسأفعل حالا بلا تردد، ولست مجبرا على الزواج مني. اشتهي أن أغمض عيني وعندما أفتحهما، أجدك فيَّ بكلك. أريد أن أكون لك، وبلا خوف، وألا أمنح جسدي لغيرك ما دمت احبك. شيء من الخوف يمنعني، ولكني متأكدة من أن ذلك سيحدث يوما ما. اشتهي لحظة عذبة لا أفكر فيها إلا بك، ولا أحس إلا بك وأنت تفتح طريقا من النور واللذة في جسدي. ستكون أحمق لو ظننت إني لست مثلك، عاشقة وهبلية المزاج.
أينك الآن؟ أتمنى أن تكون في المنزل مرتاحا وأن تقرا رسالتي؟ وأن اخرج كالعطر من كلماتي وأمتطيك وأنت جالس هناك أمام جهازك العجيب الذي آتاك بالمرأة التي تحبها والتي رحلت عنها وفي عينيك بريق الحب والشهوة المتفجرة.
أقبلووووووووك، أمص لسانك، وأعظ على شفتيييييييك بجنون، وأطلق العنان لكل القبل المؤجلة وكل القبل التي حلمنا بها. على سريرك، أعريك، وأقبل جسدك نقطة نقطة، وأتحسس مساحاته، وأتعرى أمامك، وأراك وأنت تضع الحلمة في فمك وترضع بنهم، وتغير النهد بالنهد، وأصابعك تتأكد من تفاصيل جسدي التي غادرتها آخر مرة. تتحسني برعشة، لن أصرخ كما تفعل النساء عادة، سأئن فقط وأترك أنفاسي تتقطع بين يديك وشفتيك، ولا أتركك إلا بعد أن نشبع جوع كل هذا الزمن الذي ينفلت بين أيدينا ولا يرحمنا إلا قليلا، وحين تفتح عينيك باندهاش، نكون قد اكتشفنا عشقا جديدا في قلبينا وجسدينا. لو فقط أستطيع أن آتيك الآن لأريك من أكون؟ أردتَ أن تفسد عليَّ صومي أيها الشرير، طيب، هكذا سأفسد عليك نومك هذه الليلة لأنك لن تستطيع النوم بدوني. الشح فيك!!! واحدة بواحدة، لتحس وقع كلماتك المجنونة فيَّ. يخرب بيتك ما ألعنك وما أقسى غيَّك المخبوءة؟

أيها الغالي الذي لم يبرح القلب ولا دقيقة منذ أن سرقته تلك البلاد.
هل تدري كم أحبك؟ هل تدري كارثة الفقدان الكبير؟
كم اشتاق لك حبيبي، وكم أتمنى أن نعيش هذا الإحساس الجميل بامتلاء في الفراش وخارج الفراش. لا تطلب مني أن أنسى شططي، فأنت جزء منه، ولكنك شطط جميل. أحاول أن أكتب قصتنا، ولكني أخشى أن أضيعها داخل اللغة، أنا التي بدأت أخيرا أحسها تورق مثل شجرة ياسمين بري. انتظر عودتك فقط وسنرى إلى أي جنون نصل. سلم لي على مهبولتك وصديقك المجنونة إيروتيكا التي ابتدعتها من هبلك. سلم لي على آنيا، الروسية التي تسرقك مني كلما افتقدتني في أرض المنفى القاسية... لا تقل لي العكس. سلم لي على كل من يحبك ويشتهيك. وعلى كل المجنونات اللواتي تصادفهن في طريقك الضائع. قل لهن أن لك حبيبة تغار عليك كثيرا وقبيحة بزاف وتكسر رأس كل من تتمادى في تذبيل عينيها، ومغازلتك بأكثر مما تسمح به اللباقة.
أعرفك مجنونا لا يبالي بالأخطار المحدقة بقلبه، ولكن أرجوك، اهتم بنفسك كثيرا، من أجلي على الأقل؟ أنت لا تنتبه، ولكنك متعب كثيرا لأنك لا تعرف الراحة أبدا.
اعذرني على كل وساوسي التي تأكلني، فأنا أخاف عليك كثيرا.
في النهاية، لست أكثر من امرأة عاشقة من رأسها حتى أخمص القدم.

أحبك يا أكبر مهبول في الدنيا.

وهران ربيع 2000



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-30-2009, 08:31 AM   #23
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل



05h 01mn 07s

-1-
رفعت رأسي قليلا بعدما شعرت بثقله على جسدي.
لا شيء سوى الوقت الذي يزحف كأفعى عمياء. الساعة الغارقة في جبروت التكرار، تجاوزت الآن الخامسة بدقيقة واحدة وسبع ثوان. لا أدري إذا ما كان للوقت قيمة فيما أنا فيه، ولكني أشعر به مثل قطرات الحامض التي تأكل كل شيء في هدوء وسكينة، تنزل على ذاكرة كسرتها الخيبة وكثير من المتاعب. لولا تلك اللمعات المسروقة على هامش حياة مكرورة، لكنت ذهبت بلا تردد نحو مرقد جدي سيدي عبد المؤمن بو قبرين، في أعالي جبال امسيرده، وطلبت منه أن يستردني نحوه بسرعة. وصرخت في وحشة العزلة: أغثني يا جدي، لم أعد قادرة على تحمل جسدي، لقد ثقلت روحي وتهاوت حواسي كأوراق الخريف، وماتت أشواقي وانسحبت طفولتي. هناك، على الحواف الحادة، غوايات الانطفاء كثيرة. عندما أقف على ارتفاع خمسمائة متر قبالة المتوسط الغربي، وسط الضباب اللدن والجميل، أستحضر كل شيء بما في ذلك إغماض عيني والدفع بجسدي، بلا تردد، نحو الطيران.
الزمن محنة المنكسر، وربما الخاسر. قد لا يعني ذلك الشيء الكثير بالنسبة للآخرين، لكنه يعني على الأقل، أن لا لحظة تشبه أختها في هذه السيولة الأبدية المستمرة .
« طبعا... لست صادية إلى كل هذا الحد، كما يتصورني الكثيرون من الذين يتوقفون فقط على حافة ما يحدث لي. لا أريد الشر لأي إنسان حتى ولو كان كائنا ورقيا، بل حتى ولو كان اسمه مريم، ولكني أعترف أني سجينة في الأعماق، كسمكة في عمق شبكة عمياء، تائهة كحيوان مجروح.»
قبل قليل كنت أشعر كأن داخلي كله تحول إلى كومة من رماد بلا هوية.
الآن هدأ كل شيء على الرغم من العاصفة الداخلية. حتى الحركة التي أجبرتني على التوقف عن الكتابة، انتفت. لم أعد أسمع شيئا. ظننتها في البداية حركة الذبابة الزرقاء بعد أن وقعت في كمين طبيعي، ولكني عدلت عن الفكرة، إذ عادت السكينة المفرطة التي لا تشوبها أية شائبة.
افترضت أن تكون أصداء حركة خارجية لقط ضائع، يبحث عن قليل من الدفء. لكن الهدوء الذي أعقب الحركة، جعلني أغير فكرتي، بل وحتى أنسى فكرة الحركة إذ لا تعدو أن تكون مجرد أحاسيس داخلية لا وجود فيزيقي لها. أو على الأقل هكذا أقنعت نفسي.
تراكمت كومة الأوراق والرسائل المحيطة بي، وكان علي أن أرتبها وأخلق بعض المكان على المكتب الذي لم يعد قادرا على التحمل.
بدأت أشعر بقليل من التعب، تناسيته بسرعة. كنت في سباق ضد الساعة، ولم يكن لدي خيار سوى أن أواصل. قضيتي عادلة. وعلي أن أوصلها إلى المنتهى.
تحسست الكمان من جديد. شعرت برغبة باطنية للتمدد قليلا على الكرسي القصبي، والعزف بلا توقف. سحبته من عمق المكتب، ووضعته عفويا بين الكتف والذقن، تماما كما كان يفعل والدي الذي مات منكفئا على آلته التي عشقها بجنون. لا أدري ما الذي ذكرني الآن بجون دومنيك بوبي الذي خانه جسده وهو في عز عنفوانه. لم يكن لجون دومنيك بوبي، حظ والدي في الموت الهادئ. فقد سجن في جسد ميت مدة طويلة، قتله بمجرد انتهائه من كتابة سيرته الذاتية برمشات عينيه، ومساعدة الممرضة التي تعاطفت معه حتى النهاية. أحيانا أقول إن العظيم ليس جون دومنيك لأنه لا خيار له داخل جسد متهالك، ولكن تلك المرأة التي سهرت معه طويلا، قبل أن تُخرِج من آلامه الصامتة كتابا، هز الأصحاء قبل أن يمنح المرضى قوة أخرى.
لم تكن جلستي مريحة، ولكنها كانت كافية بأن تمنحني فرصة الأنين الذي كان في رأسي، والارتباط بك حد الهوس. شيء ما أيقظ فيَّ أماديوس موزارت، ودفع بي نحو لياليه الهادئة.
وقفت. مشيت قليلا. أغمضت عيني قليلا. شعرت بالفضاء واسعا جدا، مخترقا بلمبات ونيونات من كل الألوان الخافتة. ثبتُّ الكمان من جديد بشكل أشعرني ببعض الراحة. كان عليَّ أن أملك القدرة على محو كل ما كان يحيط بي. الكمان لا يقبل إلا بالوضعيات المريحة ليتمكن من استدعاء كل الحواس الحية. ثم تركتني أتدحرج في آخر الليل، في عمق التمزق الذي احتل جسدي.
لم يدم الوقت طويلا. استحضرت بعض أناشيد الميلاد الحزينة، كانتو نيول . عزفتها براحة كبيرة. عندما انتهيت، شعرت بإحساس غريب من القوة وكأني لم أكم متعبة. استطعت في لحظات مسروقة، أن المس بحنان نادر، ابتسامة والدي سي ناصر الذي غاب ولم أسمع تنهيدته الأخيرة. هل كان أنيني يصل إلى مسمع الذين بدؤوا يستيقظون قبل غيرهم؟ لا أدري. السكريبتوريوم الذي أنا فيه مغلق من كل الجهات مثل البونكر .

-2-
تنفست ملء رئتي وكأنني أزحت ثقلا رماديا كان ما يزال يملأني.
وضعت الكمان على المكتب من جديد. وعدت إلى حركتي الاعتيادية.
الكمان الآن ظاهر للعيان، تنام بجانبه قصبته الجميلة، ليس بعيدا كثيرا عن المسدس الذي أصبحت فوهته مصوبة نحو الحائط. عندما دققت جيدا، كانت هذه المرة موجهة بالضبط نحو لوحة إتيان ديني ، التي جاء بها رياض من مزاد لا أعرفه. أسير الحب ونور العينين . لوحة العاشقين. رجل وامرأة من بدو بوسعادة. يسحب نحو صدره شابة نايلية جميلة وممتلئة إغواء، بعينين عاشقتين مليئتين بالنور والنداءات المضمرة. تحاول بلمسة الساحرة، أن تسكن غليانه بإشارة من إبهامها، لكي يمنح لحظتهما الجميلة وقتا ضافيا. تنتابني أحيانا رغبة اختبار ألوان اللوحة بأخذ عينة منها والذهاب بها نحو مختص لمعرفة تاريخها على الأقل! أنا لا أعرف أين يوجد الأصل، هل اللوحة التي في القبو، التي يبدو أن رياض قد أهملها قصدا في هذه الخلوة ليعطي لنفسه وقتا آخر قبل أن يبيعها في مزاد من المزادات السرية أو تسترجع بأمر من الكارتيل السري، أم اللوحة الموجودة في متحف أورسي ، في باريس، التي رأيتها في العديد من المرات؟ عندما سألته يومها لم يجبني بدقة، وفضل أن يغرق كل شيء في العموميات، كما تعود أن يفعل معي كلما تعلق الأمر بتجارته التي كبرت وتنوعت مع أعضاء الكارتيل السري. أعرف أنه يحضر بعض المزادات الوطنية والأوروبية والأمريكية وحتى الآسيوية المتعلقة ببيع اللوحات. هناك من يقول إن بعض أعضاء الكارتيل يقفون أيضا على رأس شبكات تهريب الآثار خارج البلاد. وانتبهت أيضا إلى أن المسدس كان موجها في الوقت نفسه، باتجاه كتاب اسم الوردة لأمبرتو إيكو الذي كان في نفس الامتداد المستقيم للوحة. علاقتي بالمسدس يشوبها شيء من الاطمئنان والخوف. لا أدري لماذا يلازمني كلما نزلت إلى السكريبتوريوم. أشعر بشيء من الخوف في غيابه معي، لكن برودته لا تريحني أبدا.
عدت إلى صورة والدي لأنسى المسدس البارد. كلما رأيت الكمان على هذه الوضعية الممتدة، رأيت سي ناصر في هدأته الأخيرة. في حالة صفاء كلي، على الرغم من حالة الحزن التي تنام بين ملامحه المتعبة. كنت في المدرسة، عندما مر علي خال أمي الذي أناديه خالي، وسحبني من الكرسي، بعد أن وشوش في أذن الأستاذة ببعض الكلمات. لم أتساءل، ولكني كنت أدرك بحاستي الباطنية، أن شيئا خطيرا قد حدث. سألت خالي وأنا أتلعثم وأبحث عن مفرداتي الضائعة:
- خالي! هل حدث مكروه لوالدي؟
- لا.. لا... ما تخافيش. لا شيء. يريد فقط أن يكلمك... أن يكلمك...
رددها خالي مرتين. عرفت بسرعة ما كانت تبطنه لهجته الخفية. كان واضحا أنه يخبئ شيئا خطيرا لا يريدني أن أعرفه. عندما دخلت إلى البيت، كان سي ناصر ما يزال منكفئا والكمان على صدره كما اشتهاه، وكما أوصى به قبل وفاته. لم أسال أحدا ولكني سألت والدي الذي تسمرت قبالته. عبثا ظللت أصرخ وأبكي: بابا اعزف لي نشيد البارحة، فقد أحببته لأنه يثير شيئا غريبا في حواسي. لم أسمع إلا تمزقاتي. احتضنتني أمي وخالها. بكيت طويلا قبل أن أنسى تلك الصورة الصعبة. فقد سرقت منه النوبات الأخيرة الكثير من حواسه وحدت من حركته. كان يتكئ على كمانه ويطلب مني أن أعزف له ما أشاء إلى أن ينام، أو يغفو.
كان الحزن كبيرا والفقدان فجوة يصعب رتقها.
واسيني كان متعاطفا جدا مع آلامي وأحزاني العميقة. ولكنه لم يفهم يومها لماذا بكيت بعد أن رأينا فلم السكافوندر والفراشة، عندما خرجنا من قاعة السينما. لم أقل له عن السبب، لكي لا أخسره متعة المشاهدة إلا عندما راسلته. ظل يكرر: ليلى حبيبتي، أرجوك؟ هو مجرد شريط سينمائي لا أكثر ولا أقل، قبل أن أرى الدمعات ترتسم في عمق عينيه هو أيضا وكأنه أحس فجأة بما كنت أحسه.
كان والدي قبلتي الوحيدة وسندي العظيم. لم يكن فقيرا، فقد ورث عن والديه مالا كثيرا وعقارات معتبرة. لم نجد في وصيته سوى جمل محدودة:
الكمان لحبيبتي ليلى. هي تعرف كيف تزرع فيه الحياة قبل أن تورثه لابنتها. البنات يملكن حاسة ضافية عن الأولاد: حاسة التوريث الجميل. الباقي لكم جميعا، أنتم أعرف الناس بتقسيمه وتوزيعه.
الكمان هش ويحتاج بقوة إلى تشغيل كل الحواس الحية في الإنسان, لا يمكنني أن أعزف به لحنا راقصا كما يفعل الغجر والإرلنديون. حواس الكمان رهيفة جدا، لا تتحمل الصخب. تعلمت هذا من والدي، ومازلت على رأيه.

-3-
ليعذرني واسيني مرة أخرى.
هو كاتب، ويعرف هبلي جيدا.
ثلاثون سنة وأنا امرأة الظل والصمت والورق. لا أمشي إلا على الحواف، ولا مخبأ لي إلا الورق، والظلال التي أتماهى معها بحيث لا أحد يراني، وأرى الجميع. يتحدث الناس عني، قصدي عن مريم، يشتهونني، يحبونني، يحسدونني، يكرهونني. الكثير من الرجال تمنونني في فراشهم، أو أما صالحة لأولادهم. الكثير منهم أيضا تمنوا أن يبوسوا الحجرة التي يرجمونني بها بحثا عن قبلة الجنة. الكثير من النساء حسدنني في حريتي، والكثير منهن أيضا رأوا نورهن الغائب وألقهن المتلاشي، في عينيَّ الهاربتين.
لكن، لا أحد منهم جميعا سألني من أكون حقيقة وسط هذا الكورس الجنائزي العظيم الذي تسجى فيه أحلامنا المنكسرة؟
لم أتحدث يوما عن نفسي كما يفعل جميع الناس العقلاء. هذه المرة بلغ السيل الزبى، وصممت أن أحكي عن جزء صغير من قلقي الذي عشته مع واسيني.
منذ أن اخترنا مسالكنا المختلفة للزواج، صارت كل حياتنا مسروقة ومليئة بالمخاطر والخوف، أصبحت أفراحنا وأشواقنا تحسب بالثواني والدقائق والساعات. لم يكن الحب سعادات متكررة، ولكنه كان ظلا ثقيلا يصعب حمله. ولا نتجاوزه إلا عندما تسرقنا مدينة جميلة في آخر هذه الدنيا الصاخبة.
أحيانا، عندما تنتابني الأحزان بقوة، أقول باسْطا من هذه الحياة المرهقة. باسْطا من هذا الحب الذي جعل من العذاب لازمة وقتية. الدنيا مع واسيني لم تكن كما اشتهيتها، ولكنها عاشتنا كما اشتهت هي، وبمنطقها المجنون، ولم تسأل أبدا عن أشواقنا واهتزازاتنا الخفية. فكلما صممت أن أتركه، زاد التصاقي به وكأني أتنصل عن عضو حيوي من أعضائي، وصمتَ كل شيء فيَّ وماتت إرادتي ونواياي. هذه المرة غيرت الإستراتيجية. فقد اتخذت قراري بتبصر كبير وتعقل وتفاديت الأحاسيس الطارئة، لأخرج نهائيا من شرط سيدة الظل الذي وُضِع لي. صممت أن أقول كل حرائقي الداخلية. لهذا، تحملت موت واسيني الافتراضي في غيبوبة تخيلته فيها غارقا بين حافتي الحياة والموت لكي أتمكن من استرداده عندما أنتهي من تصفية كل حساباتي. ليست صادية رخيصة، ولكن كان علي أن أفعل ذلك لكي أتخلص من كل هذا الرماد الذي بداخلي.
ومع ذلك كله، فأنا أعرف مسبقا أني لن أشفى من شهوتي للحياة وشغفي بها وجنوني. حتى هذا الموت الافتراضي كان عاجزا عن تعطيل حواسي الخفية التي كلما ظننتها اندثرت، وجدتها تنبض بالحياة حتى وأنا على الحواف الخطيرة التي تشبه الموت ولا تريد أن تنطق باسمه؟
كان واسيني بعيدا، وكنت أموت في العزلة والبرد، ضحية لامرأة خانت الخميرة والحلفاء، والورق ورائحة الحبر البنفسجي وطفولة الأبجدية، ولمسة العاشق الطيب الذي خطها ذات يوم من شعاع ظلَّ متقدا في عينيه.
هل بقي لمريم شيء تقوله بعد هذا الخراب كله؟

* * *



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-30-2009, 08:32 AM   #24
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من ليلي إلى سيني



من ليلي إلى سيني

حافتنا جميلة، لا تهدمها.

حبيبي.
سيني الغالي.
لم يقدني نحو هذه الحافة البحرية إلا أنت.
اشتقت إليك، فجئت مع عائشة من وهران إلى العاصمة، إلى بيتنا على الحافة البحرية، فقط لأشم رائحتك وأتلمس مسامات جسدك المتعب، وأغلق كل جراحاتك المفتوحة. أشتهي اليوم أن أكتب لك رسالة خطية بالحبر الذي نشتهي. البنفسجي. عطره يملأني الآن، ووجهك يجتاحني وأشواقك تغمرني. لا أكتب على الكمبيوتر هذه المرة. في خطي اليدوي شيء مني، وفي تطرف حبري الكثير من مزاجي.
لقد هيأت كل شيء للقاء بك هذا المساء.
هل أذكرك بما يربطنا، لكي لا تنسى أبدا؟
أرجوك افهمني بدل أن تحاكمني! أنا أيضا أشتهي أن تكون كل لحظات العمر التي نتقاسمها، جميلة. يا مهبول هل تدري أنك قتلتني بذلك الفلم الذي لم يترك في شيئا. كان يمكنك أن يختار شيئا آخر. فقد رأيت والدي وهو يموت أمامي. لم أكن أشاهد الفلم، ولكني كنت أعيش حدادا قاسيا لم يتم أبدا، وأعيش موت والدي الذي لم أره إلا منكفئا على كرسيه قبل أن يسجى. على الرغم من أني قلت لامي في ذلك الصباح، إني متعبة، ولا أريد أن أذهب إلى المدرسة، ولكنها ألحت علي أن أذهب وأن والدي بين يدي الله وبين دعواتها الطيبة.
كان وجهه كابيا ومنكسرا ولا أدري القوة الباطنية التي نبهتني إلى أنها المرة الأخيرة التي أرى فيها والدي ولهذا أصررت على أن اسمع أنينه.
كنت أنظر نحوك من حين لآخر، ونحن نشاهد الفلم وأستغيث بك، ولكنك أنت أيضا كنتَ تضع وجهك بين يديك كالطفل الحائر. اتكئ عليك برأسي وشعري لكي اخرج من الإسقاطات التي لا مناص منها. تقبل راسي، وتنكسر بجناحك علي قليلا، ثم تواصل المشاهدة بحيث لا أراك ولا تراني. مشكلة الفنون أنها عندما تتوغل في الأعماق، تلغي كل المسافات الفاصلة بين الخيال والحقيقية. كل شيء يصبح هشا. أتذكر كل كلمة قلتها لي ونحن نتحدث عن الحدود الوهمية بين الأشياء: أليس الخيال في النهاية إلا احتمالا آخر لحقيقة ممكنة حدثت في مكان آخر، ويمكن أن تحدث لنا؟
طوال الفلم لم أر إلا والدي وهو يتعذب في صمت قاس.
أغفو وأحاول أن أنسى كل شيء لكي لا ابكي. أحاول أن أضحك من حماقاتنا الصغيرة. كنا في فراشنا المسروق من حياة زوجية بالية ومكرورة وميتة، قلتَ لي يومها بالكثير من الهبل والجنون وأنت لا تدري ما كنت تفعله فيَّ: ليلي الحبيبة...
- لو كان قيس المجنون يعلم ما سيحصل بعده، وأني سأسرقك منه في غيابه، لانتحر بين يدي الله الذي سحبه نحوه قبل الأوان. أحيانا أشكر الله لأنه فعل ذلك في وقت مبكر ومنحني بعض الحياة ممزوجة بقدر كبير من الهبل.
- قيس! أحزن كثيرا لموته غير العادل. اشعر دائما بظلم سلط على عاشق ظن نفسه أنه استمرارية حية لأحزان قيس. كان ينقش أشعاره السرية على جسده بإبرة صغيرة، قبل أن يُغسل بمحلول سلخ جلده يوم موته. أشتهي أن يمنحني الله عمرا آخر لكي أتمكن من حبك أكثر فقط لتدرك أن امرأة مجنونة وضعت حياتها كلها في كف رجل هو في الأصل ليس لها وحدها. لن أتزوجك لأني أدرك اليوم، وأكثر من أي زمن مضى، أني إذا فعلت ذلك سأفقدك أو أقتلك. يكفيني أني سرقت منك أجمل هدية: مايا. الباقي لم يعد يهمني أبدا. ربما كان ذلك هو شرعيتنا الوحيدة في هذه الدنيا.
لن أطالبك حبيبي بفواتير الماضي فهي ثقيلة من الجهتين.
ماذا فعلتُ بك وماذا فعلتَ بي أيها الممحون المجنون؟
أيها النائي القريب أما آن لك أن ترتاح وتريحني معك؟ كنت أريد أن أنساك دفعة واحدة فوجدتني أتجرعك قطرة قطرة، بعد هذا العمر كله؟ بعد ثلاثين سنة من الخوف، ما زلت حارة كهذه الأرض، هل تريد أن أذكرك بما قلته لي يوما ونحن في مدينة لم يسرق العابرون أبدا بهاءها؟
- أحبك ولا شهوة لي إلا الموت بين ذراعيك، وتحت ظلال عينيك.
أيها المجنون ما أخطر ما كنتَ تقوله، ببساطة.
سعيدة أن الهروب الأبدي، أعادك إلي من جديد حيا وكاملا. كنتُ أظن أن الدنيا سرقتك مني وأن المنافي صنعت لك أعشاشا جميلة في مدن أخرى لم أعد قادرة على الوصول إليها، لكني كل يوم أكتشف أن قلبك ما يزال لي.
لقد نزل المطر هذا الصباح على حافتنا البحرية، وأرى السحب من هنا وهي تحاول أن تتنازل قليلا وتلمس هذه الأرض التي تعطش بسرعة. وأحس برغبة في لمس غيمة بنفسجية كانت معزولة عن البقية وقريبة مني. أشتهي سحبها نحوي ووضعها على رأسي، واعتصار كل المطر الذي يسكنها في العمق. ربما لأنني أشعر بالعطش أنا أيضا، مثل الأرض التي أنتمي إليها والتي نسيت حبيبي أنك اليوم خرجتَ من منفاك القسري، وأصبحتَ تتجول في الحديقة وترى الفراشات وألوان الله. أعرف أنك كنتَ ستختنق في اللحظة التي تشعر فيها أن حريتك سلبت منك. ينهيك الغبن قبل الموت نفسه. نسيتَ فقط حبيبي، في المرة الأخيرة، حينما احتضنتني، أن تمنحني قليلا من الصبر يجعل الأقدار أقل قسوة على هشاشتي.
سعيدة لأنك بخير، وحزينة قليلا لأنني ما عدت أملك إمكانات كثيرة لمقاومة غيابك. حتى رسائلك صارت تشبه البرقيات القديمة التي لا تجيب عن سؤال إلا لتتركنا معلقين داخل ألف سؤال آخر. وأتساءل الآن إذا بقي لك شيء تقوله لي، ومكان تأوي إليه لغتك التي أحب. ربما أتعبتك الدنيا فلم يعد فيها شيء يثير شهيتك، بما في ذلك أنا؟ ربما؟ لن اعترض، لسبب بسيط هو أن رهاناتي مع الله كانت قاسية، فقد طلبت منه فقط أن ينقذك من موت رأيته يركض نحوك بأقصى سرعة، وبعدها سأتحمل كل شيء، حتى فراقك. طلبت أن ينقذك فقط، ولم أطلب شيئا آخر، ولا حتى أن تحبني كما كنا نفعل في ليالي القدر، عندما كنا ننتظر أبواب السماء لكي تفتح علينا ونطلب من الله أن يجنن عشاقنا علينا. وعندما تسألني أمي: ماذا طلبتِ في ليلة القدر؟ أتلكأ ثم أقول لها: طول الصحة والعمر يا يما لك ولكل عائلتي، وحفظ والدي من أي مكروه، والنجاح في امتحاناتي وحياتي وأصبح عازفة كبيرة مثل والدي. تقول لي وهي منهمكة في ترتيب شؤون البيت: حسنا فعلتِ يا ابتني. والدي كان يقرأ كل شيء في عيني، ولهذا لم يكن يكلف نفسه بسؤالي، ولكنه كان يقول وهو يحك على رأسي: لا تكثري على الله من الطلبات وإلا سيعتبرك طماعة كبيرة. فتنزلق الإجابة على لساني: لم أطلب إلا طلبا واحدا. يضحك ولا يسألني لا عن طلبي ولا عن تناقضاتي الطفولية التي أشعر بها بعد فوات الأوان، ثم ينكفئ على كمانه وهو يتمتم: اسمعي هذه يا مايا، فهي على إيقاعك وميزانك: رمل المايه. وينغمس في إيقاعات مليئة بالحنين.
أشتاق إليك كثيرا، أكثر حتى مما تعنيه لحظة مسروقة. احتاج إلى أن أراك، واسمع صوتك وأشبع من ابتسامتك، واستمع إلى حكاياتك التي تروي دائما شوقا بعيدا أو لحظة منكسرة بدون أن تخسر وجهتها نحو سعادة محتملة. أحب أن أصغي إليك وأنت تتحدث عن صدفة أخطأتك. عن موت كان أكيدا ولكنك سخرت منه فهرب؟ احتاج إلى أن أضع أناملي المرتعشة على تفاصيل وجهك لأصدق أنك مازلت هنا، وأنك ولم ترتكب أية حماقة في حقي وفي حق نفسك.
يبدو حبيبي، أني أحتاج يوما إلى أن أنتفض ضد خشونة رأسك الذي لا يسمع إلا لسخريته من شيء لا يُسخَر منه. أعرف أنك مازلتَ تسهر وتشرب، كما في السابق على الرغم من نصائح الطبيب، وتحب الكتابة بجنون كمن يلتصق بالمستحيل، لقد صرتَ فيها وصارت فيك. ألم تفكر يوما أن الكتابة أيضا يمكن أن تتخلى عنك، وتنسى أنك أصبحت مهددا بشيء أكبر منها؟ طبعا لستَ في حاجة لأن تجيبني، أعرف أنك لم تطرح على نفسك هذا السؤال، وربما لن تطرحه أبدا لأنك على يقين من أن الكتابة هي الحياة والحياة ربما هي الكتابة أيضا، ولن تتخلصا من بعضكما البعض إلا بالموت. حتى وأنت تحت التراب، ستظل أيها المجنون، العبثي، تؤمن أن لا قوة قادرة على إرجاعك إلى لحياة سوى الكتابة.

سينو حبيبي.
ليس ضروريا أن تأتي إلى حافتنا السرية لنلتقي. المهم أن تكون بخير فقط. ليس المطلوب منك أكثر من ذلك. أضع قلبي تحت قدمي في هذه اللحظة، وأسحقه بعنف كي يسكن صوته، ولا يتدخل بيني وبينك، ويعطي للعقل مهلة، لأنني أفكر في نتائج العمى الذي قد نتصرف به أحيانا. أن تأتي إلى الحافة قبل أن تتعافى من المنفى تماما، يعني أنك تبحث عن انتكاسة أو عن موت مجاني. تخيل كل من سيزورك في سريرك مرة أخرى؟ كل من سيتصل بك من جديد؟ من المحبين والكارهين والممثلين، وما أكثرهم؟ سيكون عليك تحملهم. هل أنت مستعد لذلك من جديد؟ الناس هنا أغبياء بالفطرة، مثلما هم طيبون بالفطرة، ولذلك سيقتلونك بطريقتهم التي لا تعرفها ولن تعرفها لأن مخك أكبر من هذا النظام القلق الذي أعرفه جيدا. إذا كان لديك شيء ما يشغلك أخبرني به وسأؤديه لك. فأنت لست بعيدا عني إلا بمسافة نبضة قلب فقط. حتى ولو طلبت مني أن أقول لامرأة ما، أنك تحبها وتشتاق إليها، سأفعل؟ عجبتك هذه؟ جاتك على قلبك؟ لا تصدق. والله ناكلك؟ أنا لست جادة. وإذا فعلتها من ورائي، سأستقل أول طائرة إلى باريس في مهمة نبيلة لخنقك أمام الملأ بأطول قبلة وأشد ضمة. إوْعَ... قلتها لك من قبل ولن أمل من تكرارها.

سينو الغالي.
أرجوك. الحياة ليست سيئة إلى هذا الحد. ابق حيث أنت ولو لمدة قصيرة، حتى ترتاح من هزات هذه الأرض القاسية. سأقبل بغلق مكاننا الجميل على أطراف البحر: الحافة كما تسميها، مقابل أن أراك في المرات القادمة، مليئا بالنور والحياة والحب. أنا لم أتعود عليك بغير هذه الصورة. بقاؤك هناك، يعني أن تكون بخير ولديك أغلى شيء على قلبك يمكن أن تقوم به، الكتابة. ولذلك بإمكانك أن تخترق النكد والرداءة، وتصنع عوالمك كما تشتهي دون أن يمنعك أي شخص من ذلك. الرواية التي حدثتني عنها، تستحق أن تكون شيئا جميلا يمنحك استقلالية وبعدا عن واقع أعرف أنك لا تحب البقاء فيه لوقت طويل. والطفل الذي في داخلك يرفضه بشدة ويحرن في الركن، كلما رفض عقلك الحي الذي صار ولي أمرك الحقيقي، أن يمنحك ترخيصا بالسفر نحو الحافة، كمن حرم من لعبة يشتهيها. ابق حبيبي واسمع لداخلك، ولا تكن مجنونا. الحياة لمسة، علينا أن نديمها قدر ما نستطيع، وأن لا نخسر دفئها بلحظة جنونية طارئة وإدمان مفرط؟ طريقتك التي انتهجتها ليست سيئة، تأتي لمحاضراتك القليلة التي تجمعها على مدار أقل من أسبوع وتعود. الوضع كما رأيت في المرة الماضية، بدأ يتحسن، ولكنه خادع أيضا، وهو ما لا تريد رؤيته.
وأنتِ؟
تسألني عني أنا؟ فلست بعيدة عنك ولا تحتاج لسفر أو لطائرة، لتراني. تلمس فقط قلبك وستجدني بالقرب منك. أغمض عينيك وستراني كما تشتهي تماما، ممتلئة كحبة مطر، تنزل على جبهتك، وتسيل على أنفك ثم شفتيك، ثم كامل جسدك، وتشعرك بأن الحياة ما تزال مستمرة، وتغسلك من كل الحزن والخيبات، وتشعرك بقليل من الرعشة التي نحتاج معها إلى حضن دافئ. أنا حبيبي، لم أعد بعيدة، لقد صرت فيك وبإمكانك أن تستحضرني متى أردتَ.
أشعر أني أثقلت عليك كثيرا، وأني أطلت بعض الشيء، عذرا، رغبتي للكتابة إليك أصبحت لا تقاوم. مثلك، أصبحت وسيلتي لأبادلك عزلتك ووحدتك. ربما لأنني حزينة قليلا ولا أدري لماذا بعد أن منحتك الأقدار الطيبة أحيانا، قدرا جديدا وجميلا. وربما لأنني أمارس التعويض الوحيد الذي أملك هو حبك، وحبك دائما، وحبك إلى الموت فيك لأشعلك من داخلك. لا تكلف نفسك مشقة التساؤل، أحبك وأريدك أن تعرف أن لحظة حزني هذه، عابرة، لأنني بعد قليل، سألوم نفسي كثيرا عليها. المشكل في الكتابة هو أننا نتحايل لنكتب عمن نحب، خصوصا في حالة شبيهة بالحالة التي نعيشها.

سيني الغالي...
لا ترهق نفسك أرجوك. فكر فقط بالسعادات القادمة. اهتم كثيرا بنفسك، وبقلبك، وبأشواقك الجميلة، من أجلي. وهران لم تتغير كثيرا، وبحرنا على الحافة ما يزال كما في بدء الرحلة، عفويا ومدهشا. عندما نلتقي، في الأيام القادمة، تنتظرك مهمة خطيرة وثقيلة، هي إسعادي. عليك أن تكون بصحة جيدة، حتى تنجح في ذلك. وين تروح مني يا دينك؟ فقد ربطتك إلي بسحر لا يفك؟ استسلم، فلا حل لك في الدنيا سوى أن أراك سعيدا. دع قلبك يرتاح قليلا. منفاك ليس إلا صرخة تنبيه لتحافظ على نفسك، عليك أن تصغي لها بقليل من الحكمة، ولو أني أعرف سلفا أنك تقرأني وأنت تقول في خاطرك: أية امرأة هذه؟ كيف أصبحت هذه المجنونة عاقلة فجأة؟ أصبح عاقلة من أجل الحفاظ عليك. إدامة حبنا إلى الأقاصي، ولو كان ذلك على مهاوي الحافة. أنا سعيدة بذلك. المهم أن تظل حيا. وكلما حزنت وشعرت بقهر الدنيا، سافرت باتجاهك أو طلبت منك أن تأتي، لا لشيء، فقط لأسند رأسي على صدرك الواسع، على الجهة الأكثر هشاشة وإحساسا، اليسرى، وأعود في اليوم الموالي إلى موتي المتواتر. هل يكفي هذا لإقناعك بأنك تعني لي الكثير؟ حياتك حياتي؟
ملاحظة: لقد قضيت الليلة في بيتنا في الحافة. البحر جميل ومدهش بسكونه غير العادي في مثل هذا الفصل. أنا أجلس بجوار المدفأة القديمة. في الزاوية التي تسميها زاوية القطط، لأنها الأكثر دفئا. دخلت من الخارج مبللة من رأسي حتى قدمي، على الأقل هناك سماء رحيمة فوق رؤوسنا. اشتهيت أن أبعث لك برسالة جميلة، مبللة بقطرات الحافة وملح البحر. من حين لآخر نشتهي أن نكتب بالقلم، وبالحبر البنفسجي ونشم رائحته المدهشة، فهو يحسسنا بوجود غريب على العكس من ألوان الكمبيوتر، فهي جميلة ولكنها بدون عطر ولا رائحة.
اخبرني عندما تصلك هذه الرسالة، ولا تضحك مني. أحبك.
عمري لك، وقلبي معك.

الجزائر العاصمة، على الحافة البحرية، شتاء 2000



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 12-03-2009, 02:59 AM   #25
معلومات العضو
فادي فوزات شنان
شاعر

الصورة الرمزية فادي فوزات شنان


إحصائية العضو





من مواضيعي

فادي فوزات شنان غير متصل


الأستاذ الكبير و الروائي ال هام
واسيني الأعرج
كل عام و أنت بألف خير !!
فادي فوزات شنان غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 12-06-2009, 08:17 PM   #26
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل




05h 17mn 33s

-1-
الآن فقط انتبهت لشيء غاب عني منذ بدأت أنظر إلى الساعة.
كلما رفعت رأسي وجدت رقم سبعة مرتسما في مكان ما، في الساعات، أو الدقائق، أو الثواني؟ هل هو رقم الشؤم؟ الغرابة؟ الخوف المبطن؟ الغموض؟ أم رقم الصدفة الذي لا معنى له؟
لا شيء وليد الصدفة، ولكن عليَّ أن أعترف بأن المهمة تحتاج إلى تركيز أكثر. يجب أن لا أهتم بهذه التفاصيل لدرجة الإغراق والهوس، وأركز أكثر على ما أنا من أجله هنا. فأنا في النهاية اخترت هذا المسلك لحسم شيء ينخرني من الداخل. كل شيء جاء عن سبق إصرار وترصد. وأدرك جيدا تبعات ذلك، القانونية والأخلاقية والحياتية.
« أريد أن أصرخ بأعلى صوتي، ملئ قلبي وذاكرتي: يا يمَّا! لقد تعبت من الظل القاسي الذي يتمدد كل يوم قليلا فيَّ، حتى ابتلعني وبدأت أختنق فيه. »
هل ما أنا بصدد فعله، جنون؟ أليست رسائلي أيضا؟
بعد الذي حدث، مستعدة لتحمل النتائج الوخيمة المترتبة عن فعلي: نشر رسائل حميمية بكل أسرارها، وحماقاتها وهوامشها. بطلاها في النهاية شخصان من لحم ودم وهواجس وكوابيس، وليسا مجرد لغة منزلقة كشعاع شمس، كلما حاولنا القبض عليه، هرب منا. أنا وواسيني. الرسائل دليل قاس على أن ما حدث لم يكن لعبة لغوية عفوية ولكنه حقيقة مرة ولذيذة.
نسيت أن أقول، أن ما يخفف من خوفي ومسؤوليتي، هو أن بعض هذه الرسائل سبق أن سربه واسيني في رواياته بعد أن حوره بالإضافة والنقصان. كما شاء. لكي يحافظ على توازنات خاصة، وحده يعرف أسرارها، ويجعل مني ما لم أكنه في الحقيقة: امرأة ورقية مليئة بالاستكانة والعقل والجنون.
لست أكثر من امرأة عادية تحاول يوميا رفع الرجل الثقيلة التي وضعت على ظهرها وأُجبِرت على تحملها: مريم.
لست امرأة من ماء وصمغ وحبر وخميرة معجونة حولت إلى ورق!
لست هواء متسربا من فجوات الشقق الموصدة. لست عطرا يُشم من بعيد ويَسحب وراءه خيطا من الشهوانيين. لست لمسة فجرية، ولا همسة طير تائه في سماء وردية. لست ملاكا، كلما أحس بالألم نام على جناحيه. لا شيء أنا، سوى امرأة من جنون وفتائل القنابل الموقوتة, هشة مثل غيمة، تحب حد الجنون، تكسر بلا ندم كل من يسرق طفولتها، تشتعل غيرة كلما فضل عليها حبيبها امرأة غيرها.
ثلاثون سنة ونحن ننهب من الحياة حقنا في العيش سرا، وتسرق منا الصدف القاسية نسغنا الجميل. دخلنا في نفس الفراش مئات المرات. في كل مرة كانت اللذة استثنائية، لأنها كانت منهوبة ولم تكن مستهلكة. كان الموت يتهددنا بلا رحمة في الحافات المختلفة. كان يمكن أن نسرق من الحياة القاسية عرشا من الأطفال. أبدعنا في كل الحماقات. وأعتقد أن الشيخ النفزاوي بكل مخياله الواسع، والسيوطي بأغلفته الفقهية وصراحته، والتيفاشي بهبله، وغيرهم، كانوا تلاميذ صغارا أمام جنوننا الذي لم يكن له حد يوقفه. حاربنا صدام الحضارات بتقريب شقة الجنون الغربي والشرقي وابتدعنا صيغنا الخاصة. الكثير منها غير معروف، يحمل ختمنا السري الذي لن نفشيه لأي عاشق: ماركة مسجلة ابتدعتها مخيلتنا، وسنأخذها معنا نحو القبر. أنانية! هي كذلك. ليكن.

-2-
اكتشفت في نفسي مواهب غريبة لم تكن لدي من قبل، أو على الأقل لم أشعر بها قبل أن نفجرها في بعضنا كالألغام اللذيذة والقاتلة.
لم تكن حياتنا المشتركة خسارة دائمة على الرغم من شططها القاسي.
لم تكن رسائلك قاسية بقدر ما كانت تعيدني من حين لآخر إلى حالة غريبة من الصفاء المذهل الذي كنت أفتقده.
سافرنا عبر العالم، ولم نسأل عما يمكن أن يحدث في غيابنا. ورجعنا، ونحن ما نزال مصطولين من دهشة ما عشناه: هل كان حلما أم حقيقة؟ زرنا مدنا كثيرة، ومتاحف لا تحصى. وكتبنا نصوصا مشتركة لم ينشر أي منها. بل أننا وجدنا لغتنا التي تحمينا من سلطان العيون الهمجية. كل شيء مارسناه ونحن في قمة الرغبة المحمومة للتكرار، ولم نشبع يوما من بعضنا البعض. كلما التقينا، شعرنا بأن الجوع الذي فينا أكبر من أية قوة بشرية. لدرجة، أني كنت أشعر بإعجاب كبير عندما كان واسيني يُسأل في الندوات والملتقيات: من هي مريم التي تتكرر في كل أعمالك؟ من أين جاءت؟ ما سرها؟ هل هي إنسان حقيقي أم مجرد شخصية ورقية؟ فيجيب الصحفيين باستعارة إجابة فلوبير الملعونة، عندما سئل عن مادام بوفاري، فقال: مدام بوفاري هي أنا، مرتكزا على ما قاله قبله لويس الرابع عشر، ملك فرنسا عندما قال: فرنسا هي أنا. كان واسيني يبتسم بإشراق قبل أن يجيب: مريم هي أنا.. مما يدل على أني أصبحت في دمه. حالة من الحلول.
كنت أسعد امرأة في الدنيا لأني كنت أعرف جيدا أن لا مريم غيري. حتى ذاكرته الطفولية كانت تضحكني أكثر مما تؤذيني. قبل أن تسطو مريم على كل شيء جميل فيَّ وفيه أيضا. ربما كانت تلك أجمل صورة أحسستني بأني أصبحت شيئا آخر غير ليلى المبتئسة التي كانت تعيش داخل فشلها العاطفي المتكرر.
«لكن... أجمل الغيوم وأحلاها، قد تكون أحيانا فارغة وجافة.»
إصراري على الحياة منحني حقي في الجنون، ميراثي الوحيد من حياة كانت مليئة بالعواصف والانكسارات والأحلام التي ظلت معلقة في الفراغ.
كانت المدن الجميلة ملجأنا الرائع، وهي التي أصابتنا بعدوى الأسفار.
سافرنا بلا هوادة على الرغم من عيون العسس. كنت أخاف عيون الكارتيل المبثوثة في كل الدنيا. ارتدنا مسارح المدن الأنيقة، والمسارح الذهبية الجميلة التي أغرقتنا أنوارها. ذهبنا إلى الأوبرا التي قادني هوس واسيني وجنون والدي الرائع، نحوها، لأصاب بنفس مرضهما. لا أمارس حبا، ولا تستيقظ شهوة جنوني إلا على الموسيقى السيمفونية. عوداني على الهبل ثم القيا بي في فراغ التيه.
شاهدنا الكثير مما أنتجه فنانو هذه الأرض الطيبة وهم في قمة ألقهم. الموسيقى عطاء استثنائي، نفَس الآلهة في لحظة توحدها مع مخلوقاتها: من حلاق أشبيليا لروسيني في روما ذات شتاء جميل وساحر، وعصفور النار، لسترافانسكي، بالمدينة نفسها. كنت سعيدة على الرغم من أني عدت بفجوات كثيرة في القلب، وبأسئلة لم أكن قادرة على فهمها ولا هضمها. لم يقنعني واسيني يومها بعلاقته بالشابة الروسية آنيا التي شغلني تعلقها به. كلامه عن آنيا كان عاجزا عن أن يخبئ سرا أبيض. الناي المسحور لموزارت، في فينا التي كان دفؤها لا يضاهى. طوسكا لبوتشيني في المسرح الملكي باستوكهلم. تريستان وإيزولد لريشارد فاجنر، في أوبرا بايروت بالمانيا، التي جننتني وذكرتني بحماقة نيتشة الذي ظل معلقا بين عشقه لكوزيما وقداسة فاجنر العالية. وكارمن لبيزيه، في أوبرا غارنييه بباريس. ولا أعتقد أن إنسانا أصيب بها مثلما أصبت بها بقوة وجنون. عايدة لفرديي في الأهرامات بالقاهرة. لاترافياتا في لاسكالا بميلانو. بحيرة البجع لسترافنسكي، في أوبرا فينيسيا. البؤساء في برودوي نيويورك. شيكاغو في أوبرا سان فرانسيسكو. الفصول الأربعة لفيفالدي التي رأيناها في أوبرا كوبنهاجن الجديدة، على حافة الماء. وشهرزاد لريمسكي كورساكوف، في موسكو، في مسرح البولشوي الأحمر...

-3-
أتذكر الآن، وكأن اللحظة هي التي استرجعتني بكل قوتها وحيويتها.
كنا في روما، مازلنا تحت وقع سهرة عصفور النار لسترافانسكي التي أدرج فيها طريقته الخاصة في استعمال الكمان، أو ما كان يسميه سي ناصر، بالانزلاق الهارموني Glissando harmonique، التي كانت تقتضي انزلاق الأصبع على الوتر بدون ضغط. الأصبع يلامس قليلا الهارمونية الطبيعية للوتر فقط. استعمله سترافانسكي لتقليد صوت العصافير، وقد نجح في ذلك، إذ أعطى الانطباع بأن الأصوات المتناغمة كانت حقيقية، ولم يلجأ أبدا إلى المؤثرات الصوتية الخارجة عن الموسيقى. الأوبرا ملأت ليلتها خواءنا وحزننا. دخلنا بسرعة في سحرها. كنت حزينة ومذهولة في العزف الخفي على الكمان. أشعر أحيانا أن في صوت الكمان شيء مقدس وحزين أكثر ارتباطا بالفقدان، لا أعرف مصدره ولكني أحسه بقوة. كنت أرى نفسي في السهرة، في غيبوبة. الكثير من المقطوعات كنت أحفظها عن ظهر قلب. لم أكن قادرة على الانفصال عن والدي، سي ناصر الذي كان يقبض على يدي وأصابعي الرخوة والناعمة، ويوشوش في أذني بصوت يشبه الهمس، ويعيد علي ترتيب الأصوات والأوتار في الكمان، ويحذرني من التسرع الذي يقتل الإيقاع لأنه لا يعطي للنوتة حقها الطبيعي:
- هكذا عمري. بهدوء. هذا هو نظام الأوتار.



كان همس والدي مثل اللغة التي تلتصق في اللحظة نفسها بالقلب.
- عندما تسرعين في الخروج، تجرحين ليس فقط الخيوط، ولكن النوتة أيضا. السلاسة والإشباع هما الأساس في الكمان.
كان الأمر يبدو لي مستعصيا في البداية، ولكن مع الزمن، وبفعل الاستماع إلى نصائح والدي، أصبحت الأمور أكثر دقة ووضوحا. كنت أدرك بحواسي جوع النوتة وشبعها، بمجرد تمرير القصبة عليها.
كانت ليلة روما مذهلة، على الرغم من أننا في لحظة من اللحظات، الكثير من الأشياء اهتزت. كنت مشتاقة له كثيرا ولم أكن مستعدة لتقبل أي شخص يعكر صفونا. من أجل عيش جنوننا، قفزت فوق كل الحواجز الخطيرة، فقط لأكون معه وله وحده، في تلك الليلة. لم يكن قادرا على استيعاب ذلك، لأنه كان يتحرك بحرية أكثر، ولم يكن بمقدوره أن يدخل في جلد امرأة متزوجة. جئت من أجله بعد أن تركت ورائي كل شيء. في الأصل، كنت في برلين مع الفرقة الفيلارمونية الوطنية. من هناك اصطنعت فرصة الهرب نحوه لأسهر معه ليلة في أوبرا روما، ثم أعود في اليوم الموالي. المسافات في أوروبا سماعية أكثر منها حقيقة. كل شيء بدا لي ملتصقا وقريبا. استغليت الفرصة لأساله عن آنيا، طالبته الروسية التي تحضر معه دكتوراه وتساعده في عمله في الجامعة. التصقت به كظله، منذ تلك الأيام الصعبة. تجرأت على فعل ذلك، لأني رأيت ليلتها في عينيها بريقا من العشق لم تستطع إخفاءه عني. لم تكن في روما فقط لرؤية أوبرا عصفور النار، مع أستاذها وصديقها؟ واسيني نفسه حدثني عنها كثيرا وعن مكانتها في حياته، وعن جنونها على الأوبرا التي أكلت كل مالها. ولكني كلما تأملته عميقا، رأيت علامات الإحراج في عينيه. فجأة علتني، في تلك الليلة، غيمة كثيفة اسودت بسرعة، كانت تشبه كثيرا غيمة المراهقة. في الحقيقة كنت أطالبه بتوضيح شيء كان مبهما في داخله. هو نفسه لم يكن يعرف تفاصيله الدقيقة، ولم يكن يفهم تحولاته. ذهبت من الطرقات الأكثر اختصارا:
« - هل تحبها؟
- ليلي... عمري... هل جننتِ؟
- سألتك سؤالا محددا. هل تحب آنيا؟
- لو كان ما تظنين، ما قدمتها لك منذ أول مرة عندما كانت آنيا ما تزال شابة، في مقتبل العمر، ومليئة بالموسيقى والرغبة في الحياة؟
- وهل انتهت الآن رغبتها في الحياة؟
- ليس هذا قصدي. لها الآن حياتها الخاصة. جاءت مع صديقها أوليغ لرؤية عصفور النار.
- لن تقنعني بأنها لا تحبك.
- ... ... ...
- تريد الصراحة... لم أعد أعرفك عمري؟ من تكون؟ أصبحت غامضا إلى أكبر الحدود؟
اهتز بقوة كمن تلقى فجأة طعنة سكين:
- أنا؟ بعد كل هذا العمر تسألينني من أكون؟»

اكتشفت ليلتها أن كل شيء فينا كان شديد الهشاشة والعطب. كنا مرضى ببعضنا البعض إلى أقصى الحدود، ولم نكن ندري. لم تكن الغيرة التي أبديتها إلا حالة حب ينقصها قليل من العقل. لم يخطئ نيتشه عندما اعتبر الحب وباء نرفض الاستشفاء منه، ولم يخطئ ابن حزم عندما اختصر المسافة بينه وبين الموت، وفهمت جيدا لماذا نقول: نموت عليك، عمري. أحبك موت، كلما اعترتنا رجفة عشق متطرف.
في لحظة ضياع لغوي، كنت أريد أن أعرف من يكون واسيني بعد كل هذه السنوات من التيه؟ وهل غيرت المسافات أشواقه نحوي؟ كيف كنت أبدو له؟ وماذا كان سيحدث بيننا لو كنت أسحب ورائي رجلا، أقدمه له كلما التقيت به، أنه طالبي؟ لم يكن قصدي طبعا أني لا أعرفه، ولكني لم أعد أعرفه بسبب ما كان يحدث بيننا من تكسرات وخوف ومسافات تزداد كل يوم قوة وخوفا. كان سؤالي بريئا مثلي، وربما ساذجا إلى أقصى الحدود، وناتجا عن حالة غيرة ركبتني فجأة من امرأة جميلة، كل شيء فيها ينضح بالحياة والحب، حتى في الطريقة التي كانت تودع بها واسيني قبل أن تعود إلى نزلها مع صديقها أوليغ؟ لم تكن آنيا امرأة عادية، ولم يكن سؤالي له ليلتها مليئا بالفلسفة والكلام الزائد. مجرد إحساس بحريق داخلي كنت عاجزة عن كتمه. ربما كنت سخيفة بسؤالي، لكني كنت أيضا صادقة. أعتقد أني أعرف واسيني أكثر مما يعرف هو نفسه. المدن المشاكسة التي كبرنا في أحيائها القاسية ودروبها،علمتنا أن لا نحب فقط بعضنا، ولكن أن نتعلم كيف ندافع عن هذا الحق الذي يعيشه الجميع، ولا يعترف به أحد؟ غرابة؟ نعم. ولكنها حقيقة مرة أيضا؟
هل أقولها! كانت جميلة وغضة، وكنت خائفة من أن تسرقه مني.
عندما أدركت حماقتي، اعتذرت له.
«- سورِّي عمري، أعتذر يا روحي. لم يكن قصدي أبدا.»
لم أكن أريد أن أخسر ليلة روما ولذة عصفور النار. لست أدري ما الذي ذكرني بروني شار. تمتمت في أذن واسيني وأنا أحاول أن أسترجعه إلى أنفاسي ودفئي. كان صامتا كالندى، وحزينا كالوحدة:
«- اسمع حبيبي. اسمع عمري، هذا كله لك. أنا طائرك.
Au plus fort de l'orage, il y a toujours un oiseau pour nous rassurer
C'est l'oiseau inconnu. Il chante avant de s'envoler ».
ليلتها لم يكن واسيني كما اشتهيته في عصفور النار، حبيبا شبيها للأمير إيفان تزاريفيتش، ولم أكن حبيبته زاريفنا zarevna، التي أثارت شهوته، فركض وراءها ليلا، في غابة مسحورة، وكاد أن يتحول إلى تمثال، مثل من سبقوه، يؤثث قصر الشرير كاشتشاي kachtchei، لولا تدخل عصفور النار ذي الأجنحة الآجورية الواسعة. فقد أخلط وجود آنيا كل شيء. وقفتْ ليلتها بيني وبينه حتى في الفراش. رأيتها تعانقه وتمص لسانه وشفتيه. لأول مرة أخاف من وجودها بجانب واسيني. كانت جميلة وساحرة مثل جنيات سترافانسكي، تعرف كيف تنوم معشوقها للإجهاز عليه نهائيا. تملك أداة الغواية: جسد غض يركِّع كل ذي سلطان.
كانت تحبه، ولم يكن قادرا على إقناعي بغير ذلك.
واسيني لم يحدثني ليلتها عن بالي عصفور النار الذي امتلأنا به طوال فترة المشاهدة، ولم يجبني عن جوهر سؤالي عن آنيا، ولكنه دخل في كآبة وعزلة لم أعهدهما فيه من قبل.
كانت سطوة الخيبة والحيرة كبيرة.
سمعت تمتمه تأتي في آخر الليل، من نفق بعيد، من قلبه المنكسر:
- متعب، أريد أن أنام.
وكان عليَّ تغيير نظام الليلة كله. لم أكن أشتهي العودة إلى برلين بشبح آخر في حقيبتي اسمه آنيا. لم أكن قادرة على ذلك أبدا. دخلت روما ممتلئة بواسيني، وكان عليَّ أن أخرج منها بنفس الإحساس وإلا سأموت.
سألته وأنا أتفرس ملامحه وأعبرها برؤوس أصابعي وكأنها أجنحة فراشة هشة، كنت خائفة من تفتيتها وبعثرتها.
- انس ما قلته لك حبيبي... لا أريد شيئا سوى سماع قلبك وهو يدق ولا يتوقف عند التفاصيل العابرة. ليلتنا أكبر من كل هذا القلق الشقي. احك لي عن حبيبي الذي بعت كل شيء من أجل أن أربحه. عن واسيني العنيد الذي اكتشف فجأة أن الصدفة مثل القدر، تصنع مساراتها خارج شهواتنا. احك لي عن حبيبي الذي يرفض أن يكبر ويصر أن يظل لزعر الحمصي الذي يفرح كل صباح وهو ينظر إلى الشمس بعينين مفتوحتين، فقط ليثبت لها أنه قادر على النظر فيها بعينين مفتوحتين حتى ولو جرحتهما الأشعة. احك حبيبي... حبيبي... ولا تلتفت لهبلي، فهو يقتلني قبل أن يحزنك. انس غيرتي فهي ليست إلا صورة أخرى لذلك الجنون الذي يشتعل في داخلي من أجل حبك... وحبك دوما. هل تدري أني كل صباح عندما أفتح عيني، لا أنظر للشمس بقوة لزعر الحمصي، ولكن أسجد عند قدمي الصدفة، أقبل رجليها ويديها، أظللها بشعري الطويل ضد الرعود والشمس القاسية، وأشكرها فقط لأنها وضعتنا في نفس المسالك... احك يا لزعر الحمصي... احك حبيبي... طفولتك أكثر حكمة من حماقاتي وغيرتي.
لأول مرة، أرى ابتسامة حزينة ترتسم، تتشكل بلون اللمبة الخافتة، وبأنوار الشارع الخارجية التي انكسرت قليلا على شفتيه.
وقتها... ووقتها فقط شعرت بأتي كنت بصدد الانتصار على الصمت.

* * *

واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 12-06-2009, 08:19 PM   #27
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل


من سين إلى ليلى



من سين إلى ليلى

هذا أنا، وهذه ذاكرتي المشتعلة.


ليلي!
فكرت في كلماتك الطيبة، وفي ليلة روما، كثيرا.
ماذا حدث لك؟ هل كان من الضروري أن نفترق على كسر عميق؟ ألم تكْفينا الكسورات القديمة التي تؤثث ذاكرتنا المتعبة؟
بعد كل هذا العمر من الشجن والمنافي، تسألينني من أكون؟
لم تكن آنيا أو الجنية المسحورة كما تسمينها، إلا مطيتنا لإعادة اكتشاف أنفسنا المرهقة والبحث عن ظلالنا المفقودة. لم تكن آنيا لوحدها ولم تأت من أجلي، ولا حتى من أجل أوليغ. ليس صعبا عليك أيتها الغالية أن تتخيلي أنه يمكن لامرأة مجنونة أن تترك كل شيء وراءها، بما في ذلك عملها من أجل ساعتين من المشاهدة. امرأة خارج منطق الأشياء. لو لم تر أوبرا عصفور النار، في طبعتها الجديدة، لانتحرت. قد أبالغ، ولكني لست مخطئا.

ليلي الحبيبة...
- تريد الصراحة... لم أعد أعرفك عمري؟ من تكون؟ أصبحت غامضا إلى أكبر الحدود؟
هل تدرين وقع ما تقولينه؟ لماذا لم تطرحي عليَّ هذه الأسئلة في وقتها، يوم التقينا لأول مرة؟ ربما كانت الإجابة أهون وأكثر امتلاء؟ كنت ممتلئا بك وأنا استقبلك في المطار وأنت قادمة من برلين. كنت في داخلي غير مصدق؟ هل سأرى الليلة ليلى؟ كنت خائفا من الموت من دهشة رؤيتك واللقاء بك.
لست أكثر من الطفل الذي تعلق بك فجأة، ثم وضع بين أناملك الناعمة رسالة. مجرد أحرف مبهمة، ثم هرب خوفا من مواجهة رفضك.
تريدين أن تعرفي كيف يدق القلب من أجلك؟ من أين جاء ذلك الطفل المجنون الذي وضع حياته كلها بين يديك؟ أي عطر يحمل في كفه، يزرعه على جسدكن كلما التقى بك، ليدخلك في دواره المستمر؟
ليكن عمري، ها أنا ذا أنصاع لسؤالك قبل أن أنسحب من عينيك كما فعلت الأنوار والألوان والأحلام والعصافير من قبلي. أشتهي اليوم أن أضع بين يديك ذاكرتي المشتعلة التي ترفض أن تذبل, أن تروضها الأقدار لإطفائها نهائيا، ربما وجدنا سبيلا جديدا لإيقادها وإيقاظها من سهوها وسباتها المزمنين.
قلت لي في آخر الليل، في روما، وأنت تبحثين عن كلماتك الهاربة، أن أعيد على مسمعك حنيني المسروق وشدوي. بعدما سكنتِ، قلتِ لي مثل الطفلة الصغيرة، احكِ لي قليلا عن نفسك قبل أن يأتي غيرك ويسرق ألقك وعنفوانك الجميل ويروضه كما يشتهي. قلت لك من أين أبدأ هذا الخوف الذي فيَّ؟ قلتِ: من حيث تكون قريبا من أنفاسي فقط. قلت: أنا الآن صرت قريبا منك. قلتِ: ليس بالشكل الذي يجعلك فيَّ.
صمتُّ. فقد وضعتني بين شعلتين حارقتين. نار الشوق إليك والالتزام بالحقيقة، ونار الخوف عليك من جنونك التي كانت تزداد كل يوم اتساعا فيَّ.
أخطر الأشياء هي البدايات لأن عليها تنبني الأسئلة التي تخبئها الأقدار. لا أعرف بالضبط من أين أبدأ وكيف أعرف كل مسروقاتي وصدفي الجميلة؟
أنا بالفعل ابن الصدفة.
ضحكت وأنت تمدين رأسك إلى صدري:
- احك عمري... احك... ربما قربتنا الحكايات أكثر من معاشنا القاسي.
تتزاحم الآن في ذهني كل الأشياء دفعة واحدة كما في لحظة الموت الأخيرة.
هكذا ينتهي كل شيء في رمشة عين ليصبح مجرد نثار في الذاكرة...
كانت المقبرة ضيقة كوطن، والربيع لم يكن ربيعا.
فتحت عيني عن آخرهما، لكي أشبع من الألوان ولكي لا أطلب شيئا يوم أموت.
لأول مرة ينتابني هذا الشعور وأنا أقف أمام الموت الذي أصبح له جسم وفضاء واضح. شيء غامض كان يشتعل في داخلي كالحرائق الخفية، لم أكن قادرا على مقاومته لأني كنت عاجزا عن فهم أسراره.
« هكذا يأتون... وبصمت يذهبون... ثم لا شيء. لا أحد يسأل عنهم، كأنهم لم يكونوا يوما ما. إن الموت ليس قهرا فقط، ولكنه آلة محو قاسية. »
لست أدري كيف جاءتني هذه الجملة وأنا أقف مع حفنة من الأصدقاء على قبر الكاتب الكبير محمد ديب، أستاذي في الحكاية ومعلمي في التفاصيل. فقد ملأ الدنيا محبة وغذى أجيالا متعاقبة. دفناه في مقبرة مسيحية صغيرة على أطراف باريس. لم تجد له زوجته الفرنسية مكانا إلا في مربع أقاربها، إلى جانب قبر رجل بربري، منسي لم يبق من اسمه إلا كلمة: آيت التي تعني في اللغة الأمازيغية: آل. لقد كان ديب أبا مؤسسا للأدب الوطني المكتوب باللغة الفرنسية، ومناضلا من أجل وطن خذله، ولكنه ظل وفيا له وللكتابة لأنها لم تخنه أبدا حتى يوم وفاته. بل حتى بعد ذلك بسنوات، إذ نشر آخر نصوصه: عزة ، بعد وفاته.
هل تدرين يا ليلى أن نوبة الألم التي غرقت فيها، لم يكن لها لا اسم ولا طعم، إلا الإحساس المبهم بالخوف من موت غريب كان يلفه الصمت والعزلة وذاكرة منكسرة؟ هكذا ننطفئ جميعا داخل دائرة كل يوم تزداد ضيقا. كان يمكن أن يتحول موت الكاتب الكبير، إلى تظاهرة وطنية لو دفن في وطنه، هو الذي قضى العمر غريبا، في لغة غريبة، يدافع عن وطن تبدى في النهاية أنه هو أيضا غريب. كان يقول في لحظات خلوته: لم يعد لي من وطن إلا لغتي الهاربة مني. وطن الكتابة وحده سيحزن، وسيغمدني بين أحرفه وسيعمدني بكل المعاني الجميلة. بلادنا البعيدة، المتوارية خلف المتوسط والجبال الفاصلة ومحيط من النكران، لا تعرف أبدا، أن الكاتب حظ للأرض التي يولد ويتربى فيها، لأنه عينها وقلبها وملحها. كان ديب محقا. فالأوطان تلتفت باستمرار صوب البياض والفراغ لكي لا ترى خرابها في عيون الفنانين والكتاب المغلقة قبل الوقت. الجرح الذي مس الكاتب كان كبيرا وعظيما ولم يكن بإمكانه إلا أن يموت وحيدا بعد أن عاش أكثر من خمسين سنة منفيا، في عزلة لا شيء يملأها إلا الكتابة، والكتابة فقط، ورائحة غامضة تشبه إلى حد بعيد رائحة الأرض الأولى.
السؤال المعتم الذي كان يدور بصمت في رأس الحفنة التي ودعت الكاتب الكبير هو: هل نموت جميعا هكذا، في صقيع هذا الربيع الذي غابت شمسه؟ لا نساوي حتى مساحة قبر في أوطاننا؟ ويبدو أن تراجيديا المنفى لا نعت لها، لأنها لا تترك أي وقت لضحيتها للتفكير، فتداهمها برسائلها الأكثر فتكا: النسيان.

ليلى...
هكذا مات محمد ديب، أو على الأقل هكذا نُسيَ. وهكذا مات قبله كاتب ياسين، وقبلهما بزمن طويل انسحب جون عمروش، وقبلهم جميعا مات كتاب كثيرون لم نعد اليوم نذكر أسماءهم ولا أماكن قبورهم، ولا شواهدهم التي انمحت، ولا حتى تفاصيل حياتهم المليئة بالقلق وأشجان المنافي. نحتاج إلى الكثير من الحظ، وإلى صدفة استثنائية لكي نعثر على قبر أحدهم في باريس، مرسيليا، هامبورغ، برلين، أمستردام، روتردام، بوسطن، جنيف، فيينا، كوبنهاجن، القاهرة، بيروت، مكة، الرياض، بغداد، دمشق، الرباط، تونس... أتربة كثيرة لم تعد لها أية لغة وهي لا تنطق إلا بحاضرها الهش والمؤقت.
اليوم... عندما التفتُ نحوي، أجدني ضائعا داخل المسافات المربكة، التي لا ينتهي امتدادها. يبدو لي أن حياة الترحال أصبحت قدرا سيزيفيا قاسيا. فقد ورثتها عن جدي رمضان الموريسكي، الذي عندما انغلقت عليه سبل الدنيا في غرناطة القرن السادس عشر، التفت نحو العدوة الأخرى، ثم عوى بأعلى صراخه كالذئب المجروح: أهكذا تخون الأوطان ذاكرتها ويُسرق الحنين على مرأى من صُنَّاعه؟ ثم لمَّ كتبه، أو ما بقي منها بعد رماد المحرقة التي أكلت كل شيء، وولى وجهه شطر مدينة المارية التي حملته سفنها وقذفت به نحو أرض لم يكن يعرفها ولكنه كان يحس بأنينها. قيل له يومها: احذر. لا تذهب نحو تربة جافة لن تمنحك إلا الموت. سيقتلك أهلك هناك، فلا أحد يعرفك. قال : وهذه الأرض التي شيدت عليها عصرا ذهبيا لم تعد لي، ولم أعد لها. لقد كرهنا بعضنا البعض. ولم يعد لنا رغبة لاقتسام فتنة الفراش المشترك. لن أبقى بين أناس لذتهم الكبرى في حرق الكتب. من يحرق حرفا واحدا كأنما أحرق القلوب جميعا، ومن أحرق ورقة واحدة بها لغة الحنين والوحشة، كأنما عرَّى الناس جميعا. سأهيم على وجهي وليمنحني الله بعض القوة للوصول إلى هناك فقط، ولا تأكلني بحار الخيانات المستشرية. قيل له يومها: اذهب ما دمتَ تريد ذلك، ولكنك ستعود. المنفى دائما شيء مؤقت، يبدأ بكلمة عابرة و ينتهي بسؤال معقد. قال وهو يضحك بمرارة متذكرا الثمانية قرون التي قضاها على التربة التي فتح عينيه عليها، وبنى مدنها بماء الذهب، ولفها بمسحوق المحار والجوهر: عندما نحط الرحال في مكان ما ونستقر فيه، لا وجود للمؤقت بعدها. المنفى ليس لعبة مؤقتة نفككها و نرتبها كما نشاء، حقيقة مرة، تنام في عمق كل الأشياء الحساسة. تأكلنا الحياة، ولكن عندما يطل علينا الموت من شقوق النوافذ، تقفز في أذهاننا أرضنا الأولى، حبنا الأول، وتربتنا الأولى، و حتى حماقاتنا الأولى. أغمض عينيه، ثم ضغط عليهما بقوة لكي لا يرى شيئا أبدا، وسافر ليستقر على حافة بحر امسيردا في أقاصي بلاد كانت واسعة كقارة قبل أن تلتف على أعناق ذويها كأفعى الحر والأحجار. إلى اليوم، عندما يكون الجو جميلا وصافيا من كتل الضباب التي كثيرا ما تغلف الهضاب والغابات والبحر، تبدو جبال إسبانيا واضحة وهي تخرج من عمق البحر، في شكل جزر صغيرة. أعتقد أن جدي، في لحظات الألم والغبن والكبرياء وصفاء الذهن، كان يصعد إلى أعلى قمة من قمم جبال امسيردا، التي تطوق منطقتنا، ويرمي بصره بعيدا مخترقا كل الحواجز الطبيعية ليستعيد أندلسا صارت اليوم نثار حلم مستحيل ومجرد صور في الأذهان وفي البطاقات البريدية القديمة.

ليلى... عمري وأشواقي الهشة.
هل تدرين أنني عندما حملت حقائبي للمرة الأولى، في ذلك الشتاء البارد، لم أتذكر الشيء الكثير من حياتي البسيطة واليومية، ولا حتى وجه طفولتي الأولى التي رفضت أن تتخلى عني وظلت تتبعني وتتشبث بي وتنزلق بين رجلي كالظل الهارب، فقد صار كل شيء أمامي أبيض لامعا وبلا لون، ولكني لم أستطع أن أتفادى نظرة جدي رمضان الموريسكي الساخرة من الحياة وهو يرحل بكتبه؟ رأيته يومها وهو يقارع العسس القشتالي المدجج بالرماح والسيوف الحادة والخوذ الثقيلة، محاولا، بكل ما أوتي من قوة، أن يحمي كتبه أو جزءها الأهم، من حرائق محاكم التفتيش المقدس، متحملا الأدخنة، ولسعة النيران المشتعلة.
المسافة بيني وبين جدي الأندلسي كانت كبيرة، أكثر من أربعة قرون، ومع ذلك، وأنا أحمل حقائبي بمشقة ونفس مقطوع، رأيته أمامي، ينظر إلي بحزن ثم يلتفت نحو جباله الأولى لكي لا يراني أرحل. يتمتم وهو لا يدري أنه كان يعيش ألما ممزقا: ثمانية قرون ونيف، وعدت في النهاية كالمحارة الفارغة. هل كنت مجرد معمر صغير يبحث عن اعتراف له وعن مغامرة تقذف به إلى الواجهة؟ ألا يوجد شيء أكثر رحمة من المنافي؟ أقسى عقوبة تسلط على عاشق لمدينة شيد جنته فيها، قذفه خارجها؟ لا توجد المنافي المؤقتة يا واسيني يا ابني إلا في أذهاننا المتعبة، كما لا يوجد موت مؤقت. نحن عندما نموت، نموت إلى الأبد. هل تدري فداحة الأقدار؟ بلا دراية ولا قصدية مسبقة، كنت أقوم بنفس فعلة جدي وكأن الزمن لم يعمل إلا على تأكيد تراجيديا المصائر. هذه المرة كنت مقهورا من بشر من لحمي ودمي وترابي، يشبهونني في كل شيء إلا في اليقين القاتل؟ كل ما كان فيَّ كان هشا وممزقا ومهتزا، وكانوا على دراية حتى بأنفاس الله. يقيني الوحيد كان هو الحرية في أن أكون أنا، كما أشتهي لا كما يشتهون، قدر ما أستطيع. الحرية فقط. لم يكن الطلب صعبا ولكنه كان مستحيل التحمل بالنسبة لليقينيين. بينما هم سدنة الدنيا التي شيدوها على كذبة ونفخوا فيها من روحهم المريضة، أرادوا كل شيء على صورتهم. مجرد عصابة قامت بانقلاب ضد سماحة الله.
في الطائرة الشتوية التي سحبتني إلى باريس في 16 ديسمبر، من سنة 1993، تساءلت وأنا معلق في الفراغ، بين مطر كان يسقط من تحتي وفراغ يلون السماء بالزرقة: هل هكذا يبدأ المنفى، بلعبة لفظية لا نقدر مراميها ومعانيها، ثم بكلمة مبهمة تظل معلقة في الذاكرة حتى عندما ينتهي مفعولها، ثم بسؤال مربك يظل يدور في مكانه بحثا عن إجابة مستحيلة، يعمق الحيرة أكثر مما يفكها؟ أدركت يومها أن ما كان يبدو بعيدا ونتلذذ كلما قرأناه لأن شجاعة الكتاب تبهرنا، لا يحدث للآخرين فقط على هذه الأرض الواسعة. لم أكن أعرف وأنا أقرأ عن عشرات الكتاب الذين اضطرتهم آلة المحو إلى المغادرة، أن المسألة ليست مجرد قصص ممتعة، ولكن مصائر مخلوقات أرضية، تتألم وترتعب، وتقفز من نومها جزعا وخوفا، وقد تموت انتحارا، بالسكتة القلبية أو بالضياع في بحر الحياة الذي لا يرحم أي صراخ يغطي عليه بفيضانات موجه.
في الدنيا، يمكن للمنفى أن يمسنا نحن أيضا، الذين نعوم في لذة اليومي وننسى أن مرض المنافي يمكن أن يصيبنا كأي داء آخر، ويجرقنا بلا رحمة إلى حدّ فصل الجسد عن جلده.

ليلي الغالية،
لست غاضبا عليك، ولكن امنحيني فقط بعض الزمن لكي أُخرج ما في قلبي وذاكرتي من شجن، لتعرفي فقط أن الولد العاق الذي يحبك يريد أن يكون جديرا بك. فهو لا يحمل من الأسرار شيئا آخر سوى ما يقوله لسانه. تحمليني لوقت ثم انسحبي إن شئت بعد ذلك.
ها أنا ذا أُدخلك في طاحونة قلقي. أنت من استفزت سري وتعبي. المنفى؟ ننسى أو نظنُّ أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين وأننا في منأى عن كل ما يمكن أن يربك راحة الآخرين. قد يبدو المنفى مجرد كلمة صغيرة ولكنها مثل النار، تخبئ وراءها إرثا ثقيلا ومرا، مخترَقا بالأشواق والفقدان، ومؤثثا بالسعادات الهاربة، المنزلقة من بين الأصابع كنثار الرمل. فكلما سمعت كلمة منفى، ينتابني إحساس غريب بالبياض، وهذا السؤال المرتبك والهش: ما معنى المنفى بالنسبة لفنان منفاه الأول هو عتاده ولغته التي يكتب بها كما يقول رولان بارث ؟ هو منفي أصلا من حيث هو كاتب؟ اللغة تصنع عالما موازيا يعج بتفاصيل الحياة التي نحس بانتماءاتها لنا، ولكنها لا تنتمي في نهاية المطاف إلا إلى اللغة ونظامها الصارم. وإذن أين يتجلى هذا المعنى العميق الذي تتبطَّنه هذه الكلمة المولدة للخوف ولمختلف الاهتزازات الداخلية؟ هل المنفى هو افتقاد الأرض التي شيد عليها الفنان ذاكرته و أشواقه؟ فكم من أرض يملك الكاتب إذن؟ أرض الطفولة التي يفقدها في سن مبكر ولا تستعيدها إلا الكتابة بشهواتها المختلفة ومخيالها الذي يهزنا بمتعته كلما توغلنا فيه؟ أليس فعل الكتابة عن المكان هو اعتراف ضمني بالفقدان؟ هل هي أرض الشباب، التي سرعان ما تنطفئ داخل مجتمعات متخلفة تحاسبك في حبك وفي تنفسك لأنه لا يشبه تنفس الآخرين إذ يخرج عن نظام المجموعة الذي يجب أن لا تُخترق. فليس لك، في نظام الجهالة، أن تحب، أن تتحرك كما تشتهي، أي أن لا تكون أنت ولكنك تكون الآخر الذي يشتهي أن يرى صورته المقهورة فيك. مما يضطرك إلى ترك أرضك والذهاب بعيدا نحو أرض أخرى. وربما كانت الكتابة والفن هما وطنك الموازي؟ هل المنفى إذن هو الارتحال عن أرضك، التي ليست هي أرضك الأولى، باتجاه أرض أخرى يفترض أن تمنحك الأمان والمحبة وبعضا من الراحة والحرية خصوصا. فالتنقل لو اختزل في الرغبة في العيش واستمرار النوع، يفقد معانيه العميقة والحية. المشكلة إذن ليست في الحفاظ على النوع لأنه آيل إلى الزوال ويحمل موته ضمن رصيده الجيني الثابت؟ عن أي شيء يبحث الكاتب إذن وهو يغسل يديه من وطن ورثته له التربة وخطابات الأهل والساسة المحنكون؟ عن وطن الحياة الكريمة؟ عن وطن العيش الحر، حيث يمشي ولا يلتفت وراءه كلما سمع وقعا خشنا لأحذية لم يتعود على سماعها؟ عن وطن الكتابة الذي ينشئ فيه كل حياته الموازية الجميلة؟ وإذن ما هي الخسارات اللاحقة المتولدة عن هذا الترحيل ألقسري من أرضه الصغيرة التي نبت في حدائقها كأية زهرة باتجاه توطين ليس دائما فعلا هينا؟ و ماذا يمنح له هذا التنقل من اكتشافات جديدة يحافظ بها على الاستمرارية بمعناها الوجودي وليس البيولوجي فقط؟
ليلي الحبيبة، أي الأسئلة أختار للإجابة عنها وسط هذه الغابة من المبهم وأنا أشعر بنفسي معنيا بها كلها؟ معنيا بقوة، لأن بها كلها رائحة ما من حياتي الصغيرة التي لا أراني بدونها. المنفى كالمرض، لا يأتي دفعة واحدة، يتربى في الأعماق إلى أن يصبح قنبلة موقوتة تنفجر حين تشاء، وفي المكان الذي تريده.
بماذا أجيبك أيتها المجنونة التي لم تكن تعرف أبدا، أنها بشكها في أسرار عينيَّ الملعونتين كما كانت تنعتهما دائما، نزعت الغطاء عن كل مدافني دفعة واحدة، ولم تمنحني حتى فرصة ترتيب شؤوني المرتبكة، لأتمكن على الأقل من الاستقامة وضبط حروفي وجملي؟ ماذا أقول لك غير الذي ينحت القلب كل يوم قليلا حتى يمحوه نهائيا؟
هل تسمعين صوتي الآن؟ أعرف أن به بحة كنت تتشهين سماعها ولكنها الآن تحولت إلى غصة قاتلة. عمري... المنافي كثيرة ولا تتشابه أبدا.
خسرت قريتي التي بنيت فيها الذاكرة الأولى وشيدتها على فقدان الوالد في الحرب التحريرية، في صيف 1959، ولم أحتفظ في ذاكرتي إلا بوجهه الطيب وهو يعود من منفاه الاختياري كعامل مهاجر في فرنسا، وهو يغسل وجهي صباحا ثم يضع على رأسي المنشفة الكبيرة وهو يضحك: هل تراني الآن يا واسيني؟ و أتذكر أني كنت أقول له: أراك، و أحاول أن أصنع له صورة من وراء المنشفة، تشبهه، وأحيانا أجمل. ولماذا ذهبتَ إلى فرنسا يا باب وتركتَ أمي وحدها؟ أفضل دائما أن أسأله تحت ظلام المنشفة لكي أتجرأ على طرح أسئلتي التي لا تنتهي، فيجيب: للعمل. قريتنا فقيرة جدا ولا تمنحنا الشيء الكثير للعيش، ونضطر للخروج قهرا وليس اختيارا. بلاد فرنسا، هكذا كان يسميها، وهي ترجمة حرفية لكلمة فرنسية كان يقولها المغتربون: (Le Pays de la France)متعبة، لأننا نعمل بمشقة فيها ونحمل الأشياء الثقيلة على ظهورنا وبين أيدينا، ولا نتشكى، لأننا إذا فعلنا ذلك، نُطرد. الكثير منا يموتون بفعل التعب أو الحوادث المؤلمة، يسقطون من أعالي البنايات أو تسقط على رؤوسهم الكتل الثقيلة. أعاود السؤال: وأنت ألا تخاف من ذلك كله؟ أحيانا، ولكن ماذا بإمكاني أن أفعل؟ يجيبني بعد صمت طويل. لكن... في فرنسا حدائق وأمكنة للراحة، ومدن نظيفة كذلك، نتعلم فيها كيف نقرأ ونكتب. أسأله من جديد وأنا مستمتع بظلام المنشفة التي تمنحني حرية الكلام، بحيث أحسه وأراه كما أشتهي ولا يراني: هل تعلمتَ القراءة و الكتابة هناك؟ يجيب وهو لا يخبئ ابتسامته التي أحس بها ترتسم على شفتيه الرقيقتين، والتي تزيد من يقينه: تعلمت. سيدة طيبة تعمل معي، علمتني. تريد معرفة اسمها؟ نعم. أجيب بفضول منْ استثيرت حواسه الدفينة. يجيبني بلا تردد: فيوليتا... فيوليتا، عاملة مثقفة جدا ونقابية. امرأة جميلة وطيبة جدا مثل أمك. أتساءل ولا أطرح السؤال: امرأة تعلم والدي؟ جميلة. طيبة مثل أمي؟ لماذا أمي تحديدا؟ هذا الأمر لا يوجد عندنا. بملعنة ملغمة وخبث طفولي، أتذكر أني أدخلت والدي في المصيدة. لابد أن تكون هي نفسها المرأة التي تتحدث عنها كل نساء العائلة، عماتي وخالاتي وحتى جدتي الطيبة. فيوليتا سرقت والدي من أمي. هناك من يتمادى في خياله ويقول إن له أبناء معها. أمي لا تصدق أو تحاول أن تتظاهر بذلك. أسأله مرة أخرى بلغة أقل يقينية: فرنساوية؟ طبعا فرنساوية، من أصل إسباني. يجيبني والدي. أتوغل في السؤال: لماذا لا تأخذ أمي معك وترتاحان هناك. يرد ولا أشعر أنه تأثر لسؤالي: هي هنا في بيتها وأرضها، تسهر على الجميع وتؤمنهم بقلبها وحنانها، وأنا هناك أحاول أن أخفف عليكم مشقة الحياة. أكاد أساله: بابا هل هي نفس الرومية التي يتحدثون عنها؟ مثلما سمعت في حوارات جدتي وأمي و خالاتي على الهامش، عندما أسترق السمع مثل أي طفل شقي كبر بسرعة ولم يتفطن لسنه الآخرون؟ فجأة ينزع المنشفة من على رأسي ويتضح النور، فأتوقف عن أسئلتي في باحة الدار وأجلس في حجره أنا وحسن أخي، نشرب القهوة الصباحية. يقول وهو يضحك، ولا أدري صدق ما كان يقوله: سيدنا علي كرم الله وجهه، هكذا كان يفعل، يضع الحسن على اليسار والحسين على اليمين. لو كنتُ هنا في ولادتك لسميتك الحسين بدل واسيني. أعض على شفتي وأحمد الله أن والدي كان يومها غائبا يحمل على ظهره كتلة حديدية أكثر من وزنه، أو في أحضان فيوليتا. لا يهم.
والدي الذي أدخلني إلى المدرسة الفرنسية و الجامع ، استشهد حتى قبل أن أطرح عليه كل أسئلتي التي ما تزال إلي اليوم معلقة في الذاكرة كأية آنية عتيقة تحمل سرها في قدامتها. أمي سارت على هدي وصيته التي تركها وراءه قبل أن تأكله حيطان ثكنة سواني العسكرية ويموت تحت التعذيب الهمجي في صيف 1959. تسألني أمي من حين لآخر عن أحوالي في الجامع: فأرد بحماس: انتهيت من حفظ الربع الأول من القرآن الكريم، وزوقت لوحتي العديد من المرات، وبدأت أجلس في الأماكن الخلفية للجامع. الأماكن الخلفية تعني أنه أصبح بإمكاني أن آخذ نسخة من النسخ العشرة من القرآن وأتفحصها، وأسأل الفقيه عند الضرورة. أحزن أحيانا لأن والدي ذهب قبل أن أخبره بقصة نسخة القرآن في الأماكن الخلفية. استشهد وهو لا يعرف أني تعلمت كما كان يشتهي، وأصبحت اقرأ وأكتب. لكني لم أحك له عن نسخة القرآن العجيبة التي عثرت عليها في رف المكتبة، في نهاية الحجرة الضيقة التي كنا نتعلم فيها. كانت النسخة تحمل نفس الغلاف الأحمر. لم تكن تشبه النسخ الأخرى في محتواها مطلقا، ولا حتى في خطها الذي كان أكثر رقة من الخط القرآني. قلبتها طويلا بسرية كبيرة وبعيدا عن النظرات الملعونة للأطفال الذين في سني. لم أفهم من أين كان يأتي سحرها ولا تلك الرغبة التي انتابتني فجأة لإخراجها من المكان، أو بلغة أبسط لم أكن قادرا على التخلص من التصاقها بي. فقد فهمتها بسهولة كبيرة لأن كلامها لم يكن كالقرآن الذي تعودت عليه، بسيطة وسلسة ومغرية. فكرت أن أسال سيدي الفقيه (المعلم في الكتَّاب) ولكني لم أفعل أبدا. عاودت التهجي ومحاولة الفهم. الغريب أني لم أكن أجد أية صعوبة في القراءة. كل شيء كان واضحا كالماء، بل أن شهوتي كانت تستيقظ كلما توغلت في ثنايا النص. كنت كلما انتهيت من القراءة، أخبئ نسختي من وراء النسخ الأخرى حتى لا تأخذها يد غيري. ربما كانت أنانيتي هي منارتي الوحيدة في ذلك المكان الضيق، أو ربما كان خوفي من أن تُسرق مني. فجأة صرت أحلم بها وبما قرأت. ليلا، عندما أستعد للنوم، أرى كل ما فيها يرفرف حول رأسي و يتحول إلى نساء جميلات وعفاريت وحيوانات خرافية وغابات لا حدود لها وذئاب كثيرة. كنت أشعر بالخجل من النساء اللواتي كن يتعرين أمامي بلا حياء. ولكن هذا كله لم يشفني من حبي لهذه النسخة. كان الكتاب، في عيني، كبيرا والدروس في المدرسة الفرنسية كانت تسرق من وقتي ومن لذتي. في إحدى المرات وأنا في الخلفية أفكر فيما يمكن فعله، بدأت أعطي لنفسي كل مبررات الدنيا لإخراج النسخة من الجامع: قرآن لا يشبه القرآن؟ مكتوب بخط غير خطه؟ فيه حديث غريب عن الحب والنساء والسلاطين والعفاريت؟ فيه حتى الخرافات التي تشبه ما كانت ترويه لنا جدتي؟ هل يعقل أن يبقى الكتاب في الجامع وهو مكان مقدس؟ يجب تطهير المكان من شيء لم يكن كالأشياء الأخرى، كانت هذه هي خلاصة تساؤلاتي الكاذبة. وانتهيت إلى تحريم بقاء النص في الرف الخلفي. في ذلك الفجر البارد، كنت أول من دخل إلى الجامع. صبحت على سيدي الفقيه، سيدي سعيد. غافلته، ووضعت النسخة في صدري. لم يرني أحد ولا حتى الذين يتصيدون الأنفاس من الأطفال لاسترضاء سيدي. اعتذرت من الفقيه، وقلت له إني متعب وخرجت. عند الباب أوقفني. لم أستطع أن أرفع رأسي مخافة أن يرى كل شيء في عيني. تذكرت منشفة والدي، كم كانت جميلة إذ كان بإمكاني أن أقول ما أشاء بدون خوف من أن ير أحد من العائلة ما يتراقص في عيني من كذب جميل. فجأة، شعرت بالكتاب ثقيلا في صدري. فكرت في أن أتركه وأهرب. قال لي سيدي سعيد: ما بك يا ابني؟ و تلمس رأسي. ثم أردف: لا بأس مجرد حرارة زائلة. مازلت أسمع صوته وأنا أتخطى عتبة الجامع، بعد شجرة الخروب التي ظلت واقفة على الرغم من مصاعب الزمن وحرائقه: اسمع يا وليد أميزار، قل لأمك تضع لك شوية زعتر في كأس حليب، وقشور الليمون وقطرة من عسل النحل... عسل النحل الحقاني، مش الفالسو ، أسمعت وإلا لا؟ فجأة صرت خفيفا وصار الكتاب لا يزن شيئا. تذكرت ما تعلمته: فأما من خفت موازينه... عندما وصلت إلى البيت كنت محموما بالفعل ولكن من شدة الخوف. قلت لأمي دثريني يا يما... دثريني... ونمت محتضنا قرآني. لم أحلم يومها، ولم أر أي كابوس، ولكني كنت داخل غيمة بنفسجية جميلة. بعد أيام، خاطت له جدتي كيسا خاصا وهي تقول: هذا كلام الله ويجب أن يوضع في مكانه اللائق به. كنت أضع الكتاب داخله كلما انتهيت من القراءة. كانت جدتي كلما مرت في باحة البيت، بعصاها وسطل مائها للوضوء، ورأتني منكبا على القراءة، ابتسمت من فرط السعادة. لا تخبئ فخرها أمام خالاتي: واسيني، وليدي، هو الوحيد من أبنائي الذي تعلم لغة أجداده وقرآنهم. جدتي مثلها مثل أمي، مثل بقية أفراد العائلة الكبار سنا، لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة. يعرفون القرآن من غلافه الأحمر ومن ورقه الطيب المائل نحو صفرة ما، ومن رائحته المتأتية من صفرة الورق وحبر المطابع القديمة. أحيانا، كنت أشم في سيدي الفقيه، سيدي سعيد، رائحة القرآن ممزوجة برائحة الفئران عندما تبدأ في افتقاد شعرها. عندما كبرت قليلا، اكتشفت أن نصي الذي هربته زمنا طويلا خوفا عليه من السرقة والتلف، لم يكن قرآنا ولكنه كان كتاب: ألف ليلة و ليلة، في جزئه الأول، طبعة بولاق القديمة، بأوراق وحروف ورائحة لم تكن بعيدة عن رائحة القرآن، وربما كانت رائحة المكان نفسه. إلى اليوم مازلت أنقاد نحو رائحة الكتب قبل أن أكتشف عناوينها. لا أعرف طبعا اليد التي وضعت قرآني هناك، في ذلك الرف الصغير، ولا أعلم أبدا إذا ما كان علي أن أشكرها وأقبلها بحرارة، أو أرفضها لأن كل ما حدث لي فيما بعد مترتب عن تلك اللحظة التي فتحت فيها خطأ كتاب ألف ليلة وليلة. تلك اللحظة غيرت نظام حياتي وأحاسيسي نحو الأشياء وأدخلتني في غمار التجربة وقذفتني داخل عالم لم أكن مهيأ له، إذ كان يمكن في أحسن الظروف أن أتحول إلى فقيه يدرس القرآن في القرية، ومع بعض الحظ، إلى مهرب صغير للكتان والخضر والفواكه، على الحدود المغربية الجزائرية. لهذا، كلما صفوت إلى نفسي، أقول: طوبى لتلك اليد التي غيرت مسلكي، وأعتذر منها لأني سرقت متعتها، فقد وضعتْ في معابري الضيقة، أجمل نص قربني من الخيال والكتابة واللذة، وأبعدني عن مهالك اليقين.

ليلى... صرختي المكتومة.
لن أضيف الشيء الكثير إلى ما تعرفينه إذا قلت لك إن تلك أرضي ووطني الأول الذي فقدته وتحول اليوم إلى عالم من الرموز المبهمة، لا وجود له إلا داخل اللغة والأحاسيس العميقة. وذلك منفاي، إذ كلما تذكرته تمنيت أن أراه ثانية فقط لأقول ما خبأته حينها، وأفعل ما لم أستطع فعله وقتها، تقبيل تلك اليد الغامضة التي منحتني فرصة لا تعوض للجنون وللسخرية من وهم اليقين المطلق.
أنا لم أعرف المدينة إلا ممزوجة في ماء الخوف. كنت صغيرا عندما دخلت، للمرة الأولى، تلمسان، مدينة أجدادي الأندلسيين والصوفي سيدي بومدين لمغيث. كان بيني وبينها شيء من جبروت المدن الكبيرة. لم أبن معها، في البداية، علاقة ود كتلك التي في القرية. سبع سنوات قضيتها في النظام الداخلي، في ثانوية الحكيم بن زرجب، تشبه الانضباط العسكري في كل شيء، في الدراسة، والأكل والشرب والملبس وأحيانا حتى في التفكير وردود الفعل. يصبح الإنسان موقتا مثل الساعة الحائطية القديمة. لم يكن بافلوف مخطئا في نظريته. كان يمكن أن نشكل نموذجه الذي لا يخون نظريته. كنا نتحرك وفق شرطية انعكاسية محددة سلفا. نستيقظ الساعة السادسة تلقائيا. نغتسل ثم ننزل إلى قاعات العمل. في الساعة السابعة صباحا، تستيقظ فينا حواس الجوع. نشرب قهوتنا ثم نركض نحو قاعات الدرس. يكون اليوم قد بدأ. عندما يرن جرس الثانية عشرة إلا ربع، نكون قد اصطفينا في خط مستقيم، على طول المطعم. نأكل ثم نعود إلى الدروس. الخامسة مساء، ندخل إلى قاعات العمل من جديد، قبل أن تحل الساعة السابعة حيث تبدأ الأمعاء في نداءاتها الجائعة. نخرج. نأكل ثم نعود إلى قاعات العمل. تبدأ أعيننا في الانكسار. الكثير منا ينام على الطاولة. الساعة التاسعة نكون قد انغمسنا في نوم عميق في أسرتنا. كل يوم يشبه أخاه.

ليلي الحبيبة.
كل شيء بدأ بصدفة جميلة ليست بعيدة عن صدفة كتاب ألف ليلة وليلة. عندما خرجت الجريدة في ذلك الصباح، من صيف سنة 1967، كنت حزينا. بحثت أكثر من مائة مرة، عن اسمي ضمن قائمة الناجحين في امتحانات السيزيام، المتراصة في استقامة ووضوح، لم أعثر عليه. بحثت من بين الأسطر والأسماء المبهمة، لم أر شيئا يشبهني. مع أني ظللت أكرر كالمجنون أمام أصدقائي الذين نجحوا: كنت الوحيد من أبناء القرية الذي فك العملية الحسابية بشكل صحيح ووجد النتيجة النهائية: 4،7 التي أعلن عنها مركز الامتحانات. كلكم أخطأتم، كيف نجحتم وأخفقت أنا؟ عبثا بكيت إذ لم يسمعني أحد ما عدا أمي وجدتي. مع الأيام، بدأت أهيئ نفسي لمجابهة صعوبات الحياة، الفلاحة والتهريب. لم يكن امتحان السيزيام الذي بنيت عليه أحلاما كثيرة، هذه المرة من حظي. بكيت وحزنت، ليس فقط لأني رسبت في أول وأهم امتحان في حياتي، ولكن لأني شعرت أني خذلت أبي في قبره وأبكيت أمي وكسرت أشواق حنا وثقتها تجاهي. الصدفة مرة أخرى تنقذني من تلاش بدا لي حتميا. كان زوج خالتي الحاج أحمد، في زيارة لسليمان المير، أحد أقاربه الذي كان يسكن في مدينة الحناية، ضاحية من ضواحي تلمسان. أثناء الحديث بينهما، قال سليمان المير لزوج خالتي: مبروك على ميزار (اسم أمي) نجاح ابنها في السيزيام. فرد زوج خالتي: ربما أخطأت؟ لا. لا، لقد رسب. لم يكن له حظ أخيه الأكبر. فرد سليمان المير: لقد نجح. وجدت ذلك بالصدفة في صحيفة لف لي البائع فيها قطعة كتان اشتريتها من عنده. و أنا أتسلى بقراءة قوائم الناجحين في تلمسان، وجدت اسم ابنها واسيني. أنا متأكد من ذلك. بحث عن الجريدة، وكان يمكن أن لا يجدها ويتبخر كل شيء في الهواء، و أعطاها لزوج خالتي. أمي لم تنتظر طويلا عندما عرفت أن اسمي موجود ضمن قوائم الناجحين في تلمسان، لأن أبناء الشهداء وضعوا في هذه القائمة حتى يستفيدوا من النظام الداخلي، وهو ما لم نكن نعرفه. أخذتني أمي من يدي وركبنا أول حافلة متجهة إلى تلمسان. عندما فتحت أبواب ثانوية الحكيم ابن زرجب كنا أول من يستقبلهم المراقب العام. عندما بدأ يقلب بسرعة البطاقات ليتأكد من نجاحي ووجودي في هذه الثانوية، قفز على اسمي، فصرخت: اسمي... اسمي يا سيدي، لقد تجاوزته. أول شيء تأكدت منه هو تاريخ الميلاد، إذ حتى تلك اللحظة لم أكن متأكدا من أي شيء. قلت وأنا لا استطيع كتم سعادتي: واسيني... واسيني... أنا يا سيدي المراقب العام وهذا تاريخ ميلادي. لا يمكن أن يكون شخص غيري. وحياتك يا سيدي لا يمكن. ضحك وسحب البطاقة وسجلت في الثانوية. عند الباب انفجرت بكاء. كانت الحرقة فوق أن تُقاوَم. إلى اليوم، كلما تذكرت الحادثة انفتحت شهيتي للبكاء. عندما عدت إلى الدار، بكيت أيضا لمدة يومين وبعدها نسيت كل شيء. عدت إلى تلمسان للدراسة في مدينة لم تعد تخيفني. أتساءل أحيانا عن غرابة هذه الصدفة التي أخرجتني من دفء القرية ومن بؤسها وفقرها، ماذا كان سيحدث لي لولاها؟ لم أفرح في حياتي بشهادة مثل فرحي بنجاحي في امتحان السيزيام، السنة أولى متوسط. حتى شهادات: السرتافيكا والبروفي (شهادة التعليم العام) والباكالوريا، والليسانس، والماجستير، والدكتوراه المزدوجة بين دمشق وباريس، لم تحسسني بأي شيء، سوى أنها منحت لي بعض الأمان في حياتي لا أكثر. مجتمعة، لا تساوي شيئا أمام هزة السيزيام.
اليوم، مات معظم أبطالي وهم لا يعلمون بالخير الذي قدموه لي: جدتي التي منحتني سحر الحكاية بخرافاتها وقصص أجدادها الأندلسيين، سيدي سعيد، فقيه القرية الطيب، الذي لم يكن يغفل أبدا عن السؤال عن الربعية (ربع دينار) كل صباح يوم أربعاء، زوج خالتي أحمد بن حمو الذي أصر على البحث عن القصاصة الصحفية التي لفَّ فيها سليمان المير قطعة الكتان، المراقب العام الذي سجلني وهو لا يدري وهو يتخطى اسمي سهوا في البطاقات التي كان يتفحصها، أنه كان يرميني في قبر بارد لو قال لي: نعتذر، اسمك غير موجود. حتى القرية لم تعد القرية، ولم أعد أعرف ناسها إلا القلة القلية، ومحت كتل الاسمنت المسلح كل ضِياعها وحدائقها ومائها الذي كانت تنز به الأرض. مات الكثير من أبطالي وسقطت حجارة الولي الصالح سيدي بوجنان، الذي ظل يحمي القرية من الكوارث الطبيعية، ولم يبق إلا قرآني، كتاب ألف ليلة وليلة، في طبعته البولاقية الحجرية القديمة، برائحته التي حافظت عليها بين أوراقه، وهو كل زادي في سنوات الترحال الأخيرة.
كلها كانت مناف صغيرة، هيأتني للمنفى الأكبر وتلك قصة أخرى، إذ فجأة انفجر المرض الذي نام فينا طويلا قبل أن يتحول إلى قنبلة موقوتة لم تمنحنا أية فرصة للتفكير والتأمل.



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 12-12-2009, 05:22 PM   #28
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل





ليلى...
كنت أظن أن المنفى مجرد كذبة نجمِّل بها النصوص. لم أكن أعرف أن لعبة الكتابة ستصبح فعلا جديا. وأن الكتاب الأول الذي نشرته في حياتي الأدبية: ألم الكتابة عن أحزان المنفى ، سيضعني أمام اختبار صعب كنت أتصوره مجرد لغة أو لعبة لفظية حاسبني عليها الأصدقاء وقتها وقالوا بأني كنت أتحدث عن شيء لا أعرفه. لم يكن المنفى كذبة، كان جرحا سريا بليغا. قرأت عن حياة كبار الكتاب والفنانين في الحرب الأهلية الإسبانية والحرب العالمية الثانية وغيرهم من الذين سحقتهم الطاحونة الفرانكاوية أو الذين اضطرتهم المهلكة النازية إلى الخروج، وعن الخراب الذي أحدثته الماكارثية في الفنانين والمثقفين الأمريكيين وغيرهم. وظننت جازما، في أعماقي الطيبة، أن ذلك لا يحدث إلا للآخرين وأني لست معنيا بهذه التفاصيل التي تسرق من تحت رجلي إنسان أرضه وحنينه وأشواقه، وحتى مواطنته إذا توفرت. كنت أظنني بعيدا عن رياح هؤلاء الناس العظام الذين، بسبب فكرة صغيرة اسمها الحرية، تركوا كل شيء وظلوا أوفياء لكتاباتهم وفنهم. لم أكن أعلم أني سأجد نفسي ذات شتاء بارد أبحث عن مسلك المنفى القاسي بعد أن تركت كل شيء ورائي ولم ألتفت لكي لا أصاب برغبة العودة والتراجع. لم أكن أحمل إلا حبنا الضائع، ووجهك الحزين، وابني، ماسي وصافو، وحقيبة صغيرة فيها كتاب ألف ليلة و ليلة في طبعته البولاقية، وبعض دمى ريم التي تركت الباقي في البيت، لأني كذبت عليهما وقلت بأنها مجرد عطلة شهر ونعود. صافو وماسي ظلا صامتين. كانا يمارسان معي ما كنت أفعله وأنا صغير مع أمي وجدتي وأبي. يعرفان الحقيقة ويخبئانها لكي لا أحزن. ماذا بقي اليوم من تلك اللحظة؟ لا شيء، سوى روايات وحياة موازية تشهد أن الألم يومها كان كبيرا. ولكني كنت أخففه بالقول: مؤقت؟ متى كان المنفى فعلا مؤقتا؟ جدي الموريسكي لم يكن مخطئا، فقد عرف ذلك في وقت مبكر. غياب السنة صار فجأة خمس سنوات، ثم عشر سنوات انمحت بسرعة عجيبة، ثم خمس عشرة سنة مرت كالريح تاركة أثرها على القلب والجسد. ثم... لا سنة تشبه أختها أبدا. فجأة تكتشف، و أنت أمام المرآة الطويلة التي تحتل وسط الخزانة، تصفف ما تبقى من شعرك، أو تحلق وجهك المتعب، أن كل شيء تغير: أنت نفسك لم تعد أنت. فجأة تكتشف في المرآة، أن شعرك صار أبيض بسرعة، ثم بشعرك يسقط كأوراق خريفية ماتت بفعل الغربة. تقترب من المرآة أكثر، يغطيها بخار تنفسك، ترى وراءك ابنتك صافو التي جاءت صغيرة وهي لا تعرف سوى اللغة العربية، قد تعطلت لغتها قليلا وتعرفت على لغات عدة،. وأن الطفلة التي كانت تعشق الدمى والتي ما تزال في رأسك، تركتها وراءك يوم خرجت من أرضك. ترى ملامحها الطيبة وهي ترسم آخر وجه، أو وهي ترتب الكاميرا لتنتهي من تركيب شريطها عن أطفال الضواحي الباريسية. تفرح ولكنك تقول في أعماقك: هل هذه هي صافو التي اشتهت أن تكون ممرضة لتساعد المتعبين؟ تتعمق رؤاك في المرآة، فتري من وراء الضباب الهارب، باسم، ابنك البكر، الذي دخل باريس وهو يحسب الأيام التي تمضي لكي يعود بسرعة إلى مدرسته وأصدقائه في الجزائر، وقد أصبح اليوم منشغلا بالدكتوراه التي تأكل كل وقته وبحثه المستديم في العلاقات الدولية. تتساءل وأنت تعرف سلفا بأنك لن تحصل على أية إجابة مقنعة: ماذا كان يمكن أن يحصل لو بقيا هناك؟ ما ثمن تلك الكذبة المهدئة التي طمأنتهما بها: سنعود بعد العطلة، وأنت تعرف أنه لا وجود لأي منفى مؤقت في الدنيا. عطلة بدأت اليوم تزحف نحو العقدين؟ ألم تكسر حياتهما العميقة بعد أن فرضت عليهما منفى لم يكونا مهيئين له؟
أي ألم أيتها الغالية نشعر به ونحن نخسر فجأة ، وبلا مقدمات مهدئة، حياة بكاملها بنينا عليها كل أحلامنا وأشواقنا، ونفتح أبوابا جديدة من الخوف، لا نعرف أبدا ما يتخفى وراءها من هزات عنيفة وأسرار لن نتحمل وقعها طويلا؟

ليلى الحبيبة.
سألتني عن شططي، وعليك أن تتحمليه حتى النهاية. لا تشيحي بوجهك صوب بياض الستائر، لكي تبكي بعيدا عني. أرجوك. أريدك في فرحك وأشتهيك أيضا في حزنك. استمعي حتى النهاية، لم يبق الكثير لأقصه عليك، وبعدها نامي إذا شئت، فلن أغضب منك.
من جديد، أحاول أن أمحو الضباب الذي على المرآة، فأرى وجهي المتعب. يبدو لي المنفى مجموعة لا تحصى من الخسارات المتتالية. اشرع بلهفة وخوف في عملية العد مثلما كان يفعل تشيخوف Tchekov وهو يعدد ميراث الكتابة في قصته القصيرة جدا. أستطيع اليوم، و بعد قرابة الخمسين سنة من العمر، وأكثر ربع قرن من ممارسة جنون عظيم اسمه الكتابة، أن أقول إن رهان المنفى مثل رهان الكتابة، خاسر في كل شيء إلا في جوهره الأعمق: الحرية.
خاسر، لأنه سرق مني ما تبقى من عفويتي واغتصب طفولتي في وقت مبكر.
خاسر، لأنه وضع حائلا بيني و بين أهلي. عندما كنت أكتب في الظروف الحالكة التي مرت بها البلاد، كان علي أن أحذر وأحافظ على اسم العائلة، لأنه ليس ملكي وحدي، ميراث جماعي لا حق لي في الاستفراد به. ولأني لم أكن قادرا على فعل ذلك، فكرت منذ البداية أن أتخلى عن اسم العائلة ولا احتفظ إلا باسمي الشخصي لأنه ملكي. لم تكن العائلة مضطرة إلى أن تتحمل حماقاتي وجنوني ككاتب. خصوصا في الفترة التي أصبح فيها القتل الأعمى عملا يوميا. ومازلت إلى اليوم أفكر في التخلص من هذا الميراث ولا أحتفظ إلا بما يخصني، لأمنح نفسي حريتها القصوى، ليس خوفا على مصير العائلة، فالأمور من هذه الناحية تحسنت كثيرا، ولكن رغبة في الانتساب إلى الكتابة بشكل نهائي و أبدي وكلي.
خاسر لأن الكتابة وضعت حاجزا بيني وبين النفاق الاجتماعي المعمم وحسن السلوك الوهمي. كذبت في الحياة وأنا صغير للدفاع عن حقي في الحب و الحقد. كذبت بلا هوادة على البشر الذين لم أكن أحبهم وأنا في بداية العمر، لأن الكذب كان وسيلتي للانتقام منهم جميعا وأقسمت كما يقسم الكبار، أن لا أكون صادقا مع أي واحد منهم. ولكني لم أكن قادرا على الكذب على الكلمات، ولهذا اخترت الخروج في ذلك الشتاء القاسي، وبدأت أبحث عن أرض أخرى، اسميها اليوم وطن الكتابة الحقيقي .
خاسر، لأني عندما اكتشفت لأول مرة نص ألف ليلة وليلة في الجامع، ورحت أنقل قصصه المثيرة وأدعي أمام أصدقائي أنها قصصي، لم أكن أعلم أن لعنة هذا النص المسروق ستتبعني إلى آخر العمر. أستطيع اليوم أن أقول لصاحبه الذي خبأه بين المصاحف، ووضع له غلافا قرآنيا وهميا: هنيئا لك يا سيدي، إن دعوتك قد أصابتني في الصميم. فقد نقلتني من الانتظام والاستجابة للشرطية الاجتماعية إلى سؤال الفوضى وجنون المتخيل. وبسبب عدوى الأدب التي أورثنيها كتابك المسحور، دخلت في عمق الحياة الموازية، الأكثر عنفا، التي لا نصير فيها لنا إلا اللغة التي تتأسس عليها. فوراء كل نص يتخفى شيء عميق، الكاتب وحده يعرف أسراره و مفاتنه وبياضه.
خاسر لأن الذي فكر في قتلي ذات خريف من سنة 1985 وأنا خارج من مقر جريدة المساء التي كانت تنشر روايتي: الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر، كان أبله وأميا. ليس لأنه لم يقرأ ولكن لأن قتلي غير مفيد له أبدا. فقد رأى صورة خطيبته في النص واقتنع أن البطل لن يكون إلا أنا. و لكي تغيضه صديقته أكثر (عرفت هذه التفاصيل فيما بعد)، وتثير حقده، وتفرتح كل جراحاته، أكدت له علاقتها بصاحب الرواية. كان يمكن أن أقتل بسبب غباوة لا مسؤولية لي فيها، لولا مدير الجريدة وإقناعه لهذا الرجل الذي لا أعرفه أبدا، بأني طوال العشر سنوات الماضية كنت في دمشق، وأنه لا علاقة لي بما كان يحدث له، وقرأ على مسامعه نهاية الرواية لأن الرجل اشترط أن تقرأ عليه. الخسارة أنه في بلادنا يمكنك أن تُقتل وأنت لا تعرف بالضبط لماذا؟ هذه المرة كذلك لم تتخل الكتابة عني ولكنها أظهرت لي أي مجتمع كنت فيه؟ وأي منفى كنت أعيشه وأنا لا أعلم؟ ما تزال أمامنا سنوات طويلة لندرك أن الكتابة هي نفس إلهي Un souffle divin، محرمة ومقدسة إلى أقصى الحدود، حتى في أكثر صورها جرأة وتماديا. كل مس لها هو مس لروح الله.
خاسر، عندما اضطررت لترك بيتي الذي شيدته بحب على مدار عشر سنوات، بشوق كبير وحنين لا يضاهى، ورتبت حياتي لكي أسافر مع أبنائي في كل سنة داخل الوطن، وفي كل مرة نكتشف مدينة حتى نعرف الوطن كاملا ونحبه أكثر. كان حلما طوباويا مستهترا لا يعرف الحقائق المخفية. بلادنا كانت جميلة كعباد الشمس، تقتفي خطوات النور كلما مال نحو الانطفاء لاستعادته من جديد، فاحترقت بنفطها وزيتها وخيرها وجهل ساستها. وإلى اليوم لا أرض لي مثلما اشتهي بسبب الكتابة، سوى وطن اللغة الذي شيدته حجرة، حجرة ونفسا، نفسا، وجرحا، جرحا لأن الذين وضعوا اسمي في قائمة المطلوبين للقتل في سنوات الظلام، لم يسألوني يوما عن نواياي الطيبة تجاه الناس والبلاد، ولا عن طفولتي التي أحرقتها الشمس الجافة وسلخها برد الشتاء، فأنا بالنسبة لطاحونتهم مجرد اسم يجب أن ينتفي أو يشطب، أو أن يرش ببرميل من الزيت ويحرق على الملأ.
خاسر، لأني اضطررت ذات ليلة أن أخرج من البيت حاملا ابنيَّ، وبعض ألبستي وأوراقي، وأوراق ابنيَّ الثبوتية والمدرسية، ومحفظتيها، ورحنا نتشرد في فنادق العاصمة أو بيوتات الأصدقاء لكي لا يعرفنا أحد، متنكرا في وجوه وألبسة لا تشبهني، ينظر إليك بعطف كبير من يحبك، و يتشفى فيك الذي يكرهك.
خاسر، لأني في لحظة واحدة تدحرجت من قمة الاعتراف بوجودي ككائن بشري على الأقل، إلى مهاوي التنكر واللاشيء. فجأة تُمحى وتُطوى ورقتك وكأنك لم تكن أبدا. الخوف يوقظ الجبن والشجاعة معا. ويتحول بعض الأصدقاء إلى أشكال رجراجة هلامية، بينما يضع آخرون رؤوسهم في المقصلة مقابل نجاتك. وتنزل عليك غشاوة تشبه البياض، بياض غير الذي تعودت عليه. وتنتشر في أعماقك العواصف والرياح الساخنة. تتأكد من أن لا أحد تقريبا يعرفك عندما يدخل الموت في كأس القهوة الصباحية التي تتناولها بخوف، في زاوية مظلمة في المدينة.
وهل يختار الإنسان منفاه؟ المنفى ليس إلا نتيجة لمجموعة من الانكسارات والخيبات التي تأكل الأفراد و الأوطان، وحتى الأحاسيس الدفينة التي تستيقظ فينا دفعة واحدة.
ثم فجأة يخونك جسدك، وبصرك، وذاكرتك؟ هل هو قانون العمر أم الحزن المبكر والمنفى؟ تدرك فجأة أن المنفى لم يكن فقط خسارات متتالية. تشعر به عمرا مضافا إليك، إذ كان يفترض أن تموت قبل ذلك بكثير. وأنت تعرف جيدا أن أكثر الأصدقاء تفاؤلا لم يكن يعطيك أكثر من عمر حشرة، ناموسة أو فراشة، من شهر إلى سنة، في سنوات الظلام الأولى.

ليلي، عمري.
أنت لا تدرين أن الصدفة هذه المرة كذلك، هي من أنقذتني.
لم أصدق ما حدث إلا بعد زمن طويل، وكأن الضربة كانت قاسية على الرأس، عندما عرفت الحقيقة، وكان المنفى قد سرق بعض الروح من حياتي ووضعني في مواجهة قدر آخر. كل شيء بدأ هكذا.
عندما عدت من صاليرنو، جنوب إيطاليا، رأيت على وجه ماسي وصافو بعض علامات الدهشة. لم افهم ما بهما، وقلت في خاطري ربما مجرد قلق عادي. سألتهما:
- هل حدث شيء.
بلادنا لم تعودنا على الأخبار السارة. كل يوم تزداد قائمة المقتولين من الأصدقاء طولا. لا يعرفون قاتلهم ولا سبب قتلهم.
- لا. لا يوجد أي شيء, سأل عنك أصدقاء كثيرون. وسألوا هل أنت في الجزائر أم في باريس؟ قلت لهم أنك في سفرة إلى إيطاليا لتقديم كتابك الأخير. شعرنا بالدهشة لأن كل الذين سألوا عنك، لم يتركوا أي خبر سوى السلام. أكثر من عشرين مكالمة؟
- أنا نفسي لا أفهم. لابد أن يكون قد حصل شيء؟
تفحصت القائمة. كلهم أصدقاء المنفى الذين اضطروا إلى ترك سمائهم الهاربة. بدأت بالأول. نجاة. باحثة وأستاذة جامعية.
- خير إن شاء الله؟ قلت من وراء السماعة.
وقبل أن أبدأ، انهمرت بكاء.
- الله يخرب بيتك، أشعرتنا بعقدة الاستمرار في الحياة.
- أنا لا أفهم. كنت في سفرة لتقديم روايتي الجديدة ولا علم لي بما حدث؟
- سمعت في إذاعة فرنس أنفو France Info، أنك قتلتّ في الجزائر وأنت تغادر بيتك للذهاب إلى عملك. فقلت للأصدقاء: أعرف أنه يسافر كثيرا وسريا، إلى الجزائر للقاء طلبته، ولكنه هذه الأيام في باريس، في جامعة السوربون.
انتابتني حالة من الكآبة والصمت.
- ماذا يعني هذا الكلام؟
- يجب أن تحذر، أو ربما أخطئوا فيك؟ من يدري.
القائمة كتبها ماسي بانتظام، هكذا تعود أن يفعل هو وصافو، منذ أن وضعنا رقمن في القائمة الحمراء، ولا يملكه إلا الأصدقاء المقربين. الاسم الثاني، صديق مسرحي منفي، يقيم في مدينة أفنيون بعد أن ارتبط بعقد سنوي جيد، مع مسرحها كمخرج. كان أهم مسرحي جزائري. كنت قد بدأت أفهم ما حدث.
- كما ترى، عمر الشقي باقي.
- بصراحة لم أفهم، رجل يمد رجليه إلى أقصى الحدود، بين ضفتين. استقر يا أخي في مكان حتى نعرف أين تقيم. وحكاية القتلة هذه؟ أنبت نفسي أني حلمت دائما أن أخرج إحدى رواياتك للمسرح ولكني لم أفعل للأسف. وشعرت كم كنتُ تافها أننا لم نلتق ولم نتحدث. المنفى طاحونة قاسية وقاتلة. خبر قتلك أذيع على كبريات القنوات الإذاعية وعليك أن تنتهي من بوهيمتك. في لحظة من اللحظات صدقته لأني قلت في خاطري: هذاك المجنون يفعلها، ولن يترددوا في قتله إذا صادفوه.
التفت صوب ماسي وصافو، كانا منهمكين في عملهما. عادة يطلبان مني المساعدة، في ذلك اليوم تركاني مع التليفون فقط. الثالث في القائمة كانت ريحانة، راقصة البالي الرائعة. الوحيدة التي كلمتني من الجزائر بعدك. عندما فاتحتها. انهالت عليَّ كالسيل.
- والله لو كنت في مكان هاجر، لقتلتك. معقول؟ تدفن نفسك هناك وتنسى أن هناك مخلوقات تعيش على وقعك، وتتعايش مع الموت اليومي وتنتظر صوتك. أعيش على صوتك فقط، يمنحني بعض القدرة على الحياة بعدما خسرنا كل شيء، الدار والدوار.
- واش تحبي يا ريحانة! الدنيا بنت كلب.
- يلعن دينك ما أسوأ عذرك. لعنتك آلاف المرات ولكني سعدت عندما عرفت أنك ما زلت حيا. هل تدري ما معنى أن تتنفس الحرية؟ أن تنتظر صوت رجل من بعيد وأنت تعرف أنه لن يأتي هذا المساء، ولكنك تستأنس على الأقل أنه ما يزال حيا ووجوده يمنحك بعض القدرة على الاستمرار. هذه المرة شعرت بذنب عميق وبرغبة للجلوس بقربك مثلما كنا نفعل في الشتاءات المسالمة، في بيتك، نسمع الموسيقى، تحضنني من الوراء، أحس بك عميقا. تشعرني بوجودي وأنني امرأة ما تزال مشتهاة. عندما تتوقف الشهوة، تنهض الشيخوخة. لم تسألني يوما عن زوجي ولم أسألك يوما عن زوجتك. لم يكن ذلك شأنك ولا شأني. ونتذكر بعض حماقات الدنيا، وقصتي المبتئسة مع زوجي الذي لم يتحمل أن يعيش مع لبوءة وليس امرأة كما كان يقول دائما. قال أنا أريد ريحانة لي، تعبق بعطرها عليَّ وحدي، وليس للأوبرا الوطنية. كرهت حياتي وأنا أجوب الأسواق والمحلات وهم يرددون: شفت البارح ريحانة؟ كانت مذهلة؟ ريحانة ربي أعطاها الزين والجسد الغض، كانت طائرة في السماء كعصفور الجنة؟ ربي يحفظنها من العين... قلت له: يفترض أن يثير فخرك بدل انكسارك. قال: زوجتي في البيت وليس على ألسنة الناس في الشوارع، عند اللي يسوى واللي ما يسواش. قلت له ببرودة: أعتقد أننا أخطأنا بعضنا بعضا. في ليلة كان مسود الوجه، بعدما عاد من صلاة المغرب، ممتلئا بالضغينة. لم أفهم تمتماته: قال بدءا من الغد توقفين حكاية البالي والرقص. حاولت أن أقنعه أن الأوبرا هي حياتي وأن انفصالي عنها معناه موتي المؤكد. لم يفهم شيئا. قلت بصرامة: لا. لا أدري ماذا حدث. ضربني حتى سقطت أرضا، وشعرت في لحظة من اللحظات، برأسي ينفصل عن جسدي. لأول مرة أرى الموت في وجه زوجي. مثل الخرقة البالية رماني على السرير وهو يصرخ بشكل هستيري: سترين اليوم من أكون يا قحبة المسرح ومحظية العسكر. شعرت به وهو يغتصبني بكل ما أوتي من عنف. بدأ لحمي يموت شيئا فشيئا حتى أني لم أعد أحس بأي شيء. بعد لحظات، لم أدر كم دامت، رأيت وجهه من وراء كومة الضباب يبكي، ويصرخ بأعلى صوته: يا ربي سيدي ماذا فعلت في حق زوجتي؟ واش درت؟ الله الشيطان ولد الحرامي؟ كنت غارقة في دمي وهو يعتذر ويسلم على رجلي. نمت على بياض، ولم أفطن إلا في اليوم الموالي. قمت بصعوبة. اغتسلت من كل شيء حتى من نظراته التي ظلت ترقبني. أراد أن يعتذر مرة أخرى. لم أقل شيئا. خرجت. لم آخذ أي شيء. ولم أعد له أبدا حتى فكنا القضاء.
- يا الله، خسرت قيدا وربحت حياتك.
- الوحدة قاسية، ولكني مسئولة وسعيدة لما قمت به. أرجوك حافظ على نفسك. القتلة يبحثون عن أية روح حية. أنا نفسي غادرت بيتي وأقيم عند أختي.
كان نوع من البياض يلف ذاكرتي. شعرت كأني كنت أمارس لعبة بها رائحة تشبه إلى حد كبير رائحة الموت. صافو وماسي تركا العمل قليلا وانهمكا في متابعة فلم مغامرات. كانا داخل عالم تبنياه بسرعة، أكثر مني.
- وحق ربي ظننت أنك قتلت. سمعت الخبر في إذاعة ميدي الدولية. سحبت نفسي وذهبت عند أخيك عزيز وأخبرته بما سمعته. طمأنني قليلا أنك في باريس. ولكنه هو كذلك انتابته شكوك كبيرة لأنه يراك دائما تتحرك بين ضفتين. ذهبنا عند حسان، أخيك الكبير لنرى كيف نخبر الوالدة. من حظنا أنه كان قد كلمك وعرف القصة.
- يبدو أن الله سيمنحنا عمرا آخر. شكرا عبد الله.
- يا خويا طول العمر، تهلا في روحك. والسلامة في الرأس.
عبد الله ابن عمي. قروي طيب. شبعان من الدنيا، وهو لا يملك قوت يومه. كان مرهقا ولم يكن يريد أن يثقل عليَّ بالحديث.
وضعت عليه خطا في القائمة وبحثت عن رقمها. ماسي وضع رقمها أمام اسمها.
- صوفيا، عاش من سمع صوتك.
فجأة أجهشت بالبكاء إذ وجدت صعوبة كبيرة في الحديث إليها وإسكاتها.
- يا مهبول، ليس من حقك أن ترمي بنفسك إلى التهلكة. وحياتك صرت معلقة على نشرات الأخبار منذ أن بدؤوا حملة الإبادة. نسيت قتلهم لأساتذة اللغة الفرنسية والتاريخ والشعر والرواية، وبدأت أعيش على وقعك؟ في البداية قلت في خاطري، هذا الرجل تركنا وخرج في ظرف كنا في حاجة ماسة له ولم يخبر أحدا من محيطه، يجب أن لا أسأل عليه وأن أخرجه نهائيا من ذاكرتي وذاكرة أصدقائنا. وأخرجتك من ذاكرتي وانهمكت في حياتي الزوجية، عملي وبناتي الثلاث. إلى أن فجر في لغم غيابك إحساسا غامضا كنت أظنه مات وانتهى. لا أدري إذا كان الموت يكبر الأشياء في أعيننا، ولكني شعرت أني فقدت عينا كنت أرى من خلالها نفسي كلما أظلمت الدنيا عليَّ. الأغرب من ذلك كله، عندما سألني زوجي عما أصابني، بطيبته المعهودة: ربما مجرد كذبة. الناس هذه الأيام يقتلون بالكلام أكثر من الرصاص... زاد انشدادي إليك على الرغم من أني غاضبة منك جدا... جدا... طبعا لا نغضب إلا ممن نحب. طلبت من أخيك رقمك الجديد الذي ترددت أمامه كثيرا، العديد من المرات عندما كانت تظلم الدنيا في عيني. ثم قلت ليكن، ولكني لم اسمع إلا صوت ابنك الذي يشبهك. كدت أجهش بالبكاء لولا أنه نبهني أنه ابنك وأنك في إيطاليا وأنك بخير.
- يا الله لنقل إنها ضربة جاءت في الفراغ.
- الحمد لله على سلامتك. لا تنس أن لك وراء المتوسط من يحبك... ولو أن ليلى الوهرانية أخذتك منا نهائيا...
ضحكت. عرفت بسرعة مراميها.
- ليلى الوهرانية...
- تضحك طبعا... اضحك يا خويا... قلبك بارد.
- لا... ذكرتني كلمة ليلى الوهرانية بأسماء الشيخات... حبيبة العباسية... الرميتي الغليزانية... الجنية السعيدية...
- الحمد لله أنك مازلتَ قادرا على الضحك والتنكيت في بلد كدنا ننسى فيه أن الدنيا ما تزال قائمة، وأن الجزائري ما يزال قادرا على الحب والضحك.
لم أعلم بالساعة إلا عندما شعرت بحرارة صافو وهي تطبع على جبهتي قبلتها المعتادة كما تعودت أن تفعل قبل أن تنام، وماسي يعطيني خده الساخن ووجهه المحمر، قبل أن ينسحب نحو فراشه بكتابه الذي لا ينام إلا به: أمير الخواتم، لطولييكن . انتهى من قراءة جزئه الأول: جماعة الخاتم، القلعتان، وهو بصدد الانتهاء من: عودة الملك.
- تصبح علي خير بابا.
- تصبحون على ألف خير.
كنت سعيدا أن الناس الذين يكرهونني، أشدد على يكرهونني، لأني في أعماقي، لا أحمل أية ضغينة لأي شخص، لم يكونوا من ضمن قائمة من سال عني. قد لا أحب بعضهم ولكني لا أكرههم، ولا أتمنى لهم أي مكروه، فأنا لا أملك الموهبة الكافية لذلك. لا أحد منهم سأل عني، فأعفوني بالتالي من جهد تغيير رأيي فيهم.
كنت أستعد للمرور إلى رقم آخر، عندما رن التليفون. كان لأحد الأصدقاء الصحفيين من الذين هاجروا فيما بعد، إلى أمريكا بعد أن قتلت زوجته عند باب المدرسة لأنها أستاذة رسم وفنانة. لا أدري في أي شيء كان يفكر قاتلها؟ وهل كان يفكر أصلا؟ ماذا فعلت سوى أنها جعلتنا نمتلك الحلم، وكيف نضعه في جيوبنا ونركض به كالأطفال من بيت لبيت، ونصر على أننا أصبحنا بقدرة قادر سحرة وبإمكاننا أن نحمل الألوان والسماء والبحر في جيوبنا، أو في أكف أيدينا. وعندما تثقلنا الألوان، نضعها في أعيننا ونركض صوب الشمس.
- أتمنى أن لا أكون قد أزعجتك أخي واثيني (واسيني)؟
عرفته من عضة لسانه عندما ينطق حرف السين. مالك:
- لا أبدا يا مالك. من أين تتلفن.
- من قسنطينة.
- كنت أفكر في أن أتصل بك غدا. كيف جريدة النصر؟ كيف حالكم مع الطاقم الجديد. احذر من القتلة. دمويون ولن يرحموا أحدا.
- بوف أصبحنا قدريين. كنت أريد فقط أن أعتذر منك. حاولت الاتصال بك بكل الوسائل ولكنني لم أفلح. الصحافة حمقاء أحيانا، لكن القتلة سرقوا منا عقولنا وأصبح المستحيل ممكنا. أعتذر أخي العزيز وأرجوك أن لا تؤاخذني.
- لم افهم جيدا.
- على كل حال النية كانت طيبة، وهي تغطية موت صديق عزيز قضى عمره يناضل من أجل حداثة يبدو أنها مستحيلة في هذه البلاد. البارحة نشرنا مانشيت على الصفحة الأولى تخص اغتيالك. وصلنا الخبر عن طريق وكالة الأنباء، وهذه صيغته أقرأها عليك حتى تعرف كل شيء مني، قبل أن تسمعه من غيري: اغتيل صباح اليوم الكاتب الروائي واسيني الأعرج وهو في طريقه إلى عمله. وكان واسيني إضافة إلى كونه أستاذا في الجامعة، كان موظفا في إحدى مؤسسات منظمة الأمم المتحدة.
- ولكنك تعرف بأنه لا علاقة لي بحكاية الأمم المتحدة هذه. عجيب كيف تصنع لك صورة أنت آخر العالمين بها. ليكن؟
- الخير مازال الكدام (القدام)، قالها بلهجته الجيجلية:
- كتبت عنك صفحة كاملة اشترك فيها عن طريق التليفون كل من يحبك ويحب شجاعتك وكتاباتك. واخترت للصفحة الأولى صورة لك وأنت تلقي محاضرة في قاعة النفق الجامعي،
ومانشيت بعنوان: اغتيال الروائي واسيني، لن يقهر القتلة، صوتك الكبير. ثم صورة ثانية لك في مقبرة عين البيضاء بوهران، يوم دفن الفنان عبد القادر علولة، وأنت تلتفت صوب جبل وهران وسانتا كروث.
كان يتحدث كمن يصف مشهدا سينمائيا. لم أصدق، كيف تزداد أهمية الإنسان ميتا أكثر منه حيا. ولهذا، علينا أن نموت جميعا لكي نحصل على الأوسمة والتكريمات. لم أرد أن أؤذيه واحتفظت بردي في داخلي وأضفته إلى بيتي الكبير، في داخلي والذي أسميه بيت الأسرار.
لا أدري كم كانت الساعة، ولكن كل شيء كان ساكنا، حتى حركة الشباب الذين تعودوا أن يلعبوا لعبة القط والفأر مع الشرطة، في هذا الحي الباريسي العمالي المكتظ بالبشر . كلما كلمت شخصا لأعتذر له أنني ما زلت على قيد الحياة، كانت القائمة تطول أكثر، فأكثر. فجأة أدركت أن المنفى على الرغم من مرارته، لم يكن فقط خسارات متتالية.
ها هو عمر آخر يضاف بسخاء إلى العمر المسروق، إذ كان يفترض أن أموت قبل هذه الفترة بكثير. وأكثر الأصدقاء تفاؤلا لم يكن يعطيني أكثر من عمر حشرة، ناموسة أو فراشة، من شهر إلى سنة، في سنوات الظلام الأولى. وها هو العمر يطول ليتخطى كل الحسابات والفرضيات. أي حظ هذا؟ وأي عمر جميل يمكن أن يعاش خارج رشقات الرصاص، وحفيف السكاكين وهي تذهب وتجيء في حركة دائمة ومخيفة؟
كثيرا ما نكره الصدف، لكن بعضها استثنائي كالذي يلاقينا بامرأة تعيد صياغة حياتنا، أو كما حدث لي، ودفع بأصدقائي في كل مكان، إلى الاتصال بي فقط ليتأكدوا من أن ما سمعوه عني لم يكن صحيحا.

ليلي الحبيبة. صدفتي المذهلة.
أنا ابن الصدفة وعليَّ أن أشيِّد لها تمثالا عظيما في قلبي. هذه المرة أيضا، أنقذتني من موت مؤكد. غيرت مسارات القدر نحو مسالك أخرى. غريب أن يقرأ الإنسان خبر موته في إحدى الجرائد الوطنية، ويسمعه في إذاعة ميدي الدولية المغربية الفرنسية، وفرانس-أنفو الفرنسية. تذكرت يومها صديقي الشهيد، الكاتب علي فوده، الفلسطيني الطيب، الذي قرأ خبر موته وهو في أحد مستشفيات بيروت في اجتياح 1982 الإسرائيلي. قاوم باستماتة الاحتلال الإسرائيلي ووزع جريدة المعركة التي كان يصدرها محمود درويش كأي مناضل ملتزم بخياراته.
أسترجع ذهنيا المانشيت التي قرأها علي صديقي مالك، في جريدة النصر: : اغتيال الروائي واسيني، لن يقهر القتلة صوتك الكبير. أشعر بشيء من الزهو الغريب والافتخار وكأن موتي الافتراضي زاد من قيمتي قليلا في مجتمع لا يعترف بك إلا إذا قتلك. ثم ينتابني خوف عميق. أول شيء قمت به هو إخبار أهلي، أمي خصوصا وتكذيب الخبر وطمأنة كل الأصدقاء الذين كانوا يعرفون مكان إقامتي.
في أعماقي أشعر بعقدة ذنب لا أستطيع مقاومتها أبدا. لابد أن يكون قد حدث خطأ ما، في لحظة ما. القتلة يخطئون أيضا. أشعر دائما بأن هناك رجلا حماني بصدره ليمنحني كل هذا الزمن، وأنا مدين له بالرغم من أنه لا يدري لماذا قتل بالضبط؟ الرجل الذي قتل، كان موظفا بسيطا في الأمم المتحدة، يمر كل صباح بالقرب من الجامعة، يشرب قهوته في لابراس La Brasse المقابلة للجامعة، يتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه من الجامعة، ثم يتوجه إلى عمله في منظمة الأمم المتحدة. لم يكن بين اسمي واسمه إلا بعض القلب. من نفس مدينتي الأصلية. كان اسمه: واسيني الأحرش. حرفان كلفاه رصاصة في الرأس لم تمهله ثانية واحدة لكي يعلن عن الخطأ، وأنه ليس هو المعني. لم يكن يعرف وهو يخرج في ذلك الصباح، أنه سيقتل في مكان رجل آخر لم يره إلا بالصدفة في مقهى الجامعة عندما سمع باسمه: واسيني. اندهش. قال وهو يضحك:
- لابد أن تكون من ولاية تلمسان. هذا الاسم ليس وطنيا.
قلت له، نعم.
- كنت أعرف ذلك. معرفة خير. أنا أيضا اسمي واسيني، وأعمل بالولايات المتحدة.
دفع لي ثمن القهوة وخرج، منذ ذلك اليوم لم أسمع به إلا عندما عرفت أنه قتل في مكاني. كان على العكس مني، هادئا وزوجا صالحا، وعاملا مواظبا على عمله، ولا يحشر أنفه في السياسة. صراعي مع القتلة كان صراعا يتعلق بغريزة البقاء. كم اشتهي أن يمنحني الله بعض العمر فقط لأقف على قبره قليلا وأعتذر منه، لأن الأقدار التي وضعته أمامي ليقي صدري من الرصاص القاتل، لم تسأله في ذلك الصباح الباكر عن رأيه ولم تدقق أبدا في هويته ولا حتى في وجهه الطيب.
لن أضيف إلى ما تعرفينه عني شيئا جديدا إذا قلت لك إن المنفى سمح لي أن أرى مدنا صنعتها الحياة والكتابة، وأن أحلم مئات الأحلام التي لم تكن الكوابيس بها إلا صورا زائلة. المنفى علمني أيضا أن لا شيء يضاهي الجلوس في أية شرفة و في أية مدينة في الدنيا، وشرب كأس، شاي أو نبيذ لا يهم، بدون أدنى تفكير فيما يحيط بنا، وتأمل غروب شمس أو التمادي في بحر نيلي يذكرك بعالمك اللغوي الذي لا يموت. السعادة أحيانا وربما دائما، لا تتطلب الكثير، سوى بعض الحب والسخاء، وقليل من الحرية.
صحيح أني خسرت أرضا جرحت ذاكرتي، ولكني ربحت وطنا عظيما، هو وطن الكتابة. أرضي الوحيدة والنهائية. وحدها الأصدق. وحدها الأبقى عندما ينكرك الآخرون ويخرجونك من ذاكرتهم.
صحيح أن أقسى ما في المنافي هو أن تعرف بأنك ستموت وحيدا في العزلة، خارج وطنك وخارج أرضك ولكن، الصحيح أيضا أن المنفى يمنحك حياة لم تتخيلها، ووطنا تنشئه بسهرك وأظافرك وخوفك، لا يشبه الأوطان كلها، لأنه ملكك وحدك، وطن الكتابة، لن تتخلى عنه مهما كان الثمن غاليا وعسيرا. تظل تصر وتقاتل من أجل أن تظل شوارع، وأنفاق، ودروب هذا الوطن مضاء ومنارة، ليل نهارا مهما كانت الخيبات كبيرة وشروط الحياة قاسية إلى أقصى الدرجات، والثمن غاليا.

ليلي... عمري...
حبيبتي وعنائي الجميل.
أتساءل اليوم وأنا في قمة صفائي الذهني الذي لا أضمنه بعد سنوات قادمة، هل خسرت وطنا حقا عندما خرجت في ذلك اليوم الشتوي القاسي مستجيبا لرغبة عميقة فيك، ولم ألتفت ورائي لكي لا أتراجع؟ لكي لا أرى؟ لكي لا أندم؟ بالضبط لا أدري.
ربما كنت أصلا لا أريد أن أعلم.
أحبك وأحزن لبعض أسئلتك غير السارة.

ياسين، الدوحة، ربيع 2006



واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 04-20-2010, 12:06 AM   #29
معلومات العضو
محسن سعود

الصورة الرمزية محسن سعود



من حقك الآن وأنت تضعين نفسك في موضع أنثى الظل، أن تحملي مسدسا تجوبين به مدينة الكلمات وأزقتها الضيقة، بحثا عن وَهْم اسمه مريم لاغتياله. من حقك أن تصنعي فراشا جديدا من الرسائل واللغة، تنامين عليه كلما كانت قسوة الدنيا عالية. من حقك أيضا أن تشعلي النار في كل الأوراق التي جمعتنا، وتحوليها إلى حفنة رماد تبعثرينها مع رياح الخريف القادمة. من حقك أن تفعلي ذلك كله، لن يتغير شيء. ستظل مريم الأنثى الظليلة التي تغطي ضعفنا وهزائمنا، ودسائسنا الصغيرة.


إنّي أغرق
محسن سعود غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-19-2010, 01:09 PM   #30
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل







-1-
- ياه! نسيت تماما... غبية أنا. وهل هناك قهوة توقظ الحنين الميت وتفتح العيون، أحلى من قهوة الفجر؟
سحبت ترمس القهوة برجلي اليمنى، من زاوية المكتب، حيث وضعته منذ لحظة دخولي إلى السكريبتوريوم. الرشفة الأولى، شعرت بها كأنها تنزل في بطن فارغ. كانت قوية ودافئة. تتبعت مسارها حتى النهاية. شعرت بانتعاش غريب. الثانية أحسست بلذتها. الثالثة... الرابعة... بدأت سكرة التعب تنسحب شيئا فشيئا.
الفجر ينزلق نحو السكريبتوريوم في غفلة مني، والليل ينسحب بهدوء وسكينة.
توغَّلَ نور خفيف من وراء فجوة الكوة النصف مفتوحة، فتسربت رائحة المطر الممزوجة بتربة الحديقة وزهر الرمان، إلى عمق المكان. لا أعرف ما العلاقة بالضبط، ولكني شعرت بلذة ما على رأس لساني.
أتحسس أشيائي المحيطة بي.
لا شيء سوى الذبابة التي كانت تحسسني بوجودها من حين لآخر بطنينها الحاد. كنت أظنها ماتت أو انسحبت، ولكنها عادت إلى الدوران الفارغ وكأن النور المتسرب من فجوة الكوة الصغيرة، أيقظها. بدأت تزعجني وتمنعني من التركيز، على الرغم من أني لم أعد مهتمة بالزمن كثيرا لأني كنت خارجه. كان يذوب كقطعة ثلج تحت أشعة شمس حارقة.
لا ورق على الطاولة في الجهة اليمنى، إلا الرسالة الأخيرة التي بعثها لي واسيني قبل أن يتركني في مطار روما لأعود إلى برلين، ويسافر هو إلى الدوحة لحضور ندوة الأدب والمنفى. كانت على وجهه مسحة حزن، لا أريد اليوم أن أراها في عيني واسيني عندما يسافر، لأنها تقهره في الأعماق وتظل عالقة في ذاكرته وتطحنه بعنف. أعرف أنه هش جدا ولا يتحمل قسوة الصمت. ربما كنت الوحيدة في الدنيا التي تستطيع أن تقول ما أقوله، لأني عبرته من الداخل واكتشفت كل دهاليزه المضاءة بنور الحياة.
أحاول أن أسترجع بعض أنفاسي الضائعة وسط هذه العزلة التي تتكاثف من حولي لتضغط عليَّ بقوة، كليمونة.
يبدو أن الانفصال بيني وبين مريم أصبح كاملا. والعداوة استفحلت نهائيا. لأول مرة أشعر بقوة، وبلا أدنى ندم، أني لم أكن مريم، وأني كنت أيضا بعيدة عن ليلى البسيطة، المهبولة، ذات العينين الطفوليتين، المليئتين بالغيرة عندما تداس أرضها، والقادرة على ارتكاب كل الحماقات حتى في حق نفسها.
لست امرأة مثالية. لست قديسة، وأرفض أن أكونها.
طنين الذبابة الزرقاء يمنعني من التركيز، لكنه لا يمنعني من الكتابة والقراءة. انتبهت فجأة، وسط فوضى المكتب، إلى أن المسدس كان مصوبا هذه المرة باتجاه اللاشيء. وربما باتجاه كل شيء.
أغمضت عيني وحاولت أن أهمل وجوده لكي أتمكن من التقدم. تحسسه يورثني بعض الاطمئنان ، لكنه في الوقت نفسه، يخيفني لا أدري لماذا؟

-2-
أغمضت عيني وحاولت أن أنسى وجودي قليلا داخل السكريبتوريوم.
لم نفكر أنا وواسيني، ولا لحظة واحدة في الزواج إلا عندما داهمني خوف بفقدانه. طبعا، واسيني، كعادته في كتاباته، لم يقل الحقيقة في وقع الأحذية الخشنة، أو على الأقل لم يقل حقيقتنا، ولا حتى في طوق الياسمين، التي كتبها بعد عشرين سنة من الأولى، وانتظرت أن يقول العنفوان الذي كان في قلبي.
أقول اليوم بصراحة، بعدما هزمه قلبه، لم ينصفني واسيني أبدا. كان قاسيا علي. فأنا لم أتزوج لأني كنت أرغب في الزواج، أو لأن العمر بدأ يخذلني. عندما حدث ذلك كنت ما أزال شهية كتفاحة، وشابة مليئة بالأشواق والرغبة في اكتشاف الحياة وقضمها وعدم الاكتفاء بهوامشها. كنت مثله تماما، أعرف أن الزواج في صورته المهيمنة، مؤسسة قاتلة، واختيار خاسر، واختبار فاسد للحواس، وخاتمة لرعشة قوية نريدها عبثا أن تظل في ألقها وعنفوانها.
أتذكر أني سألته يومها سؤالا طفوليا، ربما لم يكن بريئا:
- واسيني، هل تحبني؟
- وهل في الله شك؟
قالها بسخريته المعهودة.
- لا أريد هذه الإجابة الفضفاضة. هل تحبني؟
- نعم... أنا أحبك حبا جما، وإذن أنا موجود يا سيدتي ويا أميرتي...
- لسنا في مدرسة، وكن جادا لمرة واحدة في حياتك.
- نعم يا ليلي، أحبك. أحبك. أحبك...
- وتريد أن ننجب مايا؟
- طبعا. يبدو أن المسالة أكثر جدية مما تصورت؟
- طيب، قل لي فقط، كيف سنفعل؟ نورني، فأنا لم أعد أفهم شيئا. نعيش في بلاد متخلفة، شرط إنجاب الأطفال فيها مربوط بوثيقة؟
- مثلما فعل الله مع مريم. نفخ فيها شيئا من روحه. وأنا أفعل ذلك يوميا. هل المسالة صعبة إلى هذا الحد؟
- عدنا إلى السخرية؟ يبدو أنك تهرب من أسئلتي.
- ليلي. عمري. عذرا. أريد فقط أن نخرج من هذا الجو المشحون. فهمتك جيدا. ولكني لست مؤهلا للزواج. لم أر شيئا من الحياة. لو تزوجتك الآن، سأخونك غدا. أنا جاد ولا أمزح. أحبك، وأريدك أنت بالذات أن تظلي معي طوال عمري. لا أعرف إذا كان الحظ سيحالفني للالتقاء بامرأة مثلك.
- كيف نجعل من الحلم حقيقة، كما جعلنا من الرغبة وجدانا لا يموت؟
انكسرت عيناه. صمت طويلا وكأنه أدرك فجأة أن المسالة جدية، وأن ما سيحدث سيكون خطيرا وقاسيا. شعرت من عينيه، كأن ثقل العالم كله نزل على صدره، وضاق نفسه بشكل ملحوظ. رأيته يتنفس بصعوبة كبيرة.
ثم قال:
- ليلي حبيبتي، طريقنا منذ البداية كان واضحا وصريحا. اخترنا مسلكا جميلا ولكنه صعب، إما أن نواصل فيه وإما...
ثم سكت من جديد. ساعدته على إتمام سؤاله. كنت مجروحة في الصميم:
- وإما... قلها ما تخافش. وإلا نفترق؟ هكذا إذن أهُونُ عليك إلى هذا الحد؟ واسيني، هل جربتَ أن تكون امرأة في عالم ذكوري معتوه، يجرك كل صباح بخطوة جديدة نحو العصر الحجري حتى لا أقول القبر، ويسحبك نحو فراش المومس، ويقتل شهوتك في اللحظة التي يلمسك فيها؟ هل جربتَ أن تحني رأسك فقط لأنك لا تعرف كيف تخبئ حبك أمام الآخرين الذين يعرفون حقيقتك؟ هل جربت مثلا، أن تكون ليوم واحد فقط، امرأة في مجتمع قامع يعيش على كذبة كبيرة اسمها العفة؟ مستعدة أن أواجه كل دبابات العالم وقنابلة الذرية، مقابل لحظة واحدة أعيشها معك بحرية، ولن أضطر في كل لفتة، إلى تبرير وضعي. هل فكرت في ذلك قليلا؟ طبعا لا. أعرف. أنت مرتاح في عالمك الرائع الذي لا يكلفك شيئا كبيرا. للأسف، لا تتفرد في هذا عن بقية الرجال.
شعرت بأني كسرت شيئا عميقا فيه.
هذه المرة كذلك لم يرد. توغل في صمته كمن يدخل نفقا لانهاية له.
دخن سيجارة، بدون أن يتكلم. سيجارتين. ثم ثلاث سيجارات. عشر. امتلأت الغرفة بالدخان. انتظرته طويلا حتى ظننت أنه نسي أني كنت معه. إلى أن نطق بهدوء ويقين وصفاء مؤلم. ليته صمت:
- عمري... أحبك. كل شيء في الدنيا يقودني نحوك. ولا أعتقد أن الأقدار تلاقيني بمن هو بقدر سماحتك وغناك الداخلي وألقك ورهافتك. سأفقد فيك حبا لن يتكرر أبدا. ولكن يبدو لي أني لست مؤهلا لأن أكون زوجا جيدا. ثم... أنت أفضل مني بكثير. لا أصلح مطلقا. لا شيء يقيدك بي. من حقك أن تذهبي وراء حياتك وحلمك. أنت الآن حرة. افعلي ما تشائين...
بقيت للحظة خارج أي شيء كان يحيط بي. شعرت بفجوة في دماغي اتسعت بسرعة. كل شيء أصبح رخوا تحت قدمي. كنت أقف بصعوبة كبيرة على حافة لا حدود لأخدودها: حافة النار وحافة الجحيم. أحسست بشيء غريب لم أفهمه جيدا. كيف يمكن لواسيني أن يتخلص مني بهذه السهولة؟ لا يعقل. هل يقبل أن يقذف بي هكذا، بين ذراعي شخص آخر، لا يحبه كثيرا، ولا تتحرك فيه حتى حاسة الغيرة؟ لابد أن يكون قد جن؟ حاولت أن أتماسك بصعوبة.
واسيني لم يجن، ولكنه كان في عالم وحده كان يعرف قسوته. كان يختبر سره الدفين وأشواقه وقدراته على تحمل غيابي.
كان ينزف داخل صمته وجنون قراره وحريته.
الكلمات الأخيرة التي شدد عليها كانت قاسية وكأنه فتح فجأة أمامي كل أبواب جهنم دفعة واحدة. أردت أن أصرخ بأقاصي ألمي، ولكني في آخر لحظة أحجمت لكي لا أخسره نهائيا. كنت أدرك أنه كان يداري جبنا يخاف من نتائجه. كان واسيني ضحية ارتباك داخلي لم يكن قادرا على مقاومته.

-3-
ليلتها لم أنم.
لم أساله كثيرا عن أشياء وددت لو يسمعها مني ولكني لم أستطع. لم أبك. لم أتكلم. عندما خرجت، ذهبت نحو أقرب قاعة سينما، سينما الكوليزي الأنيقة والواسعة، واندفنت فيها طويلا. بكيت مدة ساعتين في الظلمة، ثم خرجت مرتاحة من ثقل كبير، وبصفاء ذهني جميل. عندما سألتني عائشة ونحن عند الباب:
- ما رأيك في الفلم.
التفت نحوها. ولم أستطع كتم ضحكتي المليئة بالدموع:
- الله يخرب بيتك؟ هذا حالة واحدة رأت فلما؟
- أريدك أن تخرجي من حالة الحزن. واسيني يحبك. ستتغير الأمور، أنا متأكدة من ذلك. ولكن...
- ماذا ولكن؟
- لم تقولي لي رأيك في الفلم.
التفت نحو عائشة مرة أخرى. رأيت عينيها اللتين تشبهان عيني عصفور ضائع. عدت إلى الضحك مرة أخرى بشكل يكاد يكون هستيريا.
- توقفي يا عائشة... أرجوك. أنت راح تهبليني بأسئلتك.
في الطريق، تأكد لي أنه لكي نحزن لا نحتاج إلا إلى هزة غير منتظرة، ولكي نضحك، نحتاج حتما إلى نظرات عائشة التي لا تستطيع أن تخبئ سخريتها المبطنة من الحياة. ضحكت مثلما لم أضحك أبدا في حياتي.
عندما وصلت إلى البيت، كنت قد استوعبت داخليا فكرة إمكانية مغادرة واسيني. لم أكن أسمع لعائشة وهي تحاول أن تخفف من ثقل ما حدث بيني وبينه وتعتبره مجرد حالة طارئة، ولكني كنت غارقة في نداءات بعيدة كانت تسحبني نحو عقل افتقدته في كل الزمن الذي مضى. أو على الأقل هكذا تصورت.
الأيام التي مضت أكدت لي مسلكي. انتابني صفاء غريب، وأجبت أمي التي ظلت زمنا طويلا تنتظر إجابتي، بأني سأقبل الزواج من ابن عمي رياض الذي لم يتوقف عن المجيء والذهاب إلى الدار، حاملا الهدايا والعطور الغالية. سمعت أمي يومها تزغرد بأقصى ما تملك من قوة.
- سي ناصر سيكون أسعد ميت في الدنيا.
كنت أعرف أن والدي كان أكثر حزنا مني. كان منكسرا لحزني. رأيت وجهه لحظتها وقد علته سمرة طاحنة غيرت كل ملامحه. أدرك جيدا أنه لو كُتِبَ له عمر آخر، وتعرَّف واسيني لأحبه بعمق.
أمي المسكينة، قصة أخرى. لم تكن تعرف أنها كانت تولول لجنازتي القادمة.
عندما أخبرت واسيني بقراري، لم يقل شيئا. انتظرت لحظات طويلة أن يطلب مني منحه دقيقة، ساعة، يوما، شهرا، سنة، قرنا للتفكير، لكنه لم يفعل. لم يكن سعيدا وهو يحني عينيه المنكسرين نحو الأرض، لكي لا يراني وأنا أغادر بيته للمرة الأخيرة، تاركة ورائي كل شيء، كتبي، وفوطي، حقائب سفري، ألبستي الداخلية وأصداء قصة ماتت على عتبة بيت كان باردا جدا في ذلك الصباح.
رسالة واسيني بينت لي أنه كان في عز انكساره. جبروت اللحظة وضعه أمام استحالة لم يحسبها. ربما لم يفهمها أصلا لأن فداحتها كانت كبيرة.

* * *









واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:05 PM.