أُنْثـَى السَّرَاب - واسيني الأعرج - الصفحة 5 - منتديات المرايا الثقافية
   

آخر المشاركات          :: الدب القطبي (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: أعترف (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: ثمة كلمات (آخر رد :فاطمة منزلجي)       :: خنجر السم (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: ((احذر هؤولاء باحتراس))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: مطلقة (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: ((الإيمان و "الزّنزانة" المتجوّلة)). (آخر رد :شوق عبدالعزيز)       :: ((قضيًة شائكة للنًقاش))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: ((الكلام على الكلام سهل جدا))!!! (آخر رد :فضيلة زياية ( الخنساء))       :: هجاء احمد مطر للمالكي (آخر رد :عبدالرحمن المري)      
العودة   منتديات المرايا الثقافية > مَرَايَا أَدَبِيَّة > مَرَايَا الْقَصِّ
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-19-2010, 01:31 PM   #41
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل






02mn 00s


-1-
يتسرب الصباح بهدوء وسكينة نحو عمق السكريبتوريوم، وتتكشف أكثر أرضيته المغطاة بسجاد تلمساني قديم، وأشكال الأشياء المحيطة بي. المكتب بكل تفاصيله ودقائقه الصغيرة التي تلعب على سطحه، من أقلام ومسطرة أقيس بها حجم وطول الفراغ، ومحبرة قديمة، ومقص، وأجزاء صلبة من الورق، والمسدس الذي غاب تحت كومة الأوراق التي حركها الهواء البارد قبل قليل. الخزانات ذات الأحجام المختلفة التي يحتوي بعضها على ألبستي الحميمية التي لا أنزل إلا لأشم روائحها، وأتذكر بسرعة العطر الذي كنت أضعه يومها، ثم الأمكنة، الارتجافات التي جاءت بعد أول لمسة قبل أن أغرق في فراغ أبيض ناعم وحلو، مثل الشهد الصافي، ثم الجنون المصاحب لذلك. السرير الحديدي القديم الذي يشبه أسرة عسكرية يمكن طيها وجمعها بسرعة، كان مختبئا في الزاوية المظلمة مخافة أن تُكشف أسراره. صندوق المال الثقيل الذي كان يضع فيه رياض ماله ومسدسه قبل أن يغيره بآخر أصلب وأحدث، وأنعم بحيث لا يُرى أبدا وهو يتخفى وراء لوحة فنية اختار رياض أن تكون عادية حتى لا تثير شبهة السارق. الزرابي التي غُيرت كلها وعوضت بالسجاد الفارسي الغالي. صالون من طراز لويس الرابع عشر، يعطي للانطباع كأننا لسنا في قبو واسع، ولكن في محل بيْعِ التحف الثمينة. ثم الأشياء الصغيرة كالكؤوس الجميلة التي صنفتها في خزانة قديمة وضعتها في الطرف الأيسر. المكتبة الدائرية التي تحتل الزاوية اليمنى من السكريبتوريوم. التحف الصغيرة التي كلما رأيت إحداها، تذكرت ليس فقط تفاصيل المدن التي بتنا في فنادقها وشعرنا للحظة أن العلم كله ملك لنا وحدنا فقط، ولكن أيضا كل تفاصيل جنون السرير وهزات الروح.
النسمة الباردة التي انزلقت من فجوات الكوة، أيقظت الجسد قليلا.
الصمت والسكينة وكأن العالم فارق الحياة فجأة.
كل شيء في مكانه. ما حصل من تغيرات في نظام الأشياء، كان بسيطا. عندما نزعت بعض الأوراق التي كانت تغطي المسدس، انتبهت إلى أنه كان هذه المرة مصوبا تجاه الباب، وكأن هناك يدا تحركه في غفلة مني، أو تلعب به كما يحلو لها. الكمان انتفى في الزاوية الخلفية من المكتب، وطمرته ظلال الأشياء المحيطة نهائيا.
لا أشعر بالحاجة إلى النوم، ولكن التعب بدأ يقيد بعض حركاتي، ويثقل كثيرا من ردود فعلي تجاه كل ما يحيط بي.
يبدو أن كؤوس القهوة التي شربتها، لم تعد تجدي نفعا الآن.
كنت بالفعل أحتاج إلى هذه النسمة البحرية المحملة بنداءات المدينة الفجرية التي توقظ فيَّ أناشيد والدي وهو يفتح نافذة بيتنا القديم فقط ليضحك قليلا، ويطمئنني بسخريته المعهودة بأن البحر لم يغير مكانه. كنت أقوم في الصباح الباكر على تلك النسمة وعزفه الذي يشبه النداءات التي كانت تأتي من عمق سحيق. مازلت حتى اللحظة أسمعها، كلما خلوت إلى نفسي. لم يترك لي سي ناصر إرثا موسيقيا فقط، ولكن أنينا عميقا مصحوبا بخيبة ثقيلة لا أعتقد أن ظهري قادر على تحملها. ومع ذلك يستحق والدي أجمل ركن في قلبي. فقد ورثني جنونه الهادئ، ومنحني فرصة جميلة لأن أكون أنا، تماما كما اشتهيت أن أكون.
تحسست المسدس مرة أخرى لسبب لا أعرفه، وكأني كنت أبحث عن شيء ما يتخفى وراء صمته ودورانه الدائم على سطح المكتب. كان دافئا على غير العادة. شعرت فجأة بألفة غير طبيعية نحوه، أنا التي ربيت في بيتنا على كره كل ما له علاقة بالسلاح الأبيض أو الأسود. كان سي ناصر يقول لي دائما: السلاح الناري غير كل القيم البشرية، وقلبها على رأسها. أفْقَدَ الإنسان الرجولة والكرامة، وساوى بين المقدام والجبان، وسيفقده ما تبقى من كبريائه.
أعتذر من قلب والدي الحزين، سي ناصر. لم يكن ذلك إحساسي أبدا وأنا أحشو المسدس بالرصاصات السبع. فقد شعرت بانتشاء كبير وبثقة لم أعهدها في نفسي.
«لا يا بابا... أنا امرأة كاملة... لن أخطئ هذه المرة هدفي.»

-2-
حقي الطبيعي إذن، في أن أرفض وضعا فُرض عليَّ لدرجة أنه كبلني ومنعني من كل حركة. حبي الهبلي لواسيني جعلني أتغاضى عن حقي في وضع مريم في مكانها على الرغم من تماديها. كلما كلمته عنها، رنت في رأسي، بشكل مكرور أجابته: ليلي عمري... مجرد امرأة من ورق؟ أي ورق؟ أكاد أصرخ بأعلى صوتي: ورقك يقتلني. إنها تحرقني كل يوم قليلا، ثم تقف في الزاوية تتأملني بسخريتها المعهودة وبراءتها المغلوطة. وصلت إلى درجة أني فكرت يوما في حرق روايات واسيني كلها، لأنها لم تنتبه أبدا إلى أنها كانت تعطي الحياة لآلة مدمرة وساحقة اسمها مريم. كنت منكسرة وحزينة عندما جمعت مؤلفاته. راكمتها فوق بعضها البعض. كان عددها عشر روايات. وضعت من تحت: البوابة الزرقاء، ومن فوق: الليلة السابعة بعد الألف. لا تفسير لدي لهذا الترتيب الذي لم يكن منطقيا ولا تاريخيا. فتحت فوهة المدفأة الغازية التي كانت حرارتها تصلني حتى السجاد الفارس الذي كنت أجلس عليه. عندما هممت أن أرمي بها في عمق اللهب، راودني إحساس غريب يشبه حالة المقدم على ارتكاب جريمة حرق نفسه. بقي الكتاب الأول معلقا في يدي وأنا أبكي بحرقة، وكأن يدا غامضة ثبتته بقوة في الفراغ المحاذي للنار. بسرعة استدركت أمري، إذ بدوتُ لنفسي سخيفة، لا أختلف في الجوهر عن أي رقيب صغير، من الدرجة العاشرة. لم أبلغ ليلتها حتى سطوة آخر عضو صغير في محاكم التفتيش المقدس التي حدثني عنها واسيني كثيرا. يراهم مثل الجرذان في كل مكان. أتذكر كيف صودرت روايته مصرع أحلام مريم الوديعة، وكيف ضحك بشكل هستيري لم أره فيه من قبل، عندما طُلِبَ منه أن يعوض اتحاد الطلبة لأنه لم يعد موجودا، بالاتحاد الوطني للشبيبة الذي كان ينشط يومها. قال لي واسيني بمرارة: المشكل أن الرقيب متخلف بشكل مدقع. ثم كيف يمكننا أن نتصور تغيير شخصية نقابية معارضة، بشخصية تسير في ركب النظام، ووفق ما خطط لها سلفا؟ الرقيب المسكين لا يعرف أن الإتحاد الطلابي خيار تاريخي، بينما اتحاد الشبيبة هو ملء فراغ سياسي استمر طويلا. بعد سنوات، بالضبط في اليوم العالمي لحرية الرأي، صادر عمال مطبعة دحلب، الملتحين، روايته مرايا الضرير، معفين بذلك الدولة من هذه المهمة الثقيلة. أتذكر ردة فعله عندما أُبلِغ أن الرواية قد طحنت بقاضمة الورق. في الوقت الذي كانت فيه الطبعة الفرنسية تباع في الأسواق الوطنية بلا أدنى رقيب؟ شيء من الخبل الذي يصعب تصديقه؟
تذكرت كل الحكايات والتفاصيل التي دارت بيني وبين واسيني حول هذا الموضوع. بدت لي فكرة حرق الكتب شبيهة بعمل عبثي لا جدوى من ورائه. ربما سيعطي دفعا إعلاميا أقوى لمريم، وهذا ما لم أكن أريده أبدا. تخيلت عناوين إعلاميا كثيرة وغريبة: مريم تتعرض لعملية حرق من امرأة مريضة، تغار منها... أو... مريم ضحية لتصفية حساب قديمة... أو... ليلى تنتقم من شخصية ورقية وتحاول حرقها... أو صديقة الكاتب واسيني تصاب بالجنون الأدبي... أو... زوجة عضو مرموق في الكارتيل الجديد ترتكب جريمة قتل غامضة...أو... ليلى، العازفة المرموقة في الفرقة الفيلارمونية لأوبرا وهران تفقد عقلها بسبب امرأة غامضة...؟ خيالاتي الغنية، دفعتني إلى توقيف عميلة حرق روايات واسيني، لأني بعملية حساب بسيطة أدركت أنها غير مجدية، وأني لن أضر مريم في شيء.
مشتركي مع واسيني يضعني دائما على حافة التساؤل: كيف أكون أنا بكل استقلاليتي؟ وكيف أكونه بدون أن أمسه في جوهره؟ رهان كل امرأة عاقلة. ولا أدري، بعد كل هذا الهبل، إذا بقي لي شيء اسمه العقل. لكني، على يقين، أن من يلعنني في علنه إرضاء للمنظومة الأخلاقية، التي هو عبد كاذب لها، يدرك في سره جيدا، أنني لم أؤذ أحدا، ولا حتى نملة. أنا لم أقل إلا ما يملأ القلب. ليس قلبي وحده، ولكن قلب الكثير من النساء اللواتي قضين عمرا يبحثن عن مرادف سخي لخيباتهن وانكساراتهن. أكره مريم، ولكنها داخل منطقها الورقي الصعب، لا تهمها كثيرا مصائرنا الحياتية. الثمن في النهاية، كيفما كان، لن يكون باهظا. أما أنا فالثمن أعيشه يوميا بقسوة وعزلة قاتلة. الغريب هو أني ومريم، نتشابه كقطرات دم العذراء المهدور، لأننا نغني خارج السرب، وخارج النظام المقيت، الذي يعسكر في دواخلنا المتعبة.
مجرد هزة عنيفة، ربما أدرك واسيني بعدها، قبل فوات الأوان، أني لم أكن مجرد امرأة ورقية، وأني لست طيبة إلى الحد الذي تصوره وهو يعاشرني سرا وعلنا على مدار أكثر من عشرين سنة، ويكتبني، ويعيد صياغتي بكل الحذر الذي يتصف به طبيب مختص، أو صاحب مخبر. ولم أكن أبدا ملاكا مفترضا لا يعرف للخطأ طريقا. امرأة، كلما تألمت، وضعت السكينة الساخنة بين أسنانها، وزمت فمها، ثم صرخت بكل قوة، حتى لا يسمع صوتها العابرون.

« - هذه هي أنا إذن، لا أكثر ولا أقل. »

-3-
لست مريم المشتهاة، وربما لم أعد حتى ليلى التي كان واسيني يعشقها عندما تقف على أدراج مدخل المدرج، وتسحب من على ظهرها كمانها، ثم تعزف جنون والدها بلا توقف. كثيرا ما نست نفسها، فتترك الدمع يخط وجهها الطفولي الطيب. ولا حتى ليلي الدلوعة كما كان والدي يشتهي أن يناديني قبل أن يسحبني نحوه، ويضعني على ركبته اليمنى، ثم يبدأ في تعليمي كيف أحرك أصابعي على خيوط الكمان، ومتى أضغط على القصبة، وكيف أحركها لاستخراج أنينه الداخلي. كان يقول لي دائما:
«- حظك يا ليلي، أناملك طويلة وناعمة، تعطيك حرية كبيرة في الحركة.»
كل شيء صامت من حولي، يحمل في عزلته طعم الخسارة.
لا أدري إذا ما كنت في حالة سوية، أم في حالة بداية خسران العقل بحيث انطفأت الكثير من الحواجز، ولكني على يقين أني صادقة مع قلبي. لقد أنهكته كثيرا بالتخفي وراء أغشية شفافة، لم تعد اليوم كافية لتجعلني أتحمل بصمت الميت، كل ما حدث، ويحدث لي.
حماقة من حماقات امرأة ورقية أو حقيقية، أو حتى ملتبسة، لم يعد الأمر يهم كثيرا. لا شيء سوى أنها أحبَّتْ رجلا حتى انتفتْ فيه بشغف. صمَّمتْ، وبلا سابق إنذار، أن تخرج إلى النور بعد أن أنهكها الصمت والعزلة. ها هي ذي الآن تأتي، محملة بذاكرتها المثقلة، وبكل ما يمكن أن يتسبب في خراب أكيد. هو يعرف جيدا أنها ليست المرة الأولى التي تخسره فيها وتستعيده بشطارتها المعهودة، أو يستعيدها في أكثر اللحظات يأسا واختناقا. ولن تكون المرة الأخيرة أيضا.
صحيح أن عزيز الطيب لم يعد موجودا بيننا ليقرب الشقة ويرمم الكسر العميق، ولكن شيئا من طفولته المسروقة، ما يزال قائما في واسيني، وهذا يكفي لأن أطمئن إليه من عنف الهزات القادمة.

-4-
وصلت إلى سقف التحمل.
كان يمكن أن تكون حياتي أجمل حظ في الدنيا، لولا ظل مريم. ولولا أنها توغلت في مسامات جلدي وأزاحتني بكتفيها العريضين وكأنها كانت تمارس لعبة خطيرة مع امرأة تكبرها سنا، ولم تعرف شيئا عن أسرارها الخفية. كان يمكن أن أكون أجمل عشيقة في الدنيا لولا ظل الوردة، كما كانت تسمي نفسها كلما رأت جسدها وهو يتزحلق على المرايا، قبل أن يندفن في عمقها مختلطا بدندنتها الناعمة:

« يا صانع الخوف والوحدة،
أنا مريم... أنا ظل الوردة،
عجينة من جنون كارمن، حماقات ليلى،
هبل رابعة وتيه حده ،
أنا مريم... أنا ظل الوردة. »

أشعر أحيانا بصعوبة المهمة، بل باستحالتها. لم أستطع أن أنزع الوردة من جذرها ورميها عل السطح، تحت شمس حارقة، وتركها هناك حتى الموت ذبولا وانتفاء، فكيف أتمكن من سجن الظل الهارب، أو قتله؟ لهذا كانت غيبوبة واسيني الطويلة التي افترضت وجودها بقناعة صارمة، هي اجتهادي الأول للقيام بمهمتي.
كان عليَّ أن أستغل الفرصة بشكل كامل وبلا تردد. على يقين أن ما أملكه اليوم من تصميم، قد ينتفي غدا عندما تتغير الشروط المحيطة.
لا أثق أبدا لا في الوقت، ولا في الزمن.
« غفوة واسيني الطويلة، هي لحظة صحوي القصيرة... »

* * *





واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-19-2010, 01:32 PM   #42
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل





من سين إلى ليلي

هذه المرة أيضا، سأخذلك بعنادي.

ليلي عمري.
الحبيبة الغالية
أنا في فينيسيا الإيطالية لمدة شهر، في منحة لكتابة سيرتي الذاتية. ركبني عفريت تدوينها منذ خروجي من الغيبوبة. لم أشعر أبدا بهشاشة الحياة مثل هذه المرة. فجأة تفتت كل شيء بين يدي كفراشة حولتها نيران القنديل الزيتي إلى نثار يشبه الغبار الملون كثيرا.
الأيام هنا جميلة وليست أبدا متشابهة. كل التنقلات هنا تتم بواسطة المراكب والعبارات. التاكسي، سيارات الإسعاف، التجول، البريد، التنظيف وجمع الزبالة... لابد أنهم يخسرون دم قلوبهم للحفاظ على هذه المدينة حية.
لقد تعودتُ على اسم ليلى، أو ليلي، وكأن شيئا آخر قد مات فيَّ. لا أدري ما هو، لأنني كلما حاولت الكتابة استيقظ في بشكله المبهم الذي لا أستطيع حياله أي شيء. شكرا على رسالتك، كنت سعيدا أن أسمع الأنين الذي فيك وأنصت إليه بقوة، بل أشد عليه بأسناني.
الكتابة أيتها الغالية هي حائطي الوحيد المتبقي، هي شهادتي الصادقة ضد عصر يتضاءل شيئا فشيئا لدرجة الانهيار والموت.
عرفت عندما كلمتني بالنقال، أنك كنتِ خارج البيت. لا تشغلي بالك بهذه التفاصيل، بيننا عمري قرابة الربع قرن من العشق والهبل، ولي كل الصدق لقول ما في القلب، وتحمل ما يضمره. فأنا أعرف أنه لا يريد أن يؤذي الآخرين. أعرف أيضا أنك في حالة هي شبيهة بالخيبة التي تقود حتما إلى الخوف من كل شيء، حتى من النفس. ليكن...
أيتها الحبيبة، نحن لا نحصل دائما على ما نريد، العكس أحيانا هو الأقرب إلى الحقيقة. هكذا تخيل الله الدنيا، وهكذا بناها. دورة من المتناقضات التي لا تنتهي أبدا. يومٌ ننهض فيه بسعادة نُحسَد عليها، ويومٌ آخر نستيقظ منذ لحظته الأولى، على كوابيس لا تحصى.

ليلي، مآلي الجميل.
نتمادى في المقاومة الدائمة ضد كل الرياح التي تسير وفق ما لا نشتهي. نخسر جزءا من العمر في الدوران لدرجة الدوخة. نستريح قليلا، ثم نعود إلى التمادي في عجلة الريح. بعد زمن قاس وصعب، نكتشف فجأة، وأحيانا بصدفة الأقدار، أن كل ما فعلناه لم يكن إلا صورة مخفية لهزائمنا الداخلية أمام نظام يريد تشكيلنا مثلما يشتهي، نرفض يده وأصابعه وألوانه التي يفرضها علينا. وعندما نلتفت يمينا، ثم شمالا، نكتشف أن الناس الذين كانوا معنا تخلوا بسرعة عنا، ربما في الوقت المناسب، وبدؤوا يدورون وفق مدارات الزمن. في عيونهم راحة، وعمرهم أطول؟
نحاول أن ننسى لا لشيء معين، سوى لنتمكن من الاستمرار في الحياة.
عدت الآن فقط من فلم جميل: غران طورينو ، يتحدث عن التمييز العنصري الذي ينشأ في داخل كل كائن مثل الحيوان القاتل والمتوحش. لا ندري مخاطره إلا عندما يضعنا في مواجهة أنفسنا وذاكرتنا المنكسرة. الفلم أخرجه وأنتجه كلينت إستيوود ، الذي عرف كيف يمحو، في زمن قصير، صورة راعي البقر التي التصقت به. توجه بذكاء خارق نحو حساسياتنا الدفينة، وهشاشتنا الإنسانية ولامس بأصابع ناعمة، كل ما يتخفى فينا من أشواق إنسانية وتوحش مضمر وجشع قالت، مثلما فعل في وان مليون دولار بيبي ؟ هل تذكرينه؟ لقد رأيناه في أحد شوارع أمستردام، ليس بعيدا عن محطة القطار، عندما تركت كل شيء وراءك في بروكسيل وجئت راكضة وأنت تقولين: ليكن. لن أعيش كثيرا، وفي حاجة إليك، ثم أن بروكسيل التي أزور مسرحها لتنشيط سهرة موسيقية كلاسيكية، بمناسبة الأسبوع الثقافي الوطني الذي كانت الجزائر ضيفته، ليست بعيدة. لم أسألك حتى عن الكذبة التي اخترعتِها لكي تتمكني من مغادرة فرقتك؟ ومن سيعوضك؟ قلت لك فقط تعالي فأنا في منحة كتابة، أنتظرك. لم أصدق. ظننتها حماقة من حماقاتك. ثم ذهبت لاستقبالك ليلا، في محطة القطار، وأنا غير مصدق. قلتِ وأنت تعانقينني: تروح مني فين؟ ثم انغمسنا في قبلة مثقلة بدين سابق من البعد والفقدان.
احتاج أحيانا إلى أن أنسى كل شيء، حتى نفسي لأراني في مرآة الآخرين، وأخفف عما أنا فيه. بجانبي جاري، لا يجد ما يأكله؟ أو آنيا الروسية التي كان يحزنك وجودها معي، طالبتي ثم زميلتي في التدريس، التي شلت نصفيا بعد حادث سير. مشتاقة فقط أن تحس بنفسها أنها مالكة لجسدها، وأنها قادرة على الحركة، لا للتسوق، وارتياد المراقص والمسارح العالمية التي كانت تأسرها، والركض المجنون وراء وهم الحياة، فهذا حلم لم يعد ممكنا. آنيتا لم تعد تتجرأ على طلب ذلك. تتمنى فقط الذهاب نحو النافذة لرؤية شروق الشمس أو غيابها. هل تدرين ما معنى ذلك كله؟ إنه يصالحنا مع الحياة. وإذا لم يفعل ذلك، فهذا يعني أننا أغبياء ولا نستحق لا الحياة ولا السعادة.
أنا لا أحاول أن أخفف عليك، ولكنها رؤيتي للأشياء، في الحياة منذ فترة. تعمقت لدي أكثر، منذ خروجي من الغيبوبة. لا افلح دائما، ولكني ابذل جهودا كبيرة بهذا الاتجاه، ولا أطلب من الحياة الشيء الكثير. وحياتك تكفيني الكتابة ونبض القلب لشخص أحبه، ويمنحني مبررا ضافيا للحياة. لا تصدقين إذا قلت لك إن الكتابة منحتني أجمل الأشياء، الحب، السفر، الهبل، التعرف على أناس في القارات الأربع، حب الناس، ولا يهم إذا كونت لي أعداء خلال حريتي، فهم غير مهمين في حياتي، وأجهد نفسي لأصل يوما إلى قوة عدم الرد عليهم ولا اعتبارهم. الحياة أجمل حظ وأكبر اكتشاف. ربما كان الله مثل عالم يكتشف دواءه بالصدفة. هكذا كان بالنسبة لمكتشف المضادات الحيوية، هكذا كان أيضا بالنسبة لنيوتن وهو يكتشف قانون الجاذبية، وهكذا كان بالنسبة لكالميت وغيران وهما يكتشفان دواء السل بفعل السهو والنسيان والخطأ الصائب؟ ما يزال الله تحت دهشة الضوء، لأن الحياة هي الضوء نفسه. أنت تعيشين فيه لأنك منه.
قد لا تكون محبتي لك كافية، ولا تدعي أنها تمنحك النور كله، ولكنها توقظك من حين لآخر على قبلة هاربة ومسروقة فقط لتقول لك: يا مجنونة قومي، اليوم جميل ومن العبث تضييعه كما كان يقول جاك بريفر عن يوم مشمس: جميل هذا اليوم، ومن العبث تسليمه لربِّ العمل! . قبل أن أعرفك، وأنا في تيه الحرية، لو قيل لي إن امرأة حمقاء ستضعني على الحافة وتفتش قلبي عن آخره، ما كنت صدقت! لكن ذلك حدث، وأنا سعيد بكل مخاطر هذه الحافة، وأنا لا أدري لأي مسلك ستقودني. ربما نحو الموت؟ لكني غير نادم، بل غير سائل. لأني في أدق لحظة صغيرة من عمري، سأقول اشهد أني عشت ومنحت الحياة أيضا لغيري. الباقي غير مهم. فلا خلود في الدنيا إلا لنثار الأجسام.
قبل سنوات، كنت أظن أن العائلة هي كل شي، لكني عندما وقفت على الحافة الأخيرة لم أر شيئا آخر سوى عمر كان يفترض أن أملأه جنونا ولم أفعل. الباقي أمنحه ما أستطيع، لكن حياتي ملكي. وربما ماساتي الكبيرة هي صراعي من أجل حريتي، أحيانا أتوصل إلى عيشها، وفي أحيان أخرى، اشعر بتعد قاس عليها، فلا أعرف ماذا افعل، لكني أصل دائما إلى إيجاد المسلك. لست من النوع الذي يستسلم وإلا لانتهيت منذ الطفولة الأولى.
كتبت عن طفولتي، وعن قسوة الفقر والحاجة، لا رغبة في ذلك. فقط لأدرك هول المسافة التي قطعها ذلك الطفل المهذب والصغير والملعون أيضا وهو يظن أن الدنيا لها حدود اسمها القرية. يحدث معي أحيانا أن أقف في وسط أهم شارع في نيويورك، أو في لوي أنجلس، وحتى في باريس، أو في أمستردام، في باس- تير في الكاريبي، وتحت أمطارها الدافئة، أو وأنا أقطع بهو مطار طوكيو الذي لا ينتهي، أو وأنا أتعثر عبر حائط الصين، أو حتى وأنا في عمق صخور الربع الخالي، هل يعقل أن كل هذا يحدث لذلك الطفل الذي لم يخرج من قريته إلا بصعوبة، وكان يظن أن كل سكان المدن قتلة؟ وأنه سيسرق في أول لفة، تحت البناية العملاقة. لا يا عمري، الدنيا تمنحنا هزات لا نتصورها في حياتنا، وحتى ولو لم أكن أنا، كانت حماقتك الجميلة، وفيض حريتك يقودانك نحو شاب أجمل، وأهم وأفضل من ذلك التروبادور التائه في مسالك الدنيا، ويمنحك الحياة التي تليق بك، ويمشي بك مسافة طويلة وجميلة نحو أجمل خفاياها.
ربما أشياء كثيرة تغيب عنك الآن. عن حياتي، وحتى عن جنوني الذي يشغلك. لا تخافي، فأنا أحبك، وكل كلمة قلتها لك، خرجت من قلبي. ويوم اشعر أن قلبي يكذب عليك، سأدفنه حيا حتى ولو استعطفني عن خطئه ليلة بكاملها. لا يهم أن تنتفضي ضدي لأني سرقت اسمك الأول، ولا يهم أن تكون مريم مصيدة كل النساء لأنهن كلهن يشبهنها، ولا تشبه واحدة منهن؟ المهم أن تشعري أن هناك رجلا، في هذه الدنيا، يفكر فيك بلا هوادة. وأن هذا الرجل وضع بين يديك عمرا مشحونا بالخوف وبذاكرة لا تشتهي إلا أن تعيش. الباقي ليس مهما. هل تدرين الآن لماذا أنوي أن أكتب سيرتي مثلما أشتهيها؟ ببساطة لأني لا أريد أن أتركها بين يدي أي شخص آخر غيري. لا أحد يعرف متاهاتي الداخلية مثلي. يخيفني الكتَبَة. لقد رأيت وجوههم التي أخافتني يومها في المقهى، لأنها كانت وجوها لا أعرفها. وجوه شخوص عادوا من قبورهم، لا ليطلبوا مكانا لهم بين الأحياء ولكن ليقتلوا كل من لا يشبههم. خرجت يومها من المقهى لأني خفت أن أتقيأ, عادتي هذه لا تعرفينها فيَّ. عندما تصل الخيبة أقاصيها أتقيأ. وعندما أتقيأ تخرج مرارات كثيرة دفعة واحدة. خفت يومها أن أموت قهرا أمامك، ولكني قاومت لا لأرضى أحدا، ولكن لأبقى حيا فقط. ربما ارتكب الأنانيون أهم خطأ في حياتهم لأنهم نبهوني لأحقادهم الدفينة تحت ركام الضغائن، ولا ادري كيف ستكون العواقب، ولكن شيئا فيَّ اندثر للمرة الأخيرة، في ذلك المقهى، وربما بشكل معلن ونهائي. شيء مات فيَّ ولا حل لدي.
على فكرة، وجدت عنوانا لسيرتي وأنا أعرف دلالته جيدا: عشتها كما اشتهتني! ما رأيك؟ أتحدث عن الحياة طبعا وليس عن امرأة. كان يمكن أن يكون: عاشتني كما اشتهيتها ولكني في هذه الحياة سأكون رومانسيا كاذبا. فالحياة لم تمنح لي في طبق. فقد وصَلتْ عداوتي تجاهها أحيانا حد التفكير في الانتحار. ولا حتى عشتها كما اشتهيتها، فهذه نرجسية تتجاوز قدراتي على التفكير. لا نعيش أبدا الحياة كما نريدها. لها نظامها الذي يقهرنا أحيانا. كلما انغلقت سبلها أعود إلى هشاشتي الأولى، وأنصت إلى الطفل الذي فيَّ، فهو لا يخذلني لأنه خارج كل الأطماع. وكلما انزلقت قليلا عن الطريق وتضببت الرؤيا في عيني، أعادني إليها وهو ينبهني فقط بعينيه. لم أعد قادرا على فعل شيء أندم عليه بسرعة. لا العمر يسمح ولا الرغبة متوفرة. كلما انغلق المخ، استرشدت بالطفل الذي فيَّ. عندما أتعب من الحياة، لن أيتمه، سآخذه معي. كنت طوال عمري مثل الفراشة، أركض بجنون نحو النور القاسي والقاتل، اخسر أحيانا جلدة الوجه التي أتركها ورائي ملتصقة بزجاج القنديل، شعر الحاجبين من كثرة تفرس قداسة النار، رؤوس الأصابع من فرط شهوة لمس ألسنة اللهب الأزرق. ولم تكن لدي نظارات واقية من النور المبهر والمعمي للأبصار؟ لم أكن ملاكا أبدا، ولا حتى شيطانا قادرا على شقاه. كنتُ فقط أنا، لا أكثر... ولا أقل. حريتي هي أكبر قيودي العنيفة وقد تقتلني يوما. لقد حصلت عليها بمشقة، فلا أريد فقدانها بسهولة. أنت جزء مهم من هذه الحرية، من هنا أيضا أزمتنا وجرحنا المشترك.
تنتابني أحيانا عقدة ذنب غريبة، فاشعر أني أعذبك بجنوني وحريتي. صدقا أتمنى لك كل الراحة في الدنيا. لك في مايا، ميراثنا المدهش والسري. أستطيع اليوم أن أشهد أننا مررنا على هذه الدنيا بسرعة تشبه سرعة الصواريخ العابرة للقارات. كنا نريد أن نعيش كل شيء، في اللحظة نفسها، وأن لا نخسر ثانية واحدة من جنوننا. لهذا لم نجد وقتا كافيا لنستمتع بالشكل الكافي. لكننا، على الرغم من ذلك، التهمنا كثيرا من الزمن الذي أعطى لحياتنا صدقها، ولأجسادنا فخر العيش الجميل. كبرنا ولكن جسدينا ظلا غضين كتفاح الحمقى. كلما أغمضت عيني، رأيت نفسينا قد تجاوزنا بالكاد العشرين. تخيلي؟ ربع قرن، بلا توقف، من الحب والعذاب الجميل؟ تخيليها للحظة أننا قضيناها في حياة زوجية ها... ها...؟
لا تحزني عمري عليَّ. لقد تجاوزت مرحلة الخطر، لأني بكل بساطة انتفيت وبدأت أتحلل وأتحول إلى نثار. لي أحلام، كل الدنيا لا تكفيها. أحتاج إلى حياتين متوازيتين لكي أكمل رحلتي. أشعر أحيانا أنني بسرعتي هذه، عشت أكثر من قرنين. ولهذا ألح عليك أن لا تتركي أبدا ما يعطي لحياتك معنى عميقا: الموسيقى. اعزفي حبيبتي وحدك في الأوبرا، واسمعي صوتك، أحسن من التشكي والدخول في دائرة الموت مثل الآخرين. اخرجي كلما كان ذلك ممكنا، ولا ترهني حياتك بأحلام رجل وأوهامه، كيفما كان حتى ولو كنت أنا. لقد كنا عاشقين بلا ضجيج أبدا.
هل تعرفين شهوتي الكبيرة الآن ما هي؟ أن أجيء نحوك، وأهديك وردة، وأنام على صدرك قليلا. ثم أدعوك لتنامي على صدري أيضا. وأتركُنِي أتمادى شيئا فشيئا نحو مطر جميل يخفت كلما لمست جسدك الحي، في شكل متواتر مع إغفاءتي ونومي. بعدها لن أطلب شيئا آخر. اقبل الموت بصدر مفتوح على الدنيا.
اشهد الآن بعد كل هذا الزمن الهارب، أن وهران ختمت قصتنا بالشمع الأحمر. وصوتك العذب سكن الدم ولن يغادره أبدا.
ثرثرت عليك لأني كنت في حاجة لأن أُسْمِعَكِ ما في قلبي وأنت قبالتي، قرب النافذة الزجاجية الواسعة المفتوحة على أحد أطول جسور فينيسيا، تنظرين إليَّ، تتأملين هذا الرجل الذي لا شيء سيقتله يوما إلا شعلة لغته، التي يركض عبثا وراءها.
لك عمري اصدق قبلة مسائية
مازلت هنا في هذه المدينة الساحرة، وأعرف جيدا أني خيبت ظنك هذه المرة أيضا إذ فضلت السفر إلى فينيسيا بدل المجيء إلى حافتنا البحرية في الجزائر، لأني سأكون الغائب الأكبر على قلبك. ليكن. عذري الوحيد هو أني لا أريد أن أقهرك بسفرة مسروقة، ثم أعود راكضا صوب فراغ كل يوم يزداد اتساعا.
سيني الذي يعتذر لك مرة أخرى عن الثرثرة غير المفيدة.

فينيسيا. 14- 01- 2009.





واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-19-2010, 01:33 PM   #43
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل






من ليلى إلى سين

لو فقط. تقتل مريم.. .

سيني الحبيب.
سعيدة من أجلك. قد يكون من المبكر جدا كتابة سيرة ذاتية. أمامك عمر آخر ستعيشه طويلا، ولكني أدرك انشغالك القوي. ثم أن البقاء في فينيسيا كل هذه المدة سيخرجك من دوائر الخوف. أنا سعيدة لكل هذه الغبطة التي أعادتك إلى الحياة أكثر قوة، بدل أن ترميك في دهاليز الخوف والارتكان إلى الموت.
سأتركك لهدوئك في فينيسيا، ولا أريد أن أنغص عليك وأنت في مدينة ستعيدك إلى طفولتك ومائك. أشعر أنك سعيد ولم يدخلك ملل المدن، لأنك في مكان يخرج عن العادي.
صدقني حبيبي أني حزنت على ما حدث لآنيتا المسكينة، حتى أني بدوت لنفسي، في لحظة من اللحظات، في أقصى درجات القبح. الدنيا ظالمة وأتمنى أن تعذرني على كل حماقاتي تجاهها. غيرتي هي التي وضعتني في مسالك الجنون والكراهية. لا أدري لماذا علينا أن نفقد الناس لنعاود النظر إليهم بشكل آخر، أكثر حبا وتسامحا؟ لا أعرف، ولكني حزينة على جمالها وجسدها المفتوح على أقاصي الجنون والحياة. أنا متأكدة من أنها ستجد نظاما آخر لحياتها لا يفقدها رغبتها في أن تكون كما تشتهي.
حياتي تغيرت قليلا، علي أن انظر للأشياء المحيطة بي نظرة أخرى. كان علي أن أتخيلك في غيبوبة طويلة لأستطيع أن أفهم لماذا سرقت مني مريم كل حياتي؟ يبدو لي أني بدأت أنتصر عليها. فقد مرضتني حبيبي. وعلي أن أظل بعيدة عنك قليلا لأقتنع أنك خرجت من حياتي دون أن تغادر قلبي، وأتمكن من تجاوز مريم. لقد قتلتني ومحتني، وكان علي أن أكون هكذا حتى ولو تألمت قليلا، ولكني انفصلت عنها وأصبحت أراها، وأنظر إليها بشفقة.
قلت في نفسي أول ما فتحت هذه الحرب، أني يوم أتوصل إلى أن أطلق النار على مريم، سأعود إليك كما أريد. لا تسألني اليوم على ما أنا فاعلة. في رأسي شبكة عنكبوت. أحتاج إلى وقت كبير لأفكك كل خيوطها وعقدها.

سيني حبيبي.
ما زلت أعيش على توقيتك الصعب، والمستحيل أحيانا.
عندما دعيت، مثلك لم أرفض. أنا في صيف غرناطة الأندلسي مع فرقة إسبانية. الشباب الذين فيها رائعون. اشتهيت أن أخبرك لتأتي، ولكني فضلت أن أعود إلى أعماقي، كما قلت لك لأتمكن من تمزيق كل تلك الغشاوة التي أصبحت تؤذيني ولم أعد قادرة على تحملها، خصوصا بعد مرضك. تخيل، في ثانية واحدة أحسست بنفسي لا شيء. لا أملك حتى حق قول ما يحق لأي إنسان أن يقوله. أن أزورك في مستشفاك كما يفعل جميع البشر؟ أن أقبلك بدون خشية من العسس المحيط؟ أن أمد رأسي وأتركك تمسد على شعري، وتفتش جسدي للحظة أخيرة؟ مثل المحكوم عليه بالإعدام كنتُ، مع وقف التنفيذ المؤقت، ليس له حتى حق الأمنية الأخيرة التي تمنح عادة للمحكومين قبل أن يعدموا.
هل لي أن أقول لك حبيبي، إني شعرت بنفسي فجأة أني لست أكثر من غيمة هاربة، وأنك لم تكن أكثر من سراب؟ قاس هذا الكلام، ولكنه أيضا حقيقي.
هي أنا، امرأة لم تتعود على رؤيتها. هل تظن أني أرفض أن أمارس معك جنوننا المعتاد في مدينة بحرية ستقيم بها شهرا بكامله؟ لا حبيبي. لم آتي إلى فينيسيا لأني فضلت أن أكون وحيدة، وأتركك مع أشواقك، ربما استطعت استرجاع لزعر الحمصي الهارب منك، بسهولة أكثر. ربما التقيت بعزيز وهو يضحك من آخر نكتة قلتها له. ربما رأيت والدك الذي لم تشبع من وجهه قبل أن تسرقه التربة منك. ربما صادفت جدتك ونمت في حجرها على وقع حكاية مخطوطة جدك الأندلسي. ربما رأيت ماما ميزار وهي تداوي جرحها المفتوح بتربة القرية ونثار الحصاد.... أريدك أن تجد في سكينتك المفقودة، وفي هدأتك الجميلة، كل ما سرقته الحياة منك في غفلة من نباهتك.
أنا أيضا حبيبي، أعيش وضعا نفسيا صعبا أعادني إلى نفسي منذ أن تصورت أني فقدتك. قلت لك في رسائل سابقة الإحساس الغريب الذي انتابني وكيف وجدت نفسي وحيدة؟ لا تستغرب أرجوك! حتى رياض لم يعد يبدو لي عدوا، مجرد ضحية من ضحايا جنوني. سأحرره أو سأتحرر منه، لأننا لم نعد نصلح لبعض. لقد غرق حتى الآذان في وحل الكارتيل. يتحدث عن القتل والانقلابات مثل الذي يتحدث عن أشياء طارئة في حياة أي إنسان عادي. المشكلة أنه يهددني بشكل غير مباشر بيونس ومايا. في قضية ابني لا تسامح أبدا. استطيع أن ارتكب جريمة الأمومة بلا تردد. لا أرى حياتي خارجهما. عليك أن تقبل مني هذا التحول الذي لم أعد أنا سيدته. إن الحرائق التي في داخلي تزداد كل يوم اتساعا. شيء فيَّ انكسر بقوة مثل البلور ولم يبق منه إلا فتات يسير من الصعب تجبيره. احتاج إلى قوة العزلة والانفصال عن كل شيء، لأتمكن من إيجاد توازن مقبول، لم أعد قادرة على تحقيقه.
مريم ليست رهانا فقط، ولكنها الحياة المسروقة نفسها.
قلتَ لي ذات مرة وأنت تسخر مني كعادتك:
- أي مريم يا مهبولة؟ كل مريمات الدنيا لا تساوين دمعة واحدة تنزل من عينيك. مريم ليست إلا استعارة للعجز المستشري في محيطنا. عجزنا، وجانبنا الخفي الذي نريده جميلا، ولكن قوة طاغية تسحقه أمام أعيننا بدون أن نستطيع فعل أي شيء. في مجتمع ينام على أعظم الكذبات، لا حلَّ لنا إلا الدخول في اللعبة والتحول إلى بهلوانات سخيفة، أو المقاومة حتى ولو كانت وسائلنا بدائية. مريم قناعنا ضد حياة ليست سهلة ووجوه قاتلة تنتظرنا في الجانب الخلفي من جنوننا. أنت النور الذي به أرى الدنيا.
ضحكت يومها، وأنا لا اعرف بمَ أجيبك، ولا كيف أربك صدقك. لكني استطيع حبيبي اليوم أن أقول لك بلا أدنى تردد:
- لا يا عمري... لا. مريم كفَّتْ عن أن تكون مجرد امرأة من ورق يمكن أن نحرقه متى نشاء, لقد أصبحت سلطة، وصرنا أنا وأنتَ أوراقا في يديها. تفعل ما تشاء بنا وبأسرارنا؟ تدخل كل البيوت والقلوب بلا استئذان؟ الجميع يعرفها؟ من يعرف ليلى القابعة في مكان ما من هذه الأرض؟ من يعرف أحزانها ونزفها؟ من يعرف أنها هي أصل الأشياء؟ امرأة الظل حبيبي، لا أكثر. أنت نفسك لا تستطيع أن تعلن عن حبك لها كما يفعل الجميع، وتقول إنها هي التي تعطي معنى جميلا لحياتي... صحيح أنك تخاف عليَّ من قتلة الكارتيل، ولكنك تخاف أيضا على نظامك الذي شيدته على مدار ربع قرن من المثابرة. معك حقك. استرح قليلا عمري، أخرج من الأدب للحظة، وتوجه نحو الحياة فقط لتراني وتتأكد من أني لست مريم. أرى في مريم هذه الازدواجية الغريبة التي لا تطاق. إحساس غريب بدأ يتربى في عندما زرتك وأنت تحت رحمة الأنابيب التي تربطك بالحياة. كانوا خائفين على كل شيء فيك: قلبك، تنفسك، حركتك، صوتك؟ ولم يكن أحد يعلم أنك علقت حياتك كلها في انتظار امرأة ستأتيك من وهران، حاملة في يديها قرابين الحياة. لقد صليت من أجلك كثيرا وطلبت من الله أن ينتزع من عمري ثلثها، نصفها، كلها، ويمنحها لك.
لا أدري ماذا أقول لك حبيبي؟ جرحك يتوغل فيَّ بعمق وبلا نهايات.
اشعر كأنه علينا أن نوقف كل هذا الوضع بواحد من الحلين، إما أن نرمي كل شيء وراءنا ونركب سفينة تتجه بنا إلى آخر الدنيا، وهناك نقضي ما تبقى من العمر مع بعض، أو نختار الحل الأنسب والأقرب إلى العقل، ونخرج مريم من بيتنا ومن كتبنا ومن ذاكرتنا، ونعود إلى أنفسنا كما اشتهينا. نحرق الأقنعة ونواجه الأشياء بشجاعة حقيقية وليس بالاستعارات؟
لقد استفادت مريم من جسدك، وعاشته داخل اللغة، بالمتعة التي اشتهتها وبالشكل الذي أرادته، وعشتُ معك اللحظة نفسها، ولكني بكل مآسي الاغتصاب المتكرر، الذي أدفع ثمنه كل مساء مع رياض أو مع أشباحك. أعطتك هي أيضا طفلين، ولم تفعل أكثر مما فعلتُ، ولكنها ظلت داخل متعة الجمل والنعوت والاستعارات والبلاغة المدهشة، وظللت أنا داخل المتعة التي تتخفى وراءها جهنم وأسئلة الرعب. أقول أحيانا: ماذا لو يُجن رياض ويذهب نحو مركز التحاليل من أجل اختبار adn مايا، ليرتاح من شكوكه؟ معه حق، يجب أن تذهب أمواله نحو أبنيه البيولوجيين. يحدثني أحيانا عن مشكلة توريث كل أمواله وعقاراته؟ عندما أقول له: يونس ومايا، يلتفت صوب بياض الحائط ولا يقول أية كلمة. أحيانا أقول لنفسي: لمَ الخوف من شيء مارسته بعيون مفتوحة؟ ليفعل الكارتيل ما يشاء، ربما حررني من ثقل كذبة لا أدري إذا كنت قادرة على الاستمرار فيها. هناك شيء غير عادل وضعته الطبيعة في طريقنا وحاصرتنا به. ولداك منك ومن هاجر، ومن حقكما أن تسعد بهما، لكن أنا... مايا ابنتنا ولا علاقة لها برياض سوى أنه زوج أمها؟ ربما حاسة الشم تشتغل فيه بقوة مثل حيوان بري، عندما يشعر فجأة أن الأبناء الذين يرضعهم، ليسوا له، لا يتوانى عن أكلهم أو تمزيقهم، كما تفعل القطط والنمور عادة. وحياتك آكل رأسه ورأس الكارتيل الذي ينتمي إليه، قبل أن يمسسهما بأذى.

حبيبي.
هل بردتْ شعلتنا؟
لا اعتقد، ولكن شيئا انكسر أعطاني الإحساس بأنك سلمت أمرك للدنيا.
لا طلب لي اليوم لكي نستمر إلا أن تحضر معي جنازة مريم، لكي نستطيع أن نستمر مع بعض، واستطيع أنا أن أعيش بجانبك عالية الرأس وليس كسارقة. مريم التي خرجت من نطفة مجنونة منك، آن لها أن تخرج من حياتك، أن تذهب للمرة الأخيرة نحو اقرب متحف تنام فيه. ستقول لي للمرة المليون، إنها مجرد لغة، وأقول للمرة المليون أيضا: لا. لا يا عمري. بهذه اللغة، تمنحها فرصة الاستمرار بيننا. ستجد لذة لا تضاهى لتنام في سريرنا، وتعيش على صمتك وتواطئك غير المعلن معها. بقدر ما تمنح الحياة لها، تقتلني، لأنها تشبهني وليست أنا. تحسسني دوما بحرية المرأة الورقية المطلقة، وبعقدة استحالة أن أكونها. بالتحليق بعيدا داخل ألوان السماء، وبقائي مسمرة على أديم أرض احترقت منذ قرون وأصبحتُ جزءا صغيرا من رمادها.
هذه هي الحقيقة التي تنتابني الآن وأتماهى فيها، فلا تغضب مني حبيبي.
كما تلاحظ، لم أنس شيئا من تفاصيلنا الحياتية. الذاكرة تتقد لحظة الخيبة والانكسار، وتنام مثلنا عندما نسكرها بنبيذ السعادة والأشواق الجميلة. في مرة من المرات قلتَ لي: اعزفي حبيبتي كل المقاطع التي تشتهين، ولكن اكتبي أيضا، فأنتِ تملكين حاسة جميلة وعميقة للكتابة. اكتبي. صمتُّ، لا لأني عاجزة عن الكتابة، فقد ابتليت بأبجديتك ولغتك منذ زمن بعيد، ولكني كنت أنتظر البركان العاصف الذي يعيدني إلى مجرى النهر. اشعر اليوم، بعد كل هذه القنابل الموقوتة التي تنفجر في داخلي الواحدة تلو الأخرى، أني بدأت أعود إلى مياهي الطبيعية. ها أنا ذي أكتب لكن، في غيابك لكي أستطيع أن أكون.
أعتذر إني خسرت مواعيد كثيرة معك، وكان أهمها موعد فينيسيا. ليس مهما. أنا أحس أحيانا أني خسرت موعدا أهم من هذا كله: يوم صدقت أني مريم، فسلمت لها شأني. قبل أن تتمادى لتصبح هي السيدة بلا منازع في بيتي وفي محيطي، وأتحول أنا إلى مجرد امرأة مقتولة، تعيش في ظلال جنونها.

سيني الغالي.
امنحني حبيبي فقط فرصة قتل مريم فيك، لكي أستطيع أن أعيش معك بقية عمري، مثلما أحلم وبالشكل الذي تريده. ولا تسألني لماذا؟ الإجابة عندك، ولم تعد اليوم تهم كثيرا. لك الإجابات كلها، في ربع قرن من الخوف، والصمت، والأقنعة الكثيرة التي أستطيع اليوم أن أفتح متحفا خاصا بها.
ربع قرن من الصبر والتناسي.
ربع قرن... باسطا حبيبي... باسطا.
حبيبتك التي لا تتوقف عن الإنصات إلى قلبك المتعب.

غرناطة، شتاء 2009




واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-19-2010, 01:34 PM   #44
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل





07s


-1-

« باسطا عمري... باسطا... باسطا. »
أخيرا تحول الجنون إلى حقيقة.
رتبت كل شيء قبل مغادرة السكريبتوريوم. كدت أنسى الغلاف الذي يحوي وثيقة مخبر النجاح للتحاليل، المقابل للبريد. ليس مهما، ولكن عليَّ أن أعرف وضعية هذا الرحم الذي قالت عنه الطبيبة منتفخ بشكل غير عادي، وكأن كل معضلاتي اليومية الأخرى لم تكن كافية أبدا.
المسدس أصبح الآن في حوزتي. لم يعد لمسه ولا حتى حمله يزعجني على الرغم من ثقله الواضح. سبع رصاصات، فهو إذن لا يساوي فقط وزنه؟
شعرت وأنا أرى كومة الأوراق المسحوبة، والمصورة، والمكتوبة، والرسائل، والصور، التي انتظمت في شكل كتاب، كأن عمرا بكامله اختزل في لحظة مسروقة من الحياة. تحول كل الجنون الذي كان بداخلي في شكل حرائق، إلى شيء يشبه المدونة. مدونة امرأة الظل التي قادتها غيبوبة حبيبها الحقيقية أو المفترضة، لا يهم، إلى رهافة في الحس، ورغبة فياضة لتفتيش داخلها بقسوة.
الشمس على عتبات التجلي النهائي.
وضعت ألمائتي وخمسين صفحة داخل الغلاف الكبير الذي أحضرته خصيصا لهذا الغرض. تحسسته قليلا، وزنته في يدي، ثم أغلقته بإحكام. كتبت اسم سفيان وعنوانه في متحف ستيدل، بفرانكفورت، حيث يعمل كخبير في الفن البصري، مع احتفاظه باشتغاله في مجال الكتاب كناشر ألماني-عربي يهتم بترجمة الكتب الفنية والإبداعية. عنوان المتحف أضمن من عنوان دار النشر، كما أكد لي سفيان في آخر مكالمة بيننا.

K. Maa. Sofiane.
Stadel Museum.
Schaumainkai. 63. 60596. Frankfurt am Main.

نظرت إلى الساعة للمرة الأخيرة.
استغربت مرة أخرى من اصطفاف نفس الأرقام، في خط مستقيم. حالة أصبحت تتكرر معي كثيرا. 7H 07mn 07 إنه وقت الحماقة الذي تحدث عنه الأجداد القدامى عندما تصطف الأشياء المتشابهة، وعندما تتقاطع كل الأرقام في خط واحد. فكرت أن أكتب رسالة أخيرة لواسيني أحدثه فيها عن هذه الصدفة ولكني تراجعت. استدركت في اللحظة نفسها أني انتهيت من كتاب، لم يكن في النهاية إلا رسالة طويلة. ثم أني، وللمرة الأولى، لم أر جدوى للكتابة له.
كان السكريبتوريوم هادئا بعد كل هذه العاصفة النووية الداخلية التي عشتها. بدأت الأشكال كلها تظهر بوضوح كبير بعد أن تسربت شلالات النور من كل الجهات. ظهر الكمان كاملا خلف الكمبيوتر، ولمع المسدس بقوة تحت الشعاع الفضي المتسرب من الكوة. فكرت في مريم لحظة، ثم تسللت يدي نحو المسدس للمرة الأخيرة.
لم أمنع نفسي من التشاؤم وأنا أرى أرقام الساعة مسطرة بهذا الشكل.
فجأة، أعادتني استقامة الأرقام، هذه المرة، إلى الرقم الأول الذي تلألأ في خط واضح، عندما جلست خلف الكمبيوتر، ورفعت رأسي لأول مرة صوب الساعة التي كان الزمن فيها يبدو مستكينا وثابتا 04h 04mn 04s . لم أفهم وقتها دهشتي وتساؤلاتي. لم تكن الأرقام المنتظمة والمتشابهة، إلا عيد ميلادي الذي غاب عني فجأة، من شدة ارتباطي باللحظة القاسية التي كانت تخترقني. فأنا ولدت في اليوم الرابع من الشهر الرابع. كنت بالضبط، نصف واسيني بالمقياس التنجيمي والديني. فقد ولد هو في اليوم الثامن من الشهر الثامن.
نسيت أن حياتي شارفت بسرعة نحو النصف قرن، وانفتحت عيني بقوة على لحظة الخروج الصعب من دنيا لم تكن دائما طيبة، وكما أشتهيها.
ولهذا عمري، اعذرني. باسطا... باسطا.

-2-
- يا يما؟ أين كانت كل هذه البلية؟
وأنا أعبر بهو السكريبتوريوم الضيق، سمعت طنين الذبابة التي كانت تفسد عليَّ هدوئي. بحثت عنها بعيني، ولكني لم أرها. تحسست صوتها بصمت القبور، ولكني لم أسمع شيئا من طنينها، وكأنها كانت تلعب معي لعبة القط والفأر.
رأيت نفسي في المرآة للمرة الأخيرة، قبل الخروج.
لم أختر ذلك عن سبق إصرار وترصد، ولكني وقفت وجها لوجه أمامها. تأملت وجهي طويلا. كنت بدون أية مساحيق. أريد أن أراني قبل أن أخرج من السكريبتوريوم، مثلما أنا. لباسي البنفسجي الجميل. تذكرت مريم، المولعة بمرايا الآخرين. رتبت شعري، مسحت على وجهي، بالضغط عليه قليلا لكي يسترجع حمرته الهاربة، ثم مسحت على عيني بهدوء لكي أنزع كل الثقل الذي نزل عليهما من قلة النوم. فجأة رأيت أن وجهي الذي بدا مرتبكا، لم يكن يشبهني. أو على الأقل هكذا شعرت. كانت ملامحي غريبة، لا تستقر على قرار. تتحرك باستمرار كالموجات النيلية التي تتهادى مدا وجزرا. تغيب وتظهر كسحب هاربة، تنكسر وتتداخل. شعرت بدوار غريب. ربما كان التعب هو السبب. أغمضت عيني قليلا، ثم فتحتهما، ولكن الوضع لم يتغير. كان وجهي خليطا مني، ومن وجه امرأة مبهمة. امرأة من ضباب وألوان، اختلط فيها الأحمر بالأسود، والبنفسجي بالأزرق النيلي. لأول مرة أدرك أني لم أكن أعرف وجه مريم؟ لم أرها ولا مرة واحدة في حياتي؟ فجأة رأيت بعض ملامح واسيني تختلط بوجهي. كان متعبا هو أيضا. ثم سمعت الذبابة الزرقاء المجنحة التي احتلت الخلفية. رأيتها تدخل في عمق المرآة. كانت كبيرة. ذبابة اللحم كما كانت تسميها جدتي، التي كلما التصقت بشيء، أفسدته. أكره أنواع الذباب لدي. لم أستطع أن أفصل بين الوجوه كلها، ولا حتى بين الأشكال التي تداخلت فيما بينها كلوحة زيتية عُوِّمَتْ ألوانها في الماء كثيرا. أغمضت عيني مرة أخرى لأتفادى الدوار، لكني عندما فتحتهما، كانت الألوان والأشكال الغامضة ما تزال تتقاطع. من حين لآخر تنفصل عن بعضها البعض، قبل أن تتلاقى وتتداخل. ثم تتبعثر مرة أخرى في شكل دوائر، وتتحلل إلى نقاط صغيرة، سرعان ما تعود إلى التشكل من جديد، مع الطنين الذي لم يتوقف أبدا. انتظرت قليلا حتى رأيت وجهي في صفائه الكامل. لكن سعادتي لم تطل كثيرا. فقد أزاحه وجه امرأة أخرى تأكدتُ هذه المرة من أنه وجه مريم، بملامحه الواضحة، وخطوطه الإسبانية القريبة من الغجر، وشعرها المبعثر في الفراغات، نعومتها الكبيرة، ابتسامتها الجميلة، وضحكتها التي سرعان ما تحولت إلى زعيق مفجع يشبه صرخة الشيطان عندما يستولي على روح مسالمة، أو يتخلص الجسد المريض من وجوده. هذه المرة كنت متأكدة من أنها كانت هي ولا أحد غيرها. كانت في قبضتي. شعرت فجأة بالسعادة والانتشاء. لم ينتبني أي خوف، ولا حتى من الشيطان نفسه الذي كان فيَّ، أو ربما كنتُه بنفسي.
كل شيء مر بسرعة. لا أدري ماذا حدث لي بالضبط وقتها لأنه لم يكن لدي وقت كاف للتأمل والتفكير. ثبتُّ قدمي بقوة في الأرض. ضغطت على كمل جسمي كأنه التصق بالمكان نهائيا. حبست أنفاسي للحظة. أغمضت عيني لكي أتفادى مشهد الدم. تهادى إليَّ صوت رياض وهو يأخذ بيدي في ساحة التدريبات في مركز الشرطة:
«- يجب أن تتعلمي كيف تحمي نفسك وأولادك من القتلة. لقد أصبحنا نعيش في غابة. قوة المسدس بريتا برابللوم 9 ملمتر، تكمن في تثبيت اليد والنفس والجسم. ليس مثل ميكرو عوزي. سرعة الرصاصة لحظة الخروج هي 350 متر في الثانية، ولك أن تتخيلي الفجوة التي يحدثها في الجسم. هل تعرفين ماذا تعني كلمة برابللوم Parabellum؟ أصلها من مَثَل لاتيني يقول: Si Vis Pacem, para bellum، التي تعني إذا أردتَ السلام، حضِّر الحرب.»
أطلقت على وجهها خمس رصاصات متتالية. حسبتها ذهنيا على الرغم من سرعتها... واحدة.... اثنتان.... ثلاث... أربع... خمس رصاصات... فجأة سمعت طنين الذبابة وهي تتهاوى محدثة صوتا يشبه أزيز طائرة حربية تسقط من الأعالي وترتطم على أديم الأرض. ثم شخيرا قريبا من شخير إنسان في حالة احتضار. ثم رأيت بخارا أبيض وأسود وبنفسجي وأزرق، يصعد من عمق المرآة. كنت جامدة في مكاني كصخرة باردة. تمايل زجاج الخزانة المتشقق، في مكانه قليلا، قبل أن يفقد تماسكه ويتساقط. في كسور اللحظة نفسها، لمحتُ بالكاد، جزءا صغيرا من وجه واسيني وهو يتهاوى قطعة، قطعة قبل أن ينتهي مع آخر قطعة زجاج نزلت من المرآة، مخلفة وراءها خمسة ثقوب مرسومة بإتقان على واجهتها الخشبية. أعدتُ عدها مرة أخرى.
ثم لم أر شيئا آخر، إذ عاد الصمت من جديد وكأن شيئا لم يحدث. تحسست برؤوس أصابعي الثقوب الخمسة. كانت كلها ساخنة.
الغريب أني لم أشعر بأي ندم. صحيح أني لم أر أي دم يسيل، ولكني على يقين من أني قتلت الثلاثة، في لحظة واحدة: مريم وواسيني، وحتى الذبابة الزرقاء التي احتلت المكان أيضا بالصدفة.
كنت متأكدة من شيء واحد هو أنه لا أحد غيري سمع صوت الرصاصات الخمس، التي اخترقت الخزانة بعنف شديد. كهفي كان مثل المخبأ النووي، محصن من كل الجهات، لهذا لم أكن خائفة من أي شيء.
تذكرت في اللحظة نفسها كلمة أخرى لرياض:
« - احذري! مسدس فارغ مثل الحجرة اليابسة، لا يساوي إلا ثقله.»
ليس فارغا، ولم يتحول إلى حجرة يابسة. بقيت رصاصتان. كان ساخنا. رميته في حقيبتي اليدوية، من يدري؟ نحن في غابة، والموت في كل مكان.
وخرجت.

-3-
غادرت السكريبتوريوم للمرة الأخيرة.
عندما تخطيت عتبة البيت، اكتشفت فجأة أني بالفعل لم أكن مريم، ولكني لم أكن ليلى أيضا، ولا حتى ليلي، دلوعة باباها وحبيبها. كنت شخصا ثالثا. لكني كنت أفضل حالا من أي وقت مضى. خفيفة وسعيدة، بعد أن أنهيت تعبا وشقاء كبيرا كان في طريقي.
المرة الأولى في حياتي التي لم أفكر فيها إلا بنفسي.
لم أر إلا البياض الذي محا من مخيلتي كل شيء، حتى واسيني.

-4-
في الخارج، كانت السماء زرقاء.
لمعت الشمس المغسولة التي أصبحت فضية بقوة. خرجت هذه المرة لأدافع عن حقي في المعصية والحياة وبعض الجنون. نصف ساعة قبل أن يفتح البريد لأبعث بالكتاب، وربع ساعة بالضبط قبل أن يفتح مركز التحاليل الطبية أبوابه لأستلم نتائج التحليلات الرحمية.
تدحرجت قليلا حتى وصلت إلى مخبر النجاح. كان قد بدأ يستقبل زبائنه. منذ أن اشترى أحد الخواص هذا المخبر الذي كان تابعا للمستشفى، تغيرت أشياء كثيرة فيه، خصوصا دقة المواعيد. أحسن.
كنت سعيدة أني لم أنتظر طويلا. سلمتني الموظفة مظروف التحاليل، وهي تنصحني بضرورة زيارة طبيبي الخاص بأسرع ما يمكن. مثل هذه الأمراض لا تتحمل الانتظار، قالت بصوت يكاد لا يُسمع. سألتها بعفوية، وربما بغباء أيضا:
- هل هناك ما يستوجب ذلك الآن؟
- في أقرب وقت ممكن. تعرفين أن الرحم مكان حساس.
وأنا في الشارع، استرددت أنفاسي من جديد.
- واش عرَّفها بما تقوله؟ مجرد ممرضة، تعطي لنفسها حق طبيبة مختصة؟ سأرى مع طبيبي بعدما أنتهي من البريد.
لم يكن لدي أي حلم آخر إلا وصول هذا الكتاب إلى البريد المسجل، ليذهب إلى فرنكفورت، ومنها إلى بيروت. كنت مستعدة لتحمل أسئلة عامل البريد وثقل دمه: ما هي المحتويات؟ لماذا أتعبتِ نفسك يا مدام؟ كل هذه الرسالة؟ ... فأجيبه بشكل آلي وغبي أيضا، كما تعودت أن أفعل معه: مجرد أوراق مرقونة على الكمبيوتر. مخطوطة إذا شئتَ. يرد وهو يكتم بصعوبة ردة فعله المعهودة: يا مدام لماذا تصرين على إتعاب نفسك دائما؟ كان يمكن ...

- 5-
عندما دخلت إلى البريد، حصل بالضبط، ما توقعته. كنت على رأس الطابور.
- صباح الخير خويا. طرْد من الأوراق المكتوبة. مخطوط يعني...
- صباح الخير يا مدام. كيف الأحوال؟
- الحمد لله.
ثم نظر إلى الطرد مليا. قرأ العنوان بلغة ألمانية مضبوطة تماما. فوجئت أنه كان يعرف اللغة الألمانية بامتياز.
K. Maa. Sofiane.
Stadel Museum.
Schaumainkai. 63. 60596. Frankfurt am Main.

- نسيتِ فقط أن تضعي كلمة Germany لأنك تظنين أن كل الجزائريين يعرفون أين تقع فرانكفورت؟... قلتها لك وأعيدها عليك مرة أخرى، لماذا كل هذه المتاعب يا مادام؟ بإمكانك أن تبعثي بالمخطوطة مباشرة عن طريق الإنترنت والإيميل، بواسطة الملف المرفق Attach. Files، كما يفعل جميع البشر في زماننا. الإنترنت يوفر لك الراحة والوقت، ولا يكلفك شيئا.
- المشكلة أني لست مثل جميع بشر زماننا.
- Vous plaisantez! En fichier attaché, un geste aussi simple, le courrier arrive au récépteur en un clin d'oeil.
- Je le sais bien. C'est juste un desir de ne pas ressembler aux autres qui penchent vers la vie facile, et d'etre soi-meme et de porter son propre parfum, sa propre touche. Je ne veux ressembler qu'à moi-meme. J'en ai assez, cher monsieur, de ceder mon identité et mon territoire .
- ما دخلي بالهوية والأرض؟ كنت أريد فقط أريد تسهيل المهمة عليك، لا أكثر.
- يكثر خيرك. في نظرك، من أكون؟ ما هو اسمي؟
- مدام؟! الله يسامحك. أعرف القراءة والكتابة. لست أميا، وإلا ما وُضِعتُ في هذا المكان. حامل شهادة ماجستير، وأحضر دكتوراه في الاقتصاد السياسي. لكن بلادنا تعلمنا، ثم تفقس بطالين. أنا أيضا سيطفح الكيل عليَّ ذات يوم، وأترك كل شيء في مكانه بلا أدنى ندم، وأصبح مجرد رسالة يرميها أهلي في هذا البريد بالذات، أو يستلمونها منه.
- سألتك من أكون ولم تجبني؟
- تريدين أن تعرفي كل شيء؟ طيب. ليلى يا سيدتي، أو ليلي في لغة المقربين. عازفة الكمان بالفرقة الفيلارمونية الوطنية التي كسرها القتلة، وتعيدون بناءها بصعوبة مع فرق أجنبية. زوجة تاجر كبير، عابر للقارات مثل الصاروخ. يتاجر في كل شيء، حتى في أعضاء البشر، مثل بقية عناصر الكارتيل الذين يعبثون بخيرات هذه البلاد. ساهم بأكثر من مليار سنتيم لبناء مسجد الجزائر الأكبر، لا تقربا من الله، ولكن ليرضى عليه أصحاب الشأن... اسمحي لي يا مدام... الحقيقية... أنت أفضل منه. ما يستاهلكش. لا شيء يخبَّأ في هذه البلاد. أصبحنا عراة. أدخلي الإنترنت وسترين كوارثنا.
كم اشتهيت أن أسأله عن تهمة تهريب الأعضاء التي ألصقها بعناصر الكارتيل، التي أسمع عنها للمرة الأولى، لكنه حرمني من ذلك عندما قام بشكل فجائي من مكانه مغيرا لهجته وحديثه. وشوش في أذني لكي لا يسمعه أحد. طلب مني أن أضحك. أن أضحك ولو بلا سبب:
ضحكت لسبب غامض.
- اضحكي يا مدام، اضحكي أرجوك، حتى يظن الرقباء أني حكيت لك نكتة فقط لأسليك وأخفف عليك من متاعب الانتظار. اضحكي وإلا سيكون أمري صعبا. كل الرقباء الذين يشتغلون هنا، هم في خدمة الكارتيل، بشكل أو بآخر.
ضحكت هذه المرة ببلادة.
كان الرقيب يقف وراءنا. يدور برأسه كالبومة، في كل الاتجاهات. عرفته من عينه اليمنى المقوسة، ورائحته التي تشبه رائحة الضباع.
ارتجت الأرض من تحتي قليلا، ولكني تماسكت. ومع ذلك واصلت ضحكي. لم أضحك هذه المرة من قلبي، كما تعودت أن أفعل، ولكن من جهلي. انسحب الرقيب باتجاه طابور آخر. قلت للموظف الذي كان يعرف الكثير، على عكس ما بدا عليه:
- ومع ذلك يا سيدي، فأنا لست ليلى ولا حتى ليلي.
نظر إليَّ كمن يواجه امرأة مجنونة. تغيرت فجأة كل ملامحه.
- أرأيت كيف تغير كل شيء فيك؟
لم يقل شيئا. وزن الطرد. وضع ثلاثة طوابع عريضة عليه. ختمها. ثم رماه في صندوق كان على يمينه. لم أسمع إلا صوته المبحوح، يطلب الشخص الموالي في الطابور، لكي يتقدم، حتى بدون أن يرفع رأسه نحوي لاستلام النقود التي وضعتها أمامه.
- يا الله... اللي بعده...
لا أدري إذا ما كان قد خاف مني، أو خاف مما قاله. لم يكن الأمر مهما في الحالتين. كنت جاهلة، وربما مهبولة. أحسست أن هذا الشاب المتيقظ، كان مشروع قنبلة موقوتة، قد تنفجر يوما في هذا البريد المركزي نفسه.
خرجت بدون أن التفت ورائي.
نظرت إلى السماء التي خرجت شمسها من وراء دكنة الغيوم القوية. فجأة شعرت بنفسي حرة. لا أحمل أي شيء. ولا حتى جسدي. فقد رميته في البريد هو أيضا مع بقية الأوراق.
تذكرت فجأة مظروف مخبر للتحاليل الرحمية، الذي لم أكلف نفسي حتى بفتحه.
جلست في زاوية الدرج، عند مدخل البريد، كأية سائحة متعبة. وضعت حقيبتي بين رجلي، ثم فتحت غلاف الرسالة بعصبية لم أفهمها، كأني كنت أريد أن أتخلص من شيء زائد فيَّ. كانت خلاصة تقرير. قرأتها. لم أفهم الأحرف، وعلامات الزائد والناقص، والإشارات المختلفة، وكثرة الأرقام والكسور، لكني فهمت نتيجة التقرير النهائية، لم يكن بها أي لبس أبدا:


Pap test (frottis vaginal) revelant des traces de cellules cancereuses au niveau du col de l'utérus. Echographie transvaginale avec biopsie .


لم أرتبك، ولكن جسمي برد فجأة، وتجمدت كل حركتي. شعرت بالموت البطيء يبدأني من أصابع رجليَّ، ويصعد كالسهم القاتل حتى الرأس.
كانت المرة الوحيدة التي تمنيت فيها أن تزيحني مريم وتستلم مكاني. كنت منحته لها بسخاء، وبلا أدنى تردد.
لا أدري ما إذا كنت غاضبة على الأقدار أو على الله. انتابتني رغبة عنيفة وغير محسوبة، للالتفات نحو السماء والصراخ بأعلى صوتي ضدهما. شعرت فجأة، في لحظة الظلم القاسية والعبث العنيف، أني كنت بصدد كتاب آخر، لم أكن مهيأة له، ولا قادرة على إنجازه أبدا.
« ربما كان كتابي؟
أو كتابك أيضا، مرآتك الخفية؟
... أو ربما لا هذا ولا ذاك... مجرد نثار عمر، يشبه الحياة قليلا؟ »
تأملت السماء التي غابت شمسها فجأة من جديد، ثم ضحكت بمرارة.
- يااااااااااه! ما بقى للعمياء إلا الكحل؟
استحضرت فجأة ثقافتي كلها، وما كنت أعرفه عن سرطان الرحم، وأشكاله المختلفة، بدون أن أقوم من مكاني. كنتُ كمن يسترجع محفوظة قديمة.
«... هو رابع أنواع السرطانات عند المرأة بعد سرطان الثدي، والقولون، والرئتين. يمس سنويا أكثر من 40 ألف امرأة في بلادنا. ويداوى بطريقتين: العمليات الجراحية المباشرة، أي بالاستئصال، أو بالإشعاع الخارجي، ويمس فقط الأجزاء المريضة، أو بواسطة حقنة إشعاعية تدخل في عنق رحم المريضة لمدة ساعات أو أيام، في المستشفى...»
تضبب كل شيء في عيني، ومع ذلك بقيت متوازنة. تساءلت في خلوة العجز والخوف من الموت: هل هو انتقام مريم المسكونة بألف جني يقف في صفها؟ أم انتقام المرايا التي أظهرت لي ما لم أكن أريده؟
شعرت بالإنهاك الكبير ينزل على جسدي، وبرغبة لا تقاوم للنوم.

-6-
حاولت أن أقوم من مكاني. أحسست بجسمي ثقيلا مثل كتلة رصاص.
عندما رفعت رأسي لأملأ عيني بالشمس التي ظهرت فجأة من وراء الغيوم الثقيلة، امتلأ أنفي بعطر قريب من ذاكرتي. حاولت أن أعرفه ولكني لم أستطع. ضغطت على خلاياي الدماغية لأستعيد اسمه، ولكن عبثا. كل محاولاتي باءت بالفشل. استنشقت بقوة وتحسست مصدره. التفت لاشعوريا نحو كل الجهات. فجأة توقف نظري عند امرأة كانت تعطيني بظهرها. كانت تتخفى بين امرأتين ورجل، لكن جزءا من جسمها كان يظهر بكامله. استغربت. فيها شيء مني. كانت ترتدي شالي البنفسجي، وقبعتي الزرقاء، ومعطفي الإيطالي، وكوفيتي النيلية. بل كانت تحمل في يدها مطريتي وحقيبتي اليدوية الشفافة. التفتت نحوي بنصف وجهها فقط، قبل أن تكشر ضاحكة ملء شدقيها. أغمضت عيني. قلتُ: ربما كان للإنهاك دور في هذه الرؤى الغريبة؟ ثم فتحتهما بهدوء متمنية أن يكون ما رأيته مجرد غيمة هاربة. وجدتها في الوضع الذي تركتها فيه. تكشر بحيث تظهر أسنانها العليا، بيضاء ناصعة. تأكدت هذه المرة من أنها هي. هي ولا أحد غيرها. مريم... مريم... هي. جنون! خمس رصاصات متتالية ولم تمت؟ صرخت بصوت اختلط مع زعيق ضحكتها الأخيرة قبل أن تنطفئ بين المرأتين والرجل، الذين غطوها عن بصري، لتنسحب نهائيا كالظل الهارب. لم أتحكم في حواسي التي انتفضت مجتمعة:
- مرياااااااااام!؟ ألم تموتي؟؟ لقد قتلتك، فمن أين جئتِ؟؟؟
كانت صرختي حادة مثل زعيقها الشيطاني، وطويلة.
حركاتي الغريبة أَثارت انتباه الناس الذين كانوا يرتادون البريد جماعات، جماعات، ودَفَعتْ بالشرطيين، السمين والرقيق، اللذين كانا يحرسان المكان، إلى الالتفات نحوي. خجلت من نفسي وخفت أن يعتبراني مجنونة. تقلصت في مكاني. ضحكتُ في أعماقي لأن سحنتيهما ذكرتاني بالممثلين الساخرين: لوريل وهاردي .
فجأة، شعرت بنفسي صغيرة جدا، ومريضة، وهشة مثل الريشة.
«- هي ظل، وأنا مجنونة... سنرى... لن تفلت مني هذه المرة.»
تمتمت وأنا أقوم من مكاني وأسحب لاشعوريا، مسدسي من حقيبتي اليدوية.
خيط العطر يملأ أنفي. تناسيت ثقل جسدي. نزلت بسرعة كبيرة الأدراج العالية التي بدت لي بلا نهاية. كانت عيناي مثبتتين في الفراغ، وفي سماء وشوارع ووجوه، بلا لون ولا حركة.
نسيت كل الأصوات التي كانت تتبعني أو تحيط بي، صرخات الناس... نقرات الأحذية التي كانت تقتفي خطاي... هسهسة الأجسام المحتكة فيما بينها... نداءات الشرطي السمين، التحذيرية:
- توقفي يا مجنونة. ارم المسدس وإلا أطلقت النار عليك... توقفي...
كان الصوت يتضخم ورائي مصحوبا بطنين نفس الذبابة الزرقاء الذي عاد يتبعني. استغربت الأمر مرة أخرى، إذ أنه يفترض أن تكون ذبابة اللحم، قد قتلت. لم أعبأ بنداءات الشرطي السمين، التحذيرية. سمعت فقط شخير تعبه وهو يتنفس بصعوبة، وسمعت طلقة الرصاص الأولى. واصلت الركض وراء خيط العطر الذي ظل يسحبني نحوه. كان تصميمي مجنونا ولهذا لم أعد أشعر بأي قلق. الطلقة الثانية، كانت جافة. شعرت بها في حلقي كرمال القفر الميت.
» لقد كنتُ طوال حياتي قوسا بين يدين قاسيتين. وكم من المرات شدتني هاتان اليدان الخفيتان وبالغتا في شدي حتى سمعت الطقطقة التي تنذر بالانكسار. وفي كل مرة أصرخ: فلينكسر... «
لم يكن صوتي؟ لم أعرف المصدر.
صوت الكمان الذي يذبح في العمق يملأني. أغمض عيني على هذه الحافة الهاربة. أرى امرأة تتمزق بين رغباتها وأحلامها الصغيرة والملونة، وبين حياتها الموغلة في عتمة الأرواح المحيطة بها، في وحشة الشوارع وفظاعة الإحساس بالوحدة... أشعر برغبة في البكاء: ذاك الأنين الجميل يعمق إحساسي بالفداحة..كم تراني خسرت طوال هذا الوقت الذي يمضي داخل الخوف والأسئلة التي تبقى معلقة على حواف القلب كالغصة؟
جريت أكثر وكأن الأوامر من ورائي، لم تكن تعنيني. مسحت المكان بعيني الحذرتين، بدرجة قاربت المائة وثمانين درجة. عرفت أين هي بالضبط. كانت مريم تسلك الطريق المؤدي إلى واجهة البحر، قبل أن تنزل نحو الميناء القديم. ربما كانت تريد أن تستقل سفينة ما للهرب؟ لم يكن الشرطي السمين بعيدا عني. فقد شممت رائحة عرقه القوية، وشعرت حتى بظله يثقل جسدي المنهك. ثم طلقة ثالثة قريبة مني، جمَّدت دمي... ارتعش المسدس في يدي، وأصبح فجأة لا يساوي إلا ثقله. بدأت أتهادى. غمرني فجأة صفاء غريب مع قطرات الدم الأولى التي نزفت من صدري، ولونت قميصي البنفسجي الجميل، ببقعة حمراء، عند النهد الأيسر تماما، كانت تتسع أكثر فأكثر، كلما جريت.
»هل انتصرتُ؟ أم هزمتُ؟ الشيء الوحيد الذي أعرفه هو: إنني... ما أزال واقفا على قدمي. مثخنٌ بالجراح، وكلها في صدري. لقد فعلت ما استطعت... وأكثر مما كنت استطيع... أما وقد انتهت المعركة الآن، فإنني آتي لأضطجع إلى جانبك، ولأصبح ترابا ... «
سمعت صوته مرة أخرى. نفس الصوت ونفس النبرة. كان هذه المرة واضحا كهذا اليوم الجميل. من هو؟ من قال هذه الجملة التي أدخلتني فجأة في دوار الموت؟ أعرفه ولكني نسيته أيضا، مثل خيط العطر المتسرب من مريم.
أركض. أحاول أن لا أتوقف. أتشمم الأشياء كحيوان بري ضائع. أشعر بجسدي أخفَّ من الريشة وهو يتسلل بين الناس ببطء شديد. كان تكاثرهم المتزايد يشبه جذوع وأغصان الأشجار الاستوائية التي سلكناها أنا وواسيني في جزيرة القديسات . يأتيني صوت مسقط المياه الدافئة التي تخفَّينا وراءها ومارسنا هبلنا الجميل. في لمح البصر، انتابتني مايا وهي تستمتع برمال الكاريبي البيضاء ومياه جبل الكبريت الدافئة.
تتكاثر الأمواج البشرية من حولي ممتزجة بالنداءات الحادة التي تشبه صفارات الشرطة وسيارات الإسعاف وهي تسير بسرعة مجنونة، مخترقة بلا رحمة الجموع المتراصة. أحاول عبثا أن أجد مسلكي للعبور نحو الجهة الأخرى. أطير في الفراغات اللدنة. أتحسس جناحي الملونين كجناحي فراشة. أقاوم ثقل الأشياء الغامضة التي تسحبني نحو الأرض. فجأة شعرت بعيني تثقلان وتستسلمان لنوم لذيذ لم أعرفه منذ زمن بعيد. ياااااااه... كم أنا مرهقة! أين كان كل هذا التعب؟ لم أنتبه حتى للرصاصة الرابعة، باستثناء صوتها الذي تضخم كثيرا في دماغي مثل دمدمة الرعد. ملأ ضباب بمئات الألوان والتدرجات عينيَّ وتملكني نوع من الدوار الساحر، لم أستطع مقاومة لذته. وقبل أن تنطفئ عيناي نهائيا على نور شمس انعكست بقوة على سطح البحر الأملس كمرآة، لمع في ذهني، للمرة الأخيرة، اسم صاحب الصوت الخفي الذي كنت أبحث عنه ولم يسعفني تعبي. ضربت على رأسي بقبضة يدي اليمنى. من غير المعقول؟ كيف نسيت نشيد الإله الكريتي المجنون الذي مات ملتصقا بإلهته هلينا، نيكوس كازانتزاكي؟
»... أما وقد انتهت المعركة الآن، فإنني آتٍ لأضطجع إلى جانبك، ولأصبح ترابا... «
تأكدت نهائيا من مسلك مريم التي كانت تتجه نحو الميناء القديم كما توقعت، وحتى من نوع عطرها الذي شممته وأنا متكئة على أدراج البريد. كيف هرب من ذاكرة حواسي، تشانل فايف ... عطري المسروق؟
عطر أنثى السراب...

باريس 2009.

الفهرس






الفصل الأول
بهاء الظلِّ............................................ .......................................006

الفصل الثاني
مشيئة القلب .................................................. ...........................113

الفصل الثالث
عطر الرماد............................................ ......................................206




واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
قديم 11-19-2010, 01:36 PM   #45
معلومات العضو
واسيني الأعرج
الروائي العربي الدكتور واسيني الأعرج

الصورة الرمزية واسيني الأعرج


إحصائية العضو





من مواضيعي

واسيني الأعرج غير متصل




الأحبة الذين في عمق القلب
كل سنة والمرايا بألف خير والمزيد من التألق واكتساب القراء الذين لا ينتظرون إلا ما يملأ القلب والحاضر سعادة واندفاعا دائما نحو الجمال. من السهل أن تبنى الأشياء ولكن من الصعب أن تستمر والمرايا نجحت في رهانها الأول: الاستمرار والحفاظ على قدر جميل من الجودة والسمو في المحاورة.
في عمرها الطفولي الرائع، امتلكت المرايا الكثير من مخزوننا من الحب والأشواق.
اتمنى أن تسمح لي الظروف للتواجد معكم قريبا.
دمتم للحياة وللمجلة وإلى لقاء قريب إن شاء الله
القلب ايضا، يتعب أحيانا من كثرة السخاء والحب
واسيني بعشق دائم وانتظار لا يكل ولا يتعب





واسيني الأعرج غير متصل   رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:15 AM.